تنسيقيات وكتائب مسلحة و"شبيح متعدد المواهب" في بوسطن


18 أبريل 2013

بالسخرية وحدها يواجه السوريون مأساتهم اليومية، مصممين على التحايل على الموت، ومدركين بأنّ الفرح  وحده من يجعلهم قادرين على استمرار مقاومتهم للنظام الذين يناضلون لإسقاطه سبيلاً للحرية والكرامة التي يبغون. وهذا حالهم مع كل حدث يحدث في الداخل السوري أو العالم كله، إذ لا تكاد الأنباء الأولى تتوارد عنه حتّى يستلهمونه ساخرين، ومحوّرين إيّاه بما يخدم قضيتهم، باتجاهين: الأوّل تسليط الضوء على انتفاضتهم ضد النظام ولو بشكل غير مباشر، والثاني: التعبير عن سخطهم من العالم الذي خذلهم ويقف متفرجا على موتهم.

هذا ما حصل حين حدث التفجيرين قرب خط النهاية خلال ماراثون مدينة بوسطن (الأقدم في العالم) في ولاية ماساشوستس شمال شرقي الولايات المتحدة، مخلّفا اثنين إلى ثلاثة قتلى، مع إصابة أكثر من 100 شخص آخرين، بسبب استعمال شحنات شديدة الانفجار أحدثت إصابات خطيرة، ليتلقف السوريون الخبر على صفحات التواصل الاجتماعي، محاكين مأساتهم من جهة، ومتضامنين تارة مع الضحايا الأمريكان من جهة، وساخرين تارة أخرى عبر عبارات تدمج بين الحدثين السوري والأمريكي بطريقة ذكية وملفتة، فهاهو الشاعر السوري المقيم في السويد جبران سعد، يكتب في ليلة حدوث الانفجار في السادس عشر من نيسان/ أبريل (2003): "المفروض انو كاترين زيتا جونز و انجيلينا جولي بواجهو الأحداث بصدورهن العارية وأنا جاهز للدعم فورا"، في استعارة ساخرة لعبارة المستشارة الإعلامية للرئيس الأسد " لونا الشبل" حين قالت على قناة الدنيا الموالية للنظام "سنواجه بصدورنا العارية" والتي كانت مثار جدل كبير في الشارع السوري حين حدوثها.

وكتبت " رشا الأخرس" قريبة زوجة الرئيس: "يوتيوب مسرّب يظهر الشبيح متعدد المواهب في مكان التفجير بالقرب من مكتبة جون كينيدي"، في سخرية من الشبيح السوري المتعدد المواهب الذي بات يعرف بهذا الاسم لظهوره في سوريا على شاشات التلفاز بالقرب من كل تفجير!، ولنفس الأمر كتبت الناشطة في مجال حقوق المرأة "نورا قريعة": " ظهور الشبيح الأمريكي متعدد المواهب في بوسطن في مسيرة مؤيدة للرئيس أوباما.."، وكتب حازم سلهب: " بدء انكشاف خيوط المؤامرة ( مع صورة الشبيح متعدد المواهب)".

 في حين كتب الشاعر والناشط السوري تمام هنيدي: " الجيش الكوري الحرّ يعلن تحرير مدرسة المدفعية في بوسطن"، في استعارة لما بات يعرف في سوريا باسم " الجيش السوري الحر"، وكتبت شام وسوف: " ألوية الناصر مارتن لوثر كينغ , كتيبة أسود الكاثوليك, سرية مارلين مونرو تتبنى التفجيرات و تتوعد بالمزيد ..تفجييييييييييييييييييييير"، وكتب الناشط المعتقل حاليا "شيار خليل خليل": ‏عاجل:الجيش السوري الحر يتبرع بخمس مضادات طيران وأربعة صواريخ ستينغر لأمريكا وتفتح المشافي الميدانية لنقل الجرحى إلى المناطق المحررة..".

وكان للسخرية من الإعلام والمعارضة السورية نصيب أيضا، حيث كتبت نورا قريعة ساخرة من قناة "الأخبارية السورية": "الاخبارية الأمريكية..الحياة طبيعية في بوسطن والهنود الحمر خرجوا ليشكروا ربهم لنزول الغيث.."، في محاكاة ساخرة من مذيعة قناة الأخبارية التي قالت أن السوريون يتظاهرون ابتهالا بالمطر! وكتب عماد أبو شرار: "هل ستقوم تنسيقية بوسطن باتهام النظام الأوبامي بتفجيرات بوسطن ؟"، في حين كتب الشاعر رائد وحش منتقدا المعارضة السورية: " النظام السوري هو من قام بتفجير بوسطن، كي ينقل الأزمة إلى الولايات المتحدة..* سنفور معارض ما"، وكتب المفكر خلدون النبواني: " ليش كانوا عم يركضو لما وقع الإنفجار؟ بكون حدا مخبرهن إنو في تفجير وهني هربانين ولا في ماراثون ولا من يحزنون. يتساءل عُصابي مُصاب بعقدة المؤامرة...".

في حين بدأ البعض الآخر يعمل على تطبيق شعارات الانتفاضة السورية على ما حدث في بوسطن، فكتب الشاعر محمد داريوس: "يا أخي صعبة ألفظ هيك شعار , أنا ما بعرف كيف كتبتو (ويا ماساشوستس حنّا معاكي ع الموت)"، و كتب أحمد برجس: " أيها العالم المتخاذل بوسطن تحترق ... وبان كيمون قلق ".

وبدا بعض الكتاب والنشطاء على الفيسبوك محتجين من تسليط الضوء والإعلام  بهذه الكثافة على ما حدث في بوسطن في حين يتجاهل العالم ما يحدث في سوريا من قتل ودمار، حيث كتب محمود الشرع: " في السياسة الدولية :من يعتقد أن استشهاد 100 ألف سوري أهم من مقتل عدد من الأمريكيين ساذج وساذج جداً"، وكتب "مسعود عكو": " يلعن أخت الحالة قتيلان في بوسطن خرب الدنيا، وفي سوريا كل دقيقة قتيلان وكأنه ولا شي".

ورغم السخرية المرة التي تعكس غضب السوريين الدفين من إهمال العالم لقضيتهم، لم تغب القراءات الجادة عمّا حدث في بوسطن في قراءة رد فعل السوريين ونقده، حيث كتب "عروة أحمد": " أخذنا نهزأ بالتفجير الذي حدث في بوسطن .. ناسين أنّ من ذهب ضحيته هم "بشر" مدنيّون مجرّد بيادق في رقعة الشطرنج .. عجوزٌ يشغله التفكير في دفع الضرائب , أمٌّ لها أطفال ينتظرونها في المنزل , وأبٌ وعد طفلته بأن يأخذها مساءً إلى الحديقة, وطفلٌ غافَل والدته فهرب من المنزل, وشابٌ يفكّر في حبيبته .. أوّل الحبّ .التفجير الآن حدث .. والأرض ما زالت مليئةً بالدّماء ..الجرحى في المشفى يتألمون بلا ذنبٍ اقترفوه ! ألهذه الدّرجة ألفنا موت الآخرين , وباتَ نكتة ؟! أم لأنَّ التفجير في أميركا ..هل كنّا سنهزأ لو كان في القاهرة مثلاً ؟ ألا لعن الله قاتلنا وقاتل الإنسانيّة فينا .الشعوب لا تمثلها الأنظمة .. والرحمة لضحايا الإرهاب".

 وكتب الإعلامي فيصل القاسم: "أمريكا العظمى تستنفر بسبب تفجيرين صغيرين، لكن ليس خوفاً، بل احتراماً لأرواح شعبها، فالقوى العظمى تبدو للخارج على أنها وحوش كاسرة، لكنها في الداخل في غاية الرقة والحنان مع شعوبها، على عكس بلداننا التي تبدو في غاية الرقة والإنسانية مع الخارج، لكنها وحوش كاسرة مع شعوبها".

وتخوف البعض الآخر من انعكاس الأمر على الانتفاضة السورية سلبا تحت ستار مكافحة الإرهاب حيث كتب عدنان علي: "في ضوء أن تفجيرات أميركا منسّقة وتقف خلفها جهة واحدة كما هو واضح، وفي ضوء أن الشخص الذي ألقي القبض عليه سعودي الجنسية .. فالواضح أن الاتهام يتجه تلقائيا نحو القاعدة .. وبناء عليه سيكون أوباما مدفوعاً لاتخاذ خطوات عملية ضد التنظيم وفروعه في الشرق الأوسط .. إعراب هذا الكلام سوريا يعني أن الحديث الخجول عن تسليح المعارضة سوف يتلاشى .. وربما تتجه واشنطن نحو توجيه ضربات جوّية لما تعتبره وجوداً مسلحاً للتنظيم في المنطقة بما في ذلك سوريا .. وعليه فيجب السؤال عن المستفيد من كل هذا ..".

لم يكتف السوريون بكل ما سبق، بل عمدوا إلى تشكيل صفحة على الفيسبوك حملت اسم "بوسطن في خطر، حيث بدأ النشطاء يعلّقون ويسخرون ويضحكون باحثين عن منفذ سخرية يعنيهم على الصمود، سخرية وصلت حد أن كتب نصر سويدان: "أعلن عن فتح باب غرفتي للاجئات الشقروات الأميركيات"، إضافة إلى رسم وتركيب صور للشبيح المتعدد المواهب يبدو فيها وكـأنه في بوسطن، وهو يقول: " أنا بالصدفة كنت في بوسطن، هي حرّيتك ياحمد .. هي حرّيتك يا أردوغان.. الله يخلينا القائد بحكمته"، لنكون أمام حالة شعب ينتج من الإبداع والسخرية والنكات رغم كل القصف والدمار المحاط به.

 "إن شعبا كهذا لا يمكن أن يهزم، وسينتصر"، هذا ما يقوله السوريون.

 

مقالات متعلقة

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من