النخبة الاقتصادية السورية: شبكات الحظوة واقتصاد الحرب


استراتيجية اقتصادية مسؤولة اجتماعيا هي أمر أساسي للانتقال السوري، علماً أنّ عدم بدء المعارضة السورية بعد بالدخول بنقاشات جدية حول مستقبل الاقتصاد السياسي السوري قد هدّد شرعيتها وحرم النخبة الاقتصادية السورية من فرصة إعادة التفكير بممارساتهم والمساهمة بانتقال سوريا نحو مستقبل أفضل.

16 نوفمبر 2016

أورورا سوتيمانو

عضو زمالة في مركز الدراسات السورية (جامعة سانت آندروز، بريطانيا) ومحاضر زائر في مركز الدراسات الدولية في معهد الجامعة بلشبونة (CEI-IUL,  البرتغال). خبرة سوتيمانو هي في مجال الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية بالشرق الأوسط. تتضمّن مشاريعها البحثية السياسات الاقتصادية في سورية البعثية وما يسمّى محور المقاومة: سوريا، إيران، حزب الله (مشاريع كتب)، وأيضا دور الاتحادات العمالية ومبادئ العدالة الاجتماعية خلال وبعد الربيع العربي. أجرت أبحاثاً ميدانية في سورية ولبنان ومصر وتركيا والبحرين والعراق

Translated By: مايا ميلاني

المجتمع الاقتصادي السوري مقسّم بين رجال الأعمال الصغار والكبار، بين المشاريع المحلية والمغتربة، وبين مؤّيدي ومعارضي النظام. إلى الآن، أحبطت التوّقعات بأن يلعب المجتمع الاقتصادي دوراً مفصلياً في عملية الانتقال السياسي في البلاد، ومن أجل فهم الانحيازات السياسية لرجال الأعمال وتأثيرهم على السياسة السورية الحالية، لذا علينا وضع العلاقة التاريخية بين النظام والأوساط الاقتصادية في سياق الديناميكيات الاقتصادية للصراع السوري، بما في ذلك ظهور فاعلين اقتصاديين جدد من اقتصاد الحرب المزدهر في سوريا اليوم.

  1. استلاب نظام الأسد للنخبة الاقتصادية السورية

هُمّشت طبقة التجار التي سيطرت على سياسة سوريا خلال الخمسينيات من قبل البعث الاشتراكي في الستينيات، فبدءاً من السبعينيات، أعاد حافظ الأسد تأهيل الرأسمالية السورية بشكل انتقائي وجزئي ضمن ما سمّي بسياساته "الانفتاحية" في محاولة لتنشيط الركود الاقتصادي، إذ قام (حافظ الأسد) بالسيطرة على قسم من المجتمع المديني السني الاقتصادي، ممن أصبحوا شركاء في مشاريع القطاع العام والبنى التحتية المستفيدة من الفورة النفطية لعام 1973.

إجراءات تخفيف القيود التي تمّت في أواسط الثمانينيات وأوائل التسعينيات جلبت الاستثمارات بشكل رئيسي في قطاع الخدمات، وخلقت سياسات حافظ الأسد برجوازية تجارية جديدة، اعتمدت عملياتها التجارية على صفقات تحت الطاولة، شبه القانونية أو غير القانونية مع مسؤولي الدولة1. الإصلاحات التي اعتمدت في بداية مرحلة الانفتاح فضّلت البرجوازية التجارية على النخبة الصناعية، وضمنت استمرارية نشاط التهريب المربح التي ربطت التجار الأغنياء ومسؤولي الدولة الفاسدين بمصالح مربحة لبقاء النظام2

حتى منتصف الثمانينيات بقيت العلاقات بين الدولة والتجار غير رسمية بمعظمها، باستثناء الترويكا الشهيرة لحيتان الأعمال (صائب نحاس، عثمان العائدي، وعبدالرحمن العطار) الذين سمح لهم بإطلاق أوّل مشاريع اقتصادية خاصة ضخمة.

بحلول التسعينيات، أصبح ممثلي رجال الأعمال أعضاء في مجلس النواب، في غرف التجارة والصناعة والهيئة الاستشارية (الرابط الرسمي بين الدولة والقطاع الخاص منذ عام1981).

مع ذلك، ضمن تأكيد النظام على استقلالية قراراته عدم تمكن الرأسماليين السوريين من تحويل قوتهم الاقتصادية المتنامية إلى نفوذ سياسي. فمؤسسات الدولة لم تكن أكثر من قنوات لتنفيذ القرارات التي يتخذها النظام. بينما أدى انعدام التمثيل إلى تشرذم الفاعلين الاقتصاديين سياسياً وجغرافياً وقطاعياً، وبالنتيجة عدم قدرتهم على التحرّك جماعياً.

الشبكات التي أنشأها النظام مع نخبة الفاعلين الاقتصاديين أتت أكلها في وقت الشدّة، فضمن بدر الدين الشلاح، رئيس غرفة تجارة دمشق حينها، ولاء كبار التجار لحافظ الأسد عام 1982، عندما حطّم النظام بعنف تحرّك مدينة حماه، بقتل ما لا يقل عن 15 ألفا من سكانها.( المحرّر: الرقم الذي ذكرته الكاتبة مختلف حوله في سورية).

  1. شبكة حظوة بشار

مع توريث بشار عام 2000، أراد النظام بوضوح الانضمام إلى السوق الدولية دون أيّ مساس بهيكلية سلطته، وهي التي منحت النظام صموده لثلاثين عاماً، فتحرير السوق غير المتساو الذي قام به بشار دون إجراء التعديلات الأساسية القانونية والمؤسساتية لعمل اقتصاد السوق بشكل فعلي، مهّد لإثراء مجموعة جديدة من روّاد الأعمال المرتبطين عن قرب بعائلة الأسد عن طريق استثناءات وامتيازات دخول أسواق مثل الاتصالات، تكنولوجيا المعلومات، تجارة المركبات والأسواق الحرّة التي أطلقت عام 20033

الأصول العامة انتقلت بتلقائية إلى سيطرة رأسماليي النظام المقربين والشبكات المحظية والشركات المرتبطة بآل الأسد بارتباطات القربى أو العشيرة، بينما أهملت الأعمال الصغيرة والقطاع الزراعي، وهي العمود الفقري للاقتصاد السوري4.

مسؤولي النظام وأولاد السلطة الذين سيطروا على الاقتصاد السوري تحت سلطة بشار وعدد من أفراد العائلة الموّسعة، شملوا ابن مصطفى طلاس (وزير الدفاع بين عامي 1972 – 2004) ابن عبدالحليم خدام (نائب الرئيس بين عامي 1984 – 2005)، ابن بهجت سليمان (رئيس المخابرات الداخلية في مديرية الاستخبارات العامة، 1999- 2005) أبناء علي دوبا (الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية)، آل شاليش (ابن خال الرئيس)، آل حسن، آل شوكت، آل نجيب وآل حمشو، وغيرهم.

رمز هذا الجيل الجديد من "رجال أعمال النظام" الذين بنوا ثروتهم عبر الطرق غير المشروعة والفساد وتبييض الأموال، هو رامي مخلوف، ابن خالة الرئيس. لدى مخلوف احتكار فعلي لخدمات الهاتف النقال، الأسواق الحرّة، وعدد من سلاسل المطاعم، وهو يملك أكثر من 300 ترخيص كوكيل لشركات دولية كبرى وأسهم كبيرة في شام القابضة، أكبر شركات سورية القابضة، ويعمل في العقارات، المصارف، والأسواق الحرّة5. تشير أرقام غير رسمية إلى أنّ مخلوف جنى أرباحاً وصلت إلى 20 مليون دولار أميركي في عام 2001 من احتكاره للأسواق الحرّة والاتصالات الخليوية.

هذه النخبة الاقتصادية الضمنية شكّلت جزءاً عضوياً من النظام، عموده الفقري الاقتصادي، بامتيازات مفتوحة فوق القانون والدولة6. مجموعة أخرى من رجال أعمال الطبقة الوسطى، واللذين هم نتاج "الانفتاح" استفادوا من الاستهلاكية الجديدة والمشاريع المشتركة للتصدير مع مجموعات أوروبية مثل بينيتون وأديداس وكارفور. الصناعيون السوريون أيضاً استفادوا من حماية النظام ليتمكنوا من إطلاق وإدارة مؤسساتهم (للحصول على التراخيص، ملكية الأراضي، التزوّد بالكهرباء، الخ..). التحالف المافيوي بين رأسماليي النظام والبيروقراطيين أدى لاستغلال وإضعاف غير مسبوق لأصحاب الصناعات الصغيرة والمتوسطة. الذين شكلوا الغالبية العظمى من الأعمال السورية وعانوا صراعاً ليتمكنوا من الصمود في هذه البيئة الاقتصادية الفاسدة والإقصائية7.

تشجيع النظام للنمو القائم على الاستيراد وجّه ضربة قوية للصناعة الوطنية، إلّا أنّ مافيوية النظام الاقتصادي السوري بعد عام 2005 هي التي صعّدت استياء الصناعيين السوريين من السلوك المتصيّد العدواني لأولاد السلطة، و"الرمرمة" عوضا عن الخصخصة للاقتصاد.

العلاقة غير القابلة للفصل بين الرأسماليين المحظيين والنخبة السياسية جعلتهم متورطين جداً في بقاء النظام. ضمن هذا الإطار يمكننا تقييم إلى أيّ درجة تغيّرت التفضيلات السياسية لمجتمع الأعمال منذ بداية الانتفاضة السورية.


3. الفاعلين الاقتصاديين والانتفاضة السورية

في مطلع الانتفاضة السورية، كان 70% من الاقتصاد السوري مسيطراً عليه من قبل القطاع الخاص، إذ أُحبطت سريعاً التوقعات المبكّرة بأنّ الاقتصاديين الكبار قد يغيّروا طرف تحالفهم، ويؤدّوا لشلل اقتصادي ينهون به النظام. في أيار 2011، اعتبر تطوّراً كبيراً مشاركة شخصيات اقتصادية في أحد أوائل مؤتمرات المعارضة8، الذي موّل من قبل رجلي المعارضة علي ووسيم سنقر، (تجار السيارات الفارهة في دمشق) وذلك بعد أن "حرقت ورقتهما" شخصياً بمحاباة النظام لمخلوف. 9 إلّا أنّ أولئك الذين اصطفوا علنياً مع المعارضة كانوا من رجال الأعمال المغتربين بشكل رئيسي، من غير المعتمدين على السوق السورية أو بقاء النظام في السلطة.

أصدقاء النظام الذين ارتبط مصيرهم وثرواتهم بمثيلاتها لدى النظام، وقفوا بحزم وراء أولياء نعمتهم مظهرين اقتناعاً بالرواية الرسمية التي ادّعت أنّ التقلّبات ستنتهي قريباً. موّلوا المسيرات المؤيدة المحشودة والمنسّقة وحملات العلاقات العامة الداعمة له10. غالبية رجال الأعمال السوريين اختاروا موقف المراقب تجاه الانتفاضة، إمّا لإظهار دعمهم للنظام أو لحماية مقدراتهم متوّقعين أن يتمكن النظام قريباً من إعادة الاستقرار. القلّة من رجال العمال الذين اصطفوا مع المعارضة شهدوا ممتلكاتهم في سوريا تصادر ووجّهت لهم تهم قانونية مفبركة في محاكم "مكافحة الارهاب" المستحدثة11.

مع تحوّل "الأزمة" لصراع مسلح، لجأت الحكومة للتقنين واعتمدت بشكل أكبر على النخبة الاقتصادية. ساهمت حظوة النظام بالتمويل حتى إنّها أنشأت ميليشيات مثل البستان، المموّلة من قبل رامي مخلوف، والتي تضم حوالي 11 ألف مقاتل من طرطوس واللاذقية من رجال أعمال النظام اللذين يستمرون بدعم المجموعات المسلحة أيضاً أيمن جابر (مليونير نفطي، مستثمر في شام القابضة، وشريك في تلفزيون الدنيا الخاص الداعم للنظام) وهو مموّل صقور الصحراء وفوج مغاوير البحر الذين ساعدوا الجيش على استعادة تدمر من سيطرة تنظيم الدولة (داعش). أيضا جورج حسواني (مالك شركة هيسكو المتورطة في صفقات شراء النفط من الحقول المسيطر عليها التنظيم) الذي يموّل درع القلمون، وهو مجموعة من 2000 مقاتل في المناطق المجاورة للحدود اللبنانية12.

رجال الأعمال الفاعلين في مناطق سيطرة النظام، وبغض النظر عن تفضيلاتهم السياسية وتقلّص أعمالهم نتيجة التردّي الاقتصادي والأمني، توّجب عليهم الانصياع لطلبات النظام للدعم المالي للمجهود الحربي13. بعض عائلات التجار الكبيرة كالشلاح وغريواتي (وكلاء حصريين لعدّة شركات سيارات شهيرة) غادرت سوريا إلى بيروت أو دبي. لا يدعمون المعارضة بشكل مباشر، رغم المزاعم حول مشاركة عمر الشلاح في مبادرة فاشلة للوساطة بين النظام والمعارضة14.

غالبية رجال الأعمال العاملين في مناطق سيطرة النظام كان لديهم تحفظاتهم على النظام إلا أنّهم لم يدعموا المعارضة. الأعمال التجارية الكبرى في سوريا تتركز إجمالاً في دمشق وحلب (وبدرجة أقل في حمص، اللاذقية وحماه). واقع أنّ هذه المناطق تحت سيطرة النظام ( والسرقات التي تعرّضت لها بعض المعامل الحلبية عندما سيطر عليها الثوار) يفسّر ذلك غياب الانشقاقات المؤثرة عن صفوف كبار التجار15. بين عدم الثقة بالنظام وفقدان القناعة المتنامي بقدرة المعارضة على هزيمته جهد الكثير من رجال الأعمال السوريين لتقديم أنفسهم بموقع الحياد لحماية مصالحهم بعد انتهاء الصراع، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي الذي سيأتي بعده.

عندما استمرت الأزمة أطول ممّا كان متوقعاً، بدأ رواد القطاع الخاص بسحب ممتلكاتهم ونقل إنتاجهم لدول الجوار: انتقلت أكثر من ألف مؤسسة سورية لتركيا وحدها، والعديد غيرها لمصر ودول الخليج16 لم يصطف معظمهم صراحة مع المعارضة. التنظيم المعارض المنفي الرئيسي (الائتلاف الوطني السوري) جذب دعماً مالياً من المغتربين17 بشكل رئيسي، ولكن ليس من أوساط التجار المحليين أو الجالية المغتربة حديثاً، فهؤلاء لازالوا يرفضون تبّني موقف سياسي قد يهدّد مواقعهم وثرواتهم بعد انتهاء الصراع18.

أسلمة الانتفاضة وظهور داعش في 2013 مثّلت نقطة تحوّل في الصراع ومواقف رجال الأعمال السياسية، خوفاً من فرض نظام إسلامي في سوريا، ولهذا غيّر غالبية رجال الأعمال، بما فيهم أولئك الذين تعاطفوا مع الانتفاضة في بداياتها، تفضيلهم وعادوا لدعم النظام على اعتباره أهون الأمرين19.

  1. 4. اعادة الهيكلة الاقتصادية وتغييرات توزيع أدوار الشبكات الاقتصادية خلال الحرب

أثر الصراع على غالبية روّاد الأعمال السوريين كان كارثياً: ألقى بهم إلى المنفى، أو أجبرهم على الانتقال من مناطق مستلبة في الحرب كحلب، إلى مدن اللاذقية وطرطوس الساحلية بتشجيع من النظام، )وهي خطوة وصفها النشطاء السوريون بأنّها خطة "لجذب الصناعات الوطنية لعرين النظام العلوي"20 (أو أجبروا على الإغلاق وتصفية أعمالهم. العديد من هؤلاء قد لا يعودوا بعد انتهاء الصراع، كما أنّ مصادرة الممتلكات الخاصة لتغطية عجز موازنة الدولة أو لمعاقبة شخوص المعارضة قد يكون أيضاً لها أثر دائم على إعادة هيكلة النخبة الاقتصادية.

متطلبات اقتصاد الحرب خلقت منظومة فرص جديدة للأطراف المتناحرة والمجموعات الإجرامية التي تستغل الصراع لمصالحها المادية من خلال النهب المنظم، سرقات الآثار، والسيطرة على حقول النفط السورية21، تهريب الوقود، السلاح، والبشر وبعض بقايا الزراعة... إذ أصبح اقتصاد الحرب هو النشاط الاقتصادي المسيطر في معظم المناطق السورية.

أعاد الصراع ترتيب أوراق الفاعلين الاقتصاديين بطرق عديدة، فشبكات التهريب التي ارتبطت تقليدياً بالنظام باتت اليوم تقوم بدور الفاعل المستقل، حيث أتاحت الحرب الفرصة لظهور شلّة جديدة من المتحذلقين: يشمل ذلك شبكات جديدة من تجار الحظوة الذين يستغلون فرص الحرب بملء الفراغ الناجم عن غياب المنافسين، أو العمل بأنشطة يعتبرها النظام أساسية لاستمراره، بما في ذلك تهريب السلاح والبضائع والبشر.

 ظهر نوع جديد من الوسطاء، أولئك الذين يدفعون الأتاوات للمسلحين لتسهيل عبور السلع بين المناطق المسيطر عليها من قبل مجموعات متصارعة مختلفة، فعلى سبيل المثال، القمح المدعوم من قبل النظام، يتم تهريبه من مناطق سيطرة الثوار إلى مناطق سيطرة النظام لمصلحة المزارعين المحليين عبر سلسلة طويلة من الوسطاء22 إضافة إلى أنّ الفقر المدقع في المناطق المحاصرة وغياب الخدمات المالية في مناطق سيطرة الثوار جعلت المدنيين معتمدين على حوالات مالية من الخارج أو مساعدات مالية من المنظمات الإنسانية. المدنيون والمنظمات غير الحكومية يعتمدون على الحوالات من تجار المال23 الذين ازدهرت تجارتهم، حيث بيّن مكتب برتشوود الاستشاري الدولي أن حوالي 16 مليون دولار تمّ تحويلها نقداً لداخل سورية في العام 2014 وحده، وذلك بعد استفتاء شمل 13 وكالة إنسانية.

خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وسّعت هذه النخبة الاقتصادية الجديدة قيد التشكيل نطاق أنشطتها وبنت علاقات مع مجموعة من الفاعلين السياسيين، بما في ذلك روّاد أعمال غير مشروعة في أوروبا وشمال أفريقيا، فـ "صناعة الحصار" مثلا تعتمد على توفير الحاجات الضرورية للمدنيين المحاصرين ويدخل فيها كبار رجالات النظام، الذين يسمحون بشراء السلع من رجال الأعمال، ثم التجار الذين يقومون بتوصيل البضائع للحواجز، مقاتلي الجيش والثوار الذين يفرضون الأتاوات ويتحكمون بتوزيع المنتجات على المدنيين، كلّ ذلك بينما يتربّحون جميعاً من هذه التجارة الممنوعة24.

تجار الحرب المتعاونين مع زعامات الحرب المرتبطين بالنظام وتجار حظوته في مجالات النقل، التوزيع، والتهريب لديهم مصالح مرتبطة باستمرار الحرب والفوضى القانونية لما بعد وقف التصارع الفعلي. في الوقت ذاته، يعملون بازدياد على استغلال عنق الزجاجة في الاقتصاد المحلّي لتحرير أنفسهم من ارتباطهم بتعليمات دمشق25.

أيضا، التواطؤ أو الاعتماد المتبادل المعقّد بين الأطراف المتحاربة، من الموالاة والثوار، ورواد الأعمال المضطرين للتعاون معهم ضمن اقتصاد الحرب المزدهر يجعل من الصعوبة بمكان تقدير إلى أيّ مدى ستظل هذه المجموعات معتمدة على المسيطرين على القوى السياسية في سوريا المستقبل26.

  1. 5. الخلاصة

من الصعب توضيح تذبذبات سياسات النخبة الاقتصادية السورية خلال الانتفاضة، نتيجة الطبيعة المتوارية والمبهمة لدعمها السياسي. أيّا كانت الاستراتيجية التي تبنتها (دعم أحد الاطراف أو إظهار الحياد وترقب النتيجة)، يبدو أنّ روّاد الأعمال السوريين يفضلون نتيجة سياسية تضمن لهم الاستمرار بالوصول إلى الثروة في سوريا المستقبل27.

غالبية رجال الأعمال السوريين ظلّوا متورطين في استراتيجياتهم السياسية السابقة: "شبكات الحظوة"، ومن ضمنها ثلّة المقربين وممارسات الفساد والتواطؤ المنتشرة، لا زالت تأتي بثمارها السياسية28. مع تصاعد الصراع، بقيت المحدّدات الأهم لمواقف رجال الأعمال هي قربهم من مركز قوة النظام ونظرتهم للسياسة على أنّها مصدر للاستقرار، بالتماشي مع الاقتصاد السياسي السوري المعتاد، أي بعيداً عن تجار الحظوة الرئيسيين الذين يستحيل فصل ارتباط مصيرهم ببقاء النظام، أبقت السلبية السياسية، وليس الولاء، رجال الأعمال السوريين بانتظار واستعداد للتأقلم مع تغيير دراماتيكي محتمل في السلطة، بغضّ النظر عن لونه السياسي، وفي محاولاتهم الحفاظ على مصالحهم، ظلّوا متابعين للأحداث عوضاً عن قيادتها29.

مع تصاعد الصراع، وتقلّص الفرص التجارية، وظهور التطرّف الإسلامي المعادي للغرب المهدّد لمصالحهم، بات حتى رجال الأعمال الذين كانوا في ما مضى متعاطفين مع الانتفاضة محايدين في الحفاظ على مسافة بينهم وبين كلّ من النظام والمعارضة، ومع الوقت انتقى الكثيرون الخيار البراغماتي بالعودة للنظام كمصدر محتمل للحد الأدنى من الاستقرار المطلوب لممارسة أنشطتهم التجارية.

خلال السنوات الخمس الأخيرة، أعادت الحرب ترتيب العلاقات الاقتصادية، وهي تضع الآن أسس تغيير واسع لبنية الدولة الاقتصادية-الاجتماعية. علينا التعامل مع واقع أنّ الصراع قد تحوّل إلى مؤسسة اقتصادية مموّلة من مصادر داخلية وخارجية، وقد نرى في المستقبل دمجاً لأنظمة اقتصاد الحرب.

كان النظام الاقتصادي السوري قبل 2011 نظام حظوة رأسمالية مفترسة: شبكات التهريب، احتكارات الحظوة، تحريك رؤوس الأموال غير المشروع والمنافسة المشوّهة كانت السمات الرئيسة لعلاقة الدولة بالأعمال. جعل اقتصاد الحرب هذه الممارسات أمراً مفروغاً منه، استغلالياً وعنيفاً: همّش بعض المجموعات وساعد فرقاً جديدة من المحظيين، المهرّبين، الوسطاء وأمراء الحرب على الظهور والازدهار في الصراع العالق.

حتى أنّ النخب الاقتصادية المرتبطة بالنظام توّسعت بأعمالها نتيجة إتاحة وصولها لصناعات وقطاعات أعمال أهملت حين غادر المنافسون سوريا30. كما قام النظام بتدويل سيطرة الحظوة الاقتصادية بالتوازي مع تدويله للأزمة السورية من خلال مدّ يده لشركاء جدد غير مستهدفين من قبل العقوبات الدولية قد يشكلون نخبة إعادة الإعمار ما بعد الصراع31.

"الاعتماد المتبادل المعقّد" بين رأسماليي الحظوة ازداد تعقيدا مع امتلاك رأسماليي الحظوة وشبكات التهريب وأمراء الحرب سلطة مستقلة، الأمر الذي يزيد من صعوبة وتعقيد السلام. وإذا نجح الأسد في الحفاظ على دور رئيسي في سوريا ما بعد الحرب، سيظهر وجهاء الحظوة كأبطال الأسد وسيحوزون على عقود إعادة الإعمار الدسمة بالشراكة مع الشركات الروسية والصينية والإيرانية32 إلا أنّه من غير المرّجح أن يتمكن الأسد من الحفاظ على وتحقيق الانسجام بين الفاعلين المختلفين الذين أفرزهم نظام اقتصاد الحرب ومصالحهم المتفاوتة، والتي قد بدأت بالفعل بالتنافس فيما بينها33.

بالتأكيد ستمنح عودة ذوي الأعمال الخيرية الأبرز وحيتان الاقتصاد الفاعلين الآن في الدعم الإنساني (كأيمن الأصفري وغسان عبود) الشرعية لعملية إعادة الإعمار34، إذ يرتبط تأثيرهم على مستقبل سوريا بانحسار نظام الأسد.  سبق وتجنّب عدد من حيتان الأعمال السوريين (المنتظرين انتهاء الحرب للعودة) اتخاذ موقف سياسي واضح، فهم سيجلبون رؤوس أموال جديدة، وخبرات وعلاقات دولية للاقتصاد السوري، إلا أنّ ذلك لن يضمن أن يتغيّر النظام السياسي لصالح المجتمع السوري المقسّم والمفقر والمعنّف حالياً. في حين أنّ المزيد من التحرير الاقتصادي دون إصلاح سياسي قد يغري أمراء الحرب المحليين بتقوية وشرعنة مواقعهم عند انتهاء الصراع.

استراتيجية اقتصادية مسؤولة اجتماعيا هي أمر أساسي للانتقال السوري، علماً أنّ عدم بدء المعارضة السورية بعد بالدخول بنقاشات جدية حول مستقبل الاقتصاد السياسي السوري قد هدّد شرعيتها وحرم النخبة الاقتصادية السورية من فرصة إعادة التفكير بممارساتهم والمساهمة بانتقال سوريا نحو مستقبل أفضل.

ملاحظة: النسخة الأصلية ذكرت أن عمار القربي، أحد مموّلي مؤتمر المعارضة في أيار 2011، كان رئيس مجلس إدارة تلفزيون أورينت، إلا أنّه لم يشغل هذا المنصب قط، لذا لم يتم ذكر الأمر بالنسخة العربية وتم الإشارة للأمر في النسخة الانكليزية.

(الصورة الرئيسية: بنك الشرق (مجموعة البنك اللبناني الفرنسي) وفندق برج البلو تاور في دمشق، سوريا – 25 أيار 2010. (مؤنس بخاري، مجموعة المصور)

 

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو : هشام أسعد

بدعم من