مسألة الثروة النفطية، استهلاك اليوم وتعويض الغد


30 سبتمبر 2015

لطالما ارتبطت مفردة «النفط» بالرخاء المادي و «البحبوحة» الاقتصادية. فالذهب الأسود كما يحب البعض تسميته أصبح عصب الحياة في عصرنا هذا، وهو الداعم الأول لميزانيات الدول المنتجة والمصدرة له. وحين نقول «دولة نفطية»، فإننا لا نقصد بالضرورة دولةً تعتمد في اقتصادها بشكل رئيسي على النفط، كما هو الحال في دول الخليج العربي أو بعض البلدان الأفريقية على سبيل المثال، بل يُقصد بالتسمية دولة تمتلك من النفط مخزوناً كافياً ليمهد الطريق نحو حياة مرفهة لشعب هذه الدولة.

غير أن الوضع في سوريا بقي مختلفاً لعشرات السنين منذ بداية استخراج النفط وتصديره في أواخر الستينيات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا، وبدل أن ترتبط كلمة « نفط» لدى السوريين بالعيش الرغيد، أصبحت كابوساً يومياً ملازماً لهم عنوانه البحث الدائم والسعي الدؤوب في سبل تأمين المحروقات للحصول على دفء فصل الشتاء، أو بعض «البنزين» لواسطات نقلهم، وارتبط اسم النفط بالموظف الذي ينال دخلاً يعد عالياً بالمقياس الوظيفي السوري، والذي قد يبلغ لدى البعض 35,000 ليرة سورية أي ما يعادل قبل الثورة السورية 700 دولار أمريكي، وحتى هذا الدخل القياسي بالنسبة لوظيفة سوريا لم يكن يعادل 10% من راتب موظف آخر بنفس العمل في أي دولة أخرى في مجال النفط.  الانتاج اليومي من النفط والذي بلغ في حده الأقصى قبل بدء الثورة السورية بأشهر قليلة 387 ألف برميل يومياً ، لم يكن موجهاً في يومٍ من الأيام نحو المواطن السوري، وذلك الرقم الفلكي كان على مدار عشر سنوات فقط (ولن نقول أكثر)، كان ليكون كافيا لكي يلغي مصطلح المواطن الفقير بالنسبة لبلد بمساحة سوريا وعدد سكانها.

النظام السوري سعى لسنوات طوال جاهداً نحو ترسيخ مقولة «سوريا بلد زراعي» سواء من خلال الكتب والمناهج المدرسية أو من خلال النشرات الاقتصادية اليومية أو حتى من خلال برنامج «أرضنا الخضراء» العريق في القناة التلفزيونية الثانية، والقديم قدم جلوس عائلة الأسد على كرسي الحكم، وليس في ذلك عن الصواب بُعد بقدر ما فيه تضليل والتفاف على الواقع واستخفاف بالعقول. فسوريا تمتلك المقومات التي تؤهلها لتكون بلداً زراعياً كما تمتلك الثروة النفطية التي تؤهلها لتكون بلداً نفطياً، وعلى الرغم من سيطرة الأخطبوط الأسدي البعثي على الإنتاج الزراعي والمؤسسات الزراعية من وراء شعارات براقة مثل « الأرض لمن يعمل بها»، تماماً كسيطرته على مقدرات البلاد النفطية ، إلا أن النظام آثر أن يصبغ البلاد بصيغة زراعية على أن تكتسب طابعاً نفطياً، وكرس تلك الاستراتيجية في النأي بالبلاد عن الانضمام إلى منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، فإضافة إلى أن انضمام البلاد إلى أوبك ستكلف النظام تحسيناً لدخل الفرد ورفعاً لمستوى معيشته بما يتناسب مع دولة عضوة في المنظمة، فإنها ستقيده بسعر ثابت للبيع وكميات محددة للإنتاج والتصدير وخلافه، الأمر الذي لن يكون مريحاً دون شك بالنسبة لنظام تعوّد على البيع والإنتاج اليومي غير المحدود والتنعم بمردود هذا الإنتاج بعيداً عن الشعب.

لن نطيل في الحديث عن وضع الإنتاج النفطي السوري اليوم، خصوصاً بعد شتاءٍ  قد فات وعرفنا قسوته جيداً، عاش المواطن السوري أيامهُ ومنتهى أمله في تحصيل 20 لتر من المازوت في الأسبوع طبعاً بعد الخوض في معاملات ومغامرات ووساطات ورشاوي وطوابير طويلة قد يكون الوقوف بها  دون نتيجة في نهاية المطاف. وضع حقول النفط السورية بات معروفاً للجميع اليوم بسيطرة داعش على 90 % من حقول النفط في سوريا، ولم يبقَ تحت سيطرة النظام سوى بضعة حقول منتشرة في ريف حمص في مناطق الهيل والفرقلس. والواقع أن داعش لا تسيطر على الآبار بقدر ما تلعب دور الوصي عليها بتفويض خفي من النظام، وسواء صحّت الأقوال التي مفادها أن النظام يشتري النفط من داعش أو يستفيد بشكل أو بآخر من الإنتاج النفطي الداعشي، فإن المشكلة الحقيقية ليست في من يسيطر اليوم ومن ينتج ومن يبيع ومن يشتري، المشكلة تكمن في المستقبل غير البعيد، ومن لديه بعض الإطلاع على علم الجيولوجيا وأساليب استخراج الثروات الباطنية، سيعلم أن لكل بئر نفطي عمراً إنتاجياً معيناً، هذا العمر الانتاجي تتم المحافظة عليه بالإنتاج المدروس عبر آليات وطرق مخصصة لهذا الأمر، إضافة الى العناية الدورية بالبئر من خلال عمليات حقن الآبار بالأحماض والتبديل الدوري لمواسير الانتاج والذي يتم عبر آليات انتاج مختصة، ودون ذلك فإن بئراً نفطياً عمره الانتاجي 20 عاماً قد يتناقص عمره إلى خمس سنوات فقط عند استخراج نفطه بطرق تقليدية تفتقد للخبرة وبإنتاج يومي هدفه الإنتاج فقط دون الحفاظ على البئر. بناء على هذا، النفط السوري اليوم يتم استهلاكه قبل أجله، وما هو مقدر  ليكفي من المخزون النفطي لمدة 50 عاماً ربما «إن لم يتم اكتشاف حقول جديدة والاستفادة منها» كما كان يقدر الخبراء قبل سنوات، سيتناقص خلال فترة قريبة ربما إلى عشرين عاماً أو أقل، وهذا هو الخطر الذي ينبغي تداركه والوعي تجاهه.

ما الحل؟؟

في ظل الوضع الراهن والمستقبلي، يبدو أن على المواطن السوري أن يظل مرتهناً لخبرات الخارج الاقتصادية ودعم الشركات الأجنبية في ظل انهيار البنية الاقتصادية التي كانت لو وجدت ستمهد الطريقة لاعادة تأهيل الحقول النفطية السورية مجددا، إضافة الى ضعف المعدات والتجهيزات الذي سبّبه أساساً عقدين  من الحصار الاقتصادي على  البلاد سبّبها نظام الأسد الأب منذ بداية التسعينات.

سيعاني المستقبل الاقتصادي السوري  دون شك من كل يومٍ مرّ، وتلك الثروات تحت سيطرة هذا التنظيم وذلك النظام، وستتكالب دول كثيرة للمساهمة في إعادة تأهيل حقول النفط السورية، واستثمارها لتقاسم الشعب السوري مردودها  تحت شعار إعادة الإعمار في سوريا المستقبل، الشعب السوري هو من سيدفع ثمن كل هذا، ثمن هذا التواطؤ والتحالف العلني بين نظام الأسد وتنظيم داعش وتقاسمهما حقاً  للسوريين تم حرمانهم منه في الماضي كما حرموا منه اليوم، وكما يتم  التمهيد لحرمانهم منه مستقبلاً. ثمن صمت دولي طوال خمس سنوات من عمر الثورة، وهذا يجعل الحاجة لوضع خطة عمل اقتصادية بعيدة المدى في الحكومات المقبلة ما بعد نظام الأسد أمراً أساسياً للنهوض بالبلد، فسوريا بلد لا يفتقد الكفاءات والإمكانيات، وما حرمت منه البلاد في ظل حكم الأسد بسبب الحصارات المتتالية وسياسات الممانعة لا بد من تعويضه مستقبلاً سواء في مجال النفط أو الغاز أو الزراعة والصناعة أو أي قطاع اقتصادي. مد الجسور الاقتصادية مع الخارج يجب أن يكون ذو فائدة للبلد قبل أن تكون الفائدة للخارج، فإعادة إعمار البلاد لن تتم إلا بسياسة أساسها  الحفاظ على حقوق الشعب أولاً، ومن ثم الانفتاح على الخارج للخروج من السجن الاقتصادي الذي استمر أربعين عاماً.

مقالات متعلقة

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو : هشام أسعد

بدعم من