أسئلة لإعادة التفكير: هل هي ثورة ديمقراطية؟


30 أبريل 2015

راتب شعبو

راتب شعبو: طبيب وكاتب سورى من مواليد 1963. قضى من عمره 16 عامًا متّصلة (1983 - 1999) فى السجون السوريّة، كان آخرها سجنُ تدمر العسكري. صدر له كتاب دنيا الدين الإسلامى الأوّلَ، وله مساهمات فى الترجمة عن الإنكليزيّة.

وسم الماركسيون السوفييت عصرهم بأنه عصر الانتقال إلى الاشتراكية، فكان أن انتقلوا هم في نهاية المطاف إلى "عصر غيرهم"، وتحولوا بحماس "يلتسيني" إلى اقتصاد السوق الحر والديموقراطية التمثيلية. وبذلك أجاب الزمن (بعد وقت غير طويل) على سؤال خروتشوف الشهير: "من سيدفن من؟".  وقد دشن يلتسن ذاك التحول بقصف البرلمان الروسي بالدبابات تحت سمع وبصر العالم بعد أن نقلت كاميرات CNN تنفيذ هذا القرار "الديموقراطي" نقلاً حياً ومباشراً. وكان سبق ليلتسين أن أطلق على البرلمان الروسي اسم "البيت الأبيض الروسي" تيمناً بالبيت الأبيض الأمريكي في إقرار صريح بالهزيمة السياسية والفكرية. حدث هذا قبل أكثر من عقدين من الزمن، وقد عنى هذا بوضوح أن فكرة الاشتراكية تراجعت أمام الفكرة الديموقراطية، وأن الأنظمة الشمولية أقل ملاءمة من الأنظمة الديموقراطية. كان طبيعياً بعد ذلك أن نشهد الثورات الملونة في أكثر من جمهورية سوفييتية سابقة.

دخل العالم بعد ذلك مرحلة تحول ديموقراطي، وازداد الطلب على مفردة الديموقراطية والميل للانتساب إليها، ففي حين كان الإخوان المسلمين في سوريا مثلاً يبحثون في الخمسينات في مراجعهم عما يثبت أنهم اشتراكيون قبل غيرهم، راحوا بعد تراجع الموجة الاشتراكية يكتشفون بقوة أنهم ديموقراطيون وأن "أمرهم شورى بينهم". وبالفعل أثبتت الفكرة الديموقراطية أنها أكثر قدرة على الحشد من فكرة الاشتراكية التي لم تتمكن من تعبئة الملايين وإخراجهم إلى الشوارع كما فعلت الفكرة الديموقراطية. في إطار هذا التحول يأتي "الربيع العربي" وفاتحته الثورة التونسية التي اعتُبرتْ تنويعاً عربياً للثورات الملونة، فأطلق عليها اسم شاعري هو "ثورة الياسمين". وقد تبين، على كل حال، أنها شاعرية بالفعل قياساً على ما تلاها.

المفارقة التي أظهرها "الربيع العربي" هي أن الوعي الذي قاد ثوراته ضد الأنظمة المستبدة بدأ ديموقراطياً (نزول الجمهور إلى الشارع بوعي مدني ضد استبداد مزمن) ثم سيطرت عليه حركات إسلامية، سواء في البلدان التي تمكنت فيها الحركة من إسقاط النظام، أو قل رأس النظام، أو في البلدان التي لم يسقط فيها رأس النظام بعد (سوريا هي المثال الوحيد الباقي). تتدرج الحركات الإسلامية هذه في مستوى تطرفها وجمودها ولكنها تشترك في أن الديموقراطية غريبة بالكامل عن نظامها الفكري، بل إن معظمها وأكثرها فاعلية يكفّر الديموقراطيين صراحة. وعي غير ديموقراطي يتصدر وعي الحركة ضد نظام غير ديموقراطي، تلك هي المفارقة.

تشهد سورية الحالة الأكثر مأساوية لهذه المفارقة. تكفّل النظام بإخراج جيل الثورة الأول من الميدان، قتلاً وسجناً وتهجيراً ودفعاً باتجاه الحركات الإسلامية أو باتجاه أعمال الإغاثة حيث تتنحى السياسة أمام هول الوضع الإنساني. غاب بشكل شبه تام الصوت الديموقراطي المدني المؤثر. تطابق خطاب الجماعات الإسلامية المسلحة الفاعلة على الأرض مع حقيقة فعلها وتوجهها، فهي ليست حركات ديموقراطية وبالتالي فهي ليست بوارد إقامة نظام ديموقراطي، معنى هذا أنها لا تواجه النظام الديكتاتوري السوري لأنه ديكتاتوري بل لأنه "كافر" أو "علوي". لا يجد الإسلاميون غضاضة في قول هذا، بل يفاخرون به، فهم أولاً وأخيراً يعملون على نصرة الإسلام السني وإعادة الاعتبار له، وليس من أجل فكرة الديموقراطية، ومن الطبيعي أن يكون خصومهم إذاً هم الكفار أو أهل البدع وليس المستبدين بوصفهم كذلك. غير أن المعضلة انتقلت إلى ملعب معارضي النظام من غير الإسلاميين. هؤلاء عانوا من محنة فعلية. فهم أولاً ضد النظام لأنه ديكتاتوري ومستبد وليس لأنه كافر أو علوي، وهم لا يرون قوة فاعلة على الأرض وقادرة على مواجهة النظام سوى هذه القوى الإسلامية غير الديموقراطية. المشكلة التي واجهها هؤلاء ناجمة عن غياب قوة على الأرض تحمل مشروعهم الديموقراطي. وبالتالي فإنهم يجدون أنفسهم محاصرين بالأسئلة التالية: هل ينسلخون عن قناعاتهم ويدخلون في إطار الخطاب الإسلامي الطائفي؟ أم يخافون من هذه الحركات الإسلامية ويجدون في النظام "أهون الشرين"؟ توزع البعض بين هذين الخيارين، ولكن هناك بعض ثالث اختار أن ينظر إلى الحركات الإسلامية هذه على أنها أداة قذرة لمهمة نبيلة، فهو يواظب على القول إن الثورة ماضية في طريقها رغم طائفية ووحشية أدواتها وإن تصفية هذه القوى بعد إسقاط النظام سيكون أمراً أقل صعوبة من إسقاط النظام. امتص هذا الخيار قسم كبير من المعارضين غير الإسلاميين، فتنازل هؤلاء عن نقد "الأداة القذرة" وعن نقد "الأنظمة القذرة" التي تقدم لها الدعم، وخسروا الكثير من صورتهم المستقلة. غير أنهم يعالجون محنتهم هذه بإغماض العين عنها ورميها في مستقبل يسمونه "اليوم التالي"، ولا يتجرؤون على التفكير بسؤال بسيط: لماذا لم ينجحوا في إسقاط هذه القوى في المناطق التي انسحب منها النظام بالكامل، في حين راحت هذه القوى تمارس سلطة مطلقة ولا عقلانية على الأهالي؟

السؤال هو: من الطبيعي أن يكون أصحاب الوعي الديموقراطي على رأس الحركة المطالبة بالديموقراطية، لماذا لا يكون الأمر على هذه الشاكلة هنا؟ في البحث عن إجابة نجدنا أمام دور العوامل الخارجية في رفع أو خفض التيارات السياسية، ولاسيما حين يكون الصراع قد اتخذ طابعاً عسكرياً. ولكن في البحث عن الجواب يتولد أيضاً سؤال محرج آخر: لماذا نسلم بأن هذه الثورات هي ثورات ديموقراطية، طالما أن القوى الديموقراطية لا تمتلك حضوراً فاعلاً فيها، وطالما أن المجتمع نكص بعد الثورة إلى ما كان عليه قبلها (مصر) أو تمزق في صراعات دموية وفق خطوط انقسام غير وطنية (اليمن، ليبيا، سوريا) أو في أحسن الحالات (تونس) يعيش مخاضاً عسيراً لا يزال عرضة للنكوص؟

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من