العدالة الانتقالية والواقع السوري


21 مارس 2016

ميشال شماس

محامي سوري وناشط حقوقي في عدد من الملفات الحقوقية أبرزها: الدفاع عن المعتقلين السياسيين

 شهد الربع الأخير من القرن العشرين تجارب مهمة  في مجال تطبيق العدالة الانتقالية، وعقدت لأجلها الكثير من الندوات والمؤتمرات، كما قيل وكتب حولها الكثير الكلام، إلا أن موضوع العدالة الانتقالية بقي موضوعاً شائكاً وإشكالياً في العالم لاسيما في البلدان العربية التي شهدت وماتزال تشهد نزاعات مسلحة، حيث تباينت صيغ وطرق طرح موضوع العدالة الانتقالية وكيفية تطبيقها، سواء على شكل دعوات رسمية من قبل بعض صناع القرار السياسي في إطار تثبيت السلم المدني وإنهاء النزاع المسلح كما حدث في لبنان وتونس، أو على شكل دعوات رسمية للمصالحة الوطنية ذات صلة بمسألة تعزيز فكرة الانتقال الديمقراطي وتعزيز دور القضاء كما حدث في المغرب. كما تباينت مواقف الضحايا ومنظمات المجتمع الداعمة لها، لاسيما فيما سمي ببلدان الربيع العربي والتي ارتكبت فيها مجازر مهولة وانتهاكات جسيمة لحقوق الانسان، لكن الجميع أجمع على ضرورة الكشف عن الحقيقة وعدم الافلات من العقاب.

ومفهوم العدالة الانتقالية وإن كان طرحه جديداً علينا، إلا أن تاريخ ظهوره عملياً يعود  إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية وتحديداً في محاكمات نورمبرغ  التي أقامها المنتصرون في الحرب لمحاكمة القادة النازيين على الجرائم التي ارتكبوها بحق الانسانية، واستمرت تلك المحاكمات من عام 1945 ولغاية 1949، بينما اعتبر البعض أن مفهوم العدالة الانتقالية برز بشكل أوضح في أواسط السبعينات مع تشكيل محاكم تتعلق بانتهاك حقوق الانسان، ومن ثم توالت المحاولات الجادة  لتطبيق العدالة الانتقالية  في الأرجنتين ضد الحكم العسكري، واللجان التي تشكلت في تشيلي ضد حكم بينوشيت، إلا أن أبرز تجربة في مجال تطبيق العدالة الانتقالية كانت تجربة جنوب أفريقيا، وما تبعها من تشكيل محاكم دولية خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب، أبرزها المحكمة الخاصة برواندا ومن ثم يوغسلافيا كل ذلك أدى إلى ترسيخ مفهوم العدالة الانتقالية، وأعطى دفعاً قوياً باتجاه إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وبالرغم من أن هذه المحكمة ماتزال أسيرة سياسات أعضاء مجلس الأمن الدولي الذين يتمتعون بحق النقض، إلا أن إنشاءها كان خطوة مهمة في سياق نضال البشرية لمحاكمة مرتبكي جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية ومرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وتطبيق مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وتعويض الضحايا، والمساهمة في إرساء السلم الأهلي والاجتماعي  والمساعدة في عملية الانتقال الديمقراطي.

 واستناداً لمعظم التجارب التي طبقت في مجال العدالة الانتقالية في العديد من البلدان التي شهدت نزاعات وحروب أهلية دامية، فإنه يمكن استخلاص  خمسة مبادئ أساسية استندت إليها تلك الدول في تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية، وهي:

  • عدم الافلات من العقاب.. من خلال تشكيل محاكم خاصة، ومحاكم دولية.
  • مبدأ المصالحة وارساء السلم الأهلي: من خلال تشكيل لجان محلية من شخصيات موثوقة ومحترمة هدفها تطمين النفوس وتنفيس الاحتقان، وإعادة الثقة بين الناس لاسيما في المناطق التي شهدت أعمالا قتالية.
  • مبدأ التعويض وجبر الضرر: من خلال إنشاء صندوق لتعويض الضحايا عما لحقهم من أذى في نفوسهم وممتلكاتهم.
  • مبدأ تكريم الضحايا: من خلال تخليد ذكراهم بإقامة نصب تذكاري، وإطلاق أسماء الضحايا على المدارس والساحات والشوارع وتدريسها في المنهاج المدرسية حتى تبقى منارة للأجيال القادمة.
  • مبدأ نشر مفهوم العدالة الانتقالية بين الناس.

ماذا تعني تلك المبادئ  بالنسبة لما جرى ويجري في سوريا..؟ وهل هناك إمكانية لتطبيق تلك المبادئ على الواقع السوري؟ وما هي المعوقات التي يمكن أن تقف عائقاً امام تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية في سوريا.؟

مما لا شك فيه أن معوقات كبيرة وكبيرة جداً ستعترض تطبيق فكرة العدالة الانتقالية في سوريا، أكبر بكثير من تلك العقبات التي واجهتها جنوب أفريقيا على سبيل المثال، فالوضع الدولي مازال غير جاد في وضع حد للنزاع في سوريا كما كان جاداً وحازماً في جنوب أفريقيا، كما إن وجود نيلسون مانديلا ودوكليرك ساعد على وقف الحرب، يضاف إليها وجود مجتمع مدني لعب دوراً بارزاً في حماية السلم، هذه العوامل الثلاثة غير متوفرة في الواقع السوري،  ففي سوريا لا يوجد حكيم كنيلسون مانديلا ورجل شجاع كدوكليرك، ولا يوجد مجتمع مدني يعول عليه في ارساء السلم الأهلي، يضاف إليها التدخلات الأجنبية في سوريا وفي مقدمها التدخل العسكري الروسي وحجم الدمار في الأرواح والممتلكات وأعداد هائلة من المهجرين واللاجئين والمعتقلين كلها وتعدد القوى المعارضة وتشرذمها، كلها عوامل تشكل تحدياً هائلاً أمام وضع القضية السورية على سكة الحل.

  في اللحظة التي سيقف فيها إطلاق النار وتصمت أصوات المدافع والصواريخ والرصاص بشكل نهائي وثابت، ستنكشف هول المأساة الإنسانية التي حلت بسوريا وشعبها،  وستعلو صرخات المواطنين السوريين الغاضبة، ممن فقدوا أقاربهم وممتلكاتهم وأصبحوا هائمين على وجوههم في الأرض، سيملؤون الطرقات والأزقة والشوارع مطالبين الحكم الجديدة بالكشف عن مصير أبنائهم المفقودين، والتعويض عن الأذى المادي والمعنوي الذي تعرضوا له في ممتلكاتهم وأرواحهم، كما سترتفع أصوات الناس في المطالبة بالانتقام لهم من أولئك الذين تسببوا بمعاناتهم وآلامهم، ومحاكمتهم وإنزال العقاب المستحق بهم.

ولأن الجهاز القضائي في سوريا قبل انتفاضة الشعب السوري كان يعاني من عيوب جسيمة، وأما الآن فقد ازداد سوءاً، وأصبح هناك أنواع مختلفة من القضاء في سوريا فالمناطق الخاضعة لسيطرة النظام تطبق النظام الذي كان قائما قبل 11/3/2011  وفي المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، فتطبق فيها أنواع مختلفة من المحاكم منها المحاكم الشرعية، ومنها محاكم تطبق القانون العربي الموحد، وأما في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية " داعش" فالمحاكم فيها تخضع لمزاج الأمير عدا عن المحاكمات الميدانية التي ينفذها عناصر التنظيم والتي تنتهي بالقتل.

   وأمام هذا الواقع المؤلم، فإننا لا نتوقع أن يتم إصلاح القضاء السوري وتوحيده بين ليلة وضحاها، بل سيستغرق زمناً ليس بالقصير لإعادة بنائه من جديد.  وهو بوضعه الحالي غير قادر على  الاستجابة لصرخات الناس وبلسمة جراحهم التي عمقتها الحرب المجنونة  فلابد لنا هنا من التفكير جديا بوسيلة غير تقليدية خلاقة، تساعد في إيجاد الحلول التي من شأنها التخفيف من معاناة الناس وآلامهم الكبيرة.. والمساعدة على تجاوز أثار تلك الحرب.

  وأول خطوة في هذا الاتجاه  بعد الاتفاق على إقامة الحكم الجديد، هو أن يبادر إلى إصدار إعلان دستوري يعقبه مباشرة تعليق العمل بالدستور الحالي، ووقف العمل بجميع القوانين والمحاكم الاستثنائية كالقانون 49 لعام 1980 وقانون إحداث محكمة الإرهاب والمادة 16 من القانون14 لعام 1969 الخاصة بحماية عناصر الأمن من المحاكمة، والمرسوم رقم 6 لعام 66 الخاص بمناهضة أهداف الثورة وعرقلة تطبيق الاشتراكية والمرسوم 55 لعام 2011 الخاص بتعديل قانون الأصول الجزائية بتمديد التوقيف الأمني، وتفويض الأجهزة الأمنية بمهام الضابطة العدلية، وإيقاف العمل بالمحاكم الميدانية، وكذلك إلغاء العمل بالمحاكم التي أنشئت حديثاً في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وإلغاء جميع القوانين التي تعرقل سير المرحلة الانتقالية. ويجب أن يؤكد الإعلان الدستوري على وجه الخصوص على إجراءات إصلاح مؤسسة الجيش على أسس وطنية وحصر مهمته في حماية حدود البلاد، وإعادة هيكلة  قوى الأمن الداخلي ( الشرطة) وكذلك الأجهزة الأمنية على أسس شفافة مع اختصار عددها من أربعة إلى اثنتين واحدة تهتم بالشأن العسكري، وأخرى تهتم بالشأن المدني وإخضاعهما للمحاسبة والمسألة، وإلغاء كافة القوانين التي تمنح حصانة لعناصر الأمن من الملاحقة  والمحاكمة القضائية.

 والتأكيد في الإعلان الدستوري على إنشاء هيئة مستقلة باسم "هيئة العدالة الانتقالية" على أن يتألف أعضائها من شخصيات قانونية وقضائية واجتماعية واقتصادية وثقافية مستقلة، مشهود لها بالمصداقية والسيرة الحسنة. وللهيئة أن تستعين بمن تشاء من الخبراء والمختصين لمساعدتها  في إنجاز مهمتها في أسرع وقت ممكن، على أن يتم تحديد مهام هيئة العدالة بنص الإعلان بشكل واضح ومحدد. ومن المهام الملحة التي تنتظر هيئة العدالة للنظر، هي معالجة المسائل التالية:

  • إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الضمير وكافة الذين اعتقلوا على خلفية الأحداث التي شهدتها البلاد منذ تاريخ 15/3/2011
  • إنشاء محكمة مركزية في دمشق ومحاكم في المحافظات لمحاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الانسانية أو الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، وملاحقة والقبض على المجرمين ومصادرة الأموال والأشياء المنهوبة والمسروقة. وتعيين قضاة هذه المحاكم من القضاة المشهود لهم بالنزاهة والحيادية والاستقلال، مع ضمان جميع شروط المحاكمة العادلة.
  • تشكيل لجان مركزية ومحلية للسلم الأهلي والمصالحة الوطنية تضم شخصيات ثقافية وعلمية وقانونية وفنية ودينية واجتماعية ذات احترام، مهمتها الذهاب إلى المناطق التي شهدت اقتتالا أو نزاعات دينية أو طائفية أو قومية، وذلك من أجل تهدئة النفوس وإرساء السلم، ومنع حدوث عمليات انتقامية، وتبديد الشكوك وإعادة الثقة بين مكونات المجتمع, والبحث عن المفقودين وتسوية الأوضاع القانونية للضحايا. وتقديم الدعم والعلاج النفسي لضحايا الانتهاكات.
  • إحداث وإدارة صندوق للتعويضات يتم تمويله من ميزانية الدولة ومن التبرعات والمنح والمساعدات المحلية والعربية والدولية وتعطى الأولوية لذوي الضحايا والجرحى وتأمين مساكن بديلة لمن تهدمت بيوتهم، ويتم ذلك عبر لجان فنية مختصة تقوم بالمسح الميداني لكل المناطق وبوضع قائمة بأسماء الضحايا والمفقودين وتقدير قيمة الأضرار المادية وتحديد عدد المصابين والجرحى وتأمين استمرار علاجهم والبدء بإجراءات سريعة لإيواء المهجرين الفاقدين لمنازلهم.
  • إنشاء مكتب خاص لتوثيق كافة المراحل التي مرّت بالبلاد، وتخليد ذكرى الأشخاص الذين قدموا حياتهم ومالهم من أجل مستقبل الوطن من خلال إقامة النصب التذكارية وإطلاق أسمائهم على المدارس والأماكن والساحات والشوارع  وفي الأماكن التي شهدت نزاعا عنيفا،  وإدراج كل ذلك في المناهج المدرسية حتى تكون مثلا يحتذى ومنارة وذكرى دائمة للأجيال القادمة.
  • تشكيل مكتب نوعي ومكاتب فرعية إعلامية مهمتها إرساء وتدعيم السلم الأهلي وإجراء مصالحة وطنية ونشر التوعية والتعريف بمفهوم العدالة الانتقالية ووسائلها وهيئاتها ودورها واستخدام لأجل ذلك جميع وسائل الإعلام المرئي والمسموع بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي والمقروء يشرف عليها مختصون بالإعلام والقانون وعلم الاجتماع .

هذه هي أهم المبادئ والخطوات الواجب تطبيقها لحظة وقف إطلاق النار والاتفاق على حكومة أوحكم جديد في البلاد. ولا يمكن الحديث عن إطلاق عفو عام إلا بما يساعد في إنجاح المصالحة الوطنية وإرساء السلم الأهلي، وإغلاق ملفات تمت تسويتها من قبل الأهالي، أي أن يكون العفو في نطاق ضيق ويستثني منه بشكل خاص مرتكبي جرائم الحرب، وجرائم ضد الانسانية والتعذيب والاغتصاب وجرائم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان.

 دول كثيرة شهدت نزاعات مسلحة وحروب أهلية دامية، كما حدث في تشيلي والارجنتين ورواندا ويوغسلافيا وجنوب أفريقيا ..الخ، إلا أن الأطراف المتنازعة في  تلك الدول  وصلوا  في لحظة محددة إلى قناعة أن مستقبلهم لن يكون في استمرار قتل بعضهم، وإنما في بناء دولهم على أساس المواطنة والحداثة والتنوع، وقد استطاعت غالبية الدول التي طبقت العدالة الانتقالية من النهوض مجددا وأخذت مكانها بين الدول المتطورة.

  ولعل تجربة رواندا ماتزال ماثلة في الأذهان، وهي التي  شهدت صراعا دامياً  أودى بحياة عُشر سكان راوندا في حرب أهلية وصلت في ذروتها إلى مجازر جماعية وتطهير عرقي، لم يشهد مثلها التاريخ المعاصر. على أنها خير مثال على قدرة المجتمع على تجاوز الماضي وإعادة بناء الدولة من جديد، حيث استطاع الروانديين من تحقيق المصالحة والمسامحة والانطلاق ببناء الدولة على أسس جديدة من المواطنة والعدالة، فكتبوا دستوراً رائعاً وبنوا اقتصاداً جيداً، حيث تأتي رواندا اليوم في مقدمة الدول الأفريقية الجاذبة للاستثمارات.

    الطريق أمامنا لن يكون معبداً بالورود، وهو صعب بكل تأكيد،  وإن تطبيق فكرة العدالة الانتقالية في سوريا لن يكون بالأمر السهل، لكنه ليس مستحيلا، وندرك أنه ستعترضنا الأشواك والمطبات، وستواجهنا مخاطر كثيرة وتحديات كبيرة في معالجة الجروح العميقة والمآسي التي أصابت كل السوريين في أرواحهم وممتلكاتهم، لاسيما في السنوات الخمس الأخيرة.

   لذلك يتوجب علينا، أن نكون على أهبة الاستعداد والجاهزية، والعمل منذ  الآن على وضع الأسس والمبادئ التي يجب أن ترتكز عليها فكرة تطبيق العدالة  بما يتناسب ومجتمعنا السوري، وإن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه تتمثل بحملة إعلامية وندوات مستمرة تركز على أهمية مفهوم العدالة الانتقالية وتعريف الناس بها.

مقالات متعلقة

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو : هشام أسعد

بدعم من