وجه مالك المفقود (4)


ضد رغبة أمه، تطوع في "الدفاع المدني"، فعاد إليها جثة مع مئة ألف ليرة سورية كتعويض، وزعته الأم على الفقراء في الحارة ولم تصرف منه شيئاً. هنا حكاية "مالك" التي ترويها أليس الشامي من دمشق

11 ديسمبر 2017

أليس الشامي

كاتبة سورية (الاسم مستعار)

تبدأ حكاية ما انحكت نشر سلسلة شهادات وحكايات عن الحياة اليومية في دمشق، ضمن هذا الملف:

لم تكن أم مالك تميز بين زغاريد النساء الباكيات وأصوات الرصاص المتتابعة من الرشاشات والبواريد، كانت تسمع كل شيء من بعيد وكأنها في بئر عميقة. لم تكن أم مالك بارعة في الاحتيال على نفسها، ولم تكن تلك الزغاريد لتشعرها بالفخر لأنها أم الشهيد، ولا كان لأصوات الرصاص أن تطمئنها بأن موت مالك لم يكن هباء. لقد رحل ابنها البكر وتركها وراءه سبعينية مريضة مفجوعة. هذه هي الحقيقة، وكل ما تبقى من عزاء ودعاء وهتافات للشهيد هي محاولات يائسة لتسلية الأم الثكلى التي لا يمكن لها أن تسلو.
لم يكن مالك شاباً حكيم القرارات. لقد كان دائماً طائشاً متهوراً مذ كان طفلاً. كان سريع الغضب وعنيفاً عندما يغضب. لم تعجبه يوماً مصلحة تصليح الكهرباء التي دفعته والدته لتعلمها كي يساعدها في إعالة الأسرة بعد وفاة والده. لم تكن ترغب في أن يترك المدرسة، لكنه كان يظهر كل يوم كرهه الشديد لها. كان عليها أن تنتظر أن يحرق كتبه في الحمام مرتين، ويتعارك مع طفل آخر عراكاً كاد يتسبب في حبسه في سجن الأحداث، قبل أن تفقد الأمل نهائياً من أي تحصيل علمي مقبول يمكن لمالك أن يبني مستقبلاً ما له ولأسرته معتمداً عليه.
وعندما هطلت فرص التطوع في الدفاع الوطني على منطقته المعدمة، وتهافت عليها الشباب العاطلون عن العمل أو المضطرون لأداء الخدمة العسكرية، فكر مالك بأنّ ذلك سيكون ممتعاً من عدّة نواح، فمن جهة سيحصّل بعض المال، ومن جهة أخرى سيحظى بالسلطة والنفوذ في حارته.
-"لا والله ما حزرت!". صاحت أمه في وجهه عندما جاء يعلمها بقراره.
-مو شايفة الحالة؟ شغل ما في، عيشة متل العالم ما في، سفر ما في، مصاري ما في!).
-أحسن تكون عايش وما معك مصاري من إنك ترجعلي محمّل!
-لا تخافي، ما رح يرمونا عالجبهة. وممكن وقف على حاجز ولا روح ولا أجي.
تدخّل أصدقاؤه لطمأنتها، وتدخّل الجيران ليخبروها بأنها فرصة عمل جيدة وشائعة. لكن أم مالك لم تكن تعتبر العمل مع اللجان الشعبية عملاً مشرفاً، وكان الدم يغلي في عروقها عندما كانت ترى شباباً لم يتجاوزوا العشرين من عمرهم يرتدون الثياب العسكرية ويحملون السلاح ويتدخلون في شؤون القاصي والداني. لم يكن لدى أم مالك موقف سياسي واضح أو حاد، لكن مظاهر السلاح لم تكن تعجبها.
استكانت مغلوبة على أمرها، فابنها لم يعد صغيراً حتى تستيطع إيقافه عما يختار ويفعل.
-لا تموت، ما بدي شي تاني!
-ما رح موت، وإذا متت بصير شهيد وبيطلعك تعويض.
ضحك مالك. وبكت أمه.
كانت قائمة التعويضات المالية معلقة على باب مختار الحي، الراتب ثلاثون ألف ليرة سورية، وعشرة آلاف ليرة سورية عن كل مهمة ميدانية.
كان مالك يناوب في مركز قريب من منزل أهله، لم يتلقّ أي تدريب يذكر على السلاح، كان يمضي وقته في لعب الورق وشرب الشاي والمتة، وكان أحياناً يقوم بجولات روتينية مع رفاقه المتطوعين. بعد شهرين، استرخت والدته وشعرت ببعض الراحة، فعلى الأقل مالك ليس معرضاً للخطر، وليس مضطراً لأن يقتل أحداً. لم تكن يوماً راغبة في أن ترى بِكرها يكسب لقمة عيشه من عمل كهذا، عمل قائم على التسلط والنفاق، لم تكن تعتبره عملاً أصلاً، ولكن، ما باليد حيلة.
وذات يوم غاب مالك أكثر من يومين، وجن جنون أمه. اتصلت بأصدقائه الذين كانوا غائبين أيضاً، اتصلت بالضابط المسؤول عنه، لكنه أخبرها بأن المعلومات سرية، لم تنم أو تأكل، التهمت سجائر "الحمرا الطويلة" التهاماً. كانت مدخنة شرهة لدرجة أنّ كلامها كان صعب الفهم بسب صوتها المبحوح.
في اليوم الثالث عاد مالك، عاد رجلاً آخر. عاد متعباً معفراً بالتراب، وفي جيبه عشرة آلاف ليرة سورية، لقد كانت المرة الأولى التي يشارك فيها في عمل ميداني، والمرة الأولى التي يقتل فيها إنساناً آخر.
- قتلت زلمة لا بيعرفك ولا بتعرفو، شو صاير بأمو هلأ. إذا بتضل بهالشغل لا بعرفك ولا بتعرفني.
سكت مالك، وأحس أن كلام أمه يحمل الكثير من المنطق. لكنه في اليوم التالي وأثناء سيره في الشارع وتلقيه الثناء على عمله البطولي هو وأصدقاؤه على تخوم جوبر التي تعج بالإرهابيين، شعر بأنه لا يقهر، وانتابه فخر واعتزاز مجهولاً السبب، لربما كان مصدرهما أنها المرة الأولى التي يشعر فيها بتقدير من حوله، إنها المرة الأولى التي يحظى فيها باعتراف الآخرين. ولم يعد يفكر كثيراً في الشخص الذي قتله. (إنها الحرب) فكر مالك.
لكن أمه لم تتركه لأفكاره: "شايف هدول كلون؟ بكرا لما تموت بيجوا بيعزوا فيك وبينسوك بعد يومين. إذا بتكمل بهالطريق أنا ما بتحمل أكتر من رعبة تانية. بدك تموتني؟ طبخة ما بتعرف تساوي."
-شو رح ضل عندك على طول؟ بكرا بتجوز وبيتطبخلي مرتي.
-بدك تتجوز وتبلي بنات العالم؟ هاد الطريق آخرو مو منيح.
فكر مالك بأن كلام أمه لا يمكن أن يكون صحيحاً، فجاره وهو بنفس عمره يعمل مع اللجان الشعبية منذ أربع سنوات، واشترى بيتاً أكبر وسيارة. صحيح أنه يعمل في التعفيش، وأن معلمه أو الضابط المسؤول عنه لا يقحم عناصره ومجموعاته في الاقتحامات والمواجهات، لكن صاحبه لم يفكر في المخاطر عندما تطوّع في الدفاع الوطني، لقد كان محظوظاً. لربما يبتسم الحظ لمالك أيضاً. كانت هناك لحظات قليلة يشعر فيها مالك أن ما يقوله ينافي كل الأخلاق التي علمته إياها أمه، ولكنه كان يطردها سريعاً وهو يفكر في أن الأخلاق لم تحسّن في حياته أو حياة عائلته في أي شيء.
في ليلة حارّة كان مالك جالساً مع أصدقائه يحتسي الشاي أمام باب بيته في الحارة الفقيرة، عندما أتى الضابط المساعد مبلِغاً إياه أن هناك مهمة ميدانية كبيرة عليه أن يشارك فيها. نظر مالك خلال الباب فرأى أمه تحدق فيه وسيجارة الحمرا الطويلة تحترق على شفتيها. انقبض قلبه وأطبق صدره.
-أنا ما خرج شارك الوالدة تعبانة
-مو على كيفك! رفقاتك كلون جهزوا حالون، بدنا ندخل على داريا اليوم، هلأ وقت تتخاذل؟ ما في رجعة يا مالك. المفروض بتعرف هاد الحكي.
ارتدى مالك لباسه العسكري وأخذ سلاحه وخرج من المنزل.
مر يوم، ويومان، وأم مالك لا تنام، ولا تأكل، وتشعل سيجارة من أخرى.
يوم ثالث، ثم رابع، كان فيه شقيق مالك الأصغر المعفي من الخدمة العسكرية بسبب ضعف بصره الشديد يشتري بعض الخضروات، عندما أتى رجل إليه قائلاً: سميح، العمر إلك باستشهاد مالك.
وقعت الأكياس على الأرض، ونظر سميح إليه ذاهلاً: من أين عرفت؟ لم نتلق خبراً منذ أيام!
ارتبك الرجل: والله؟ والله يا سميح مبارح رجع شب من المهمة وقال إنو كل اللي شاركوا استشهدوا، وأخوك لقوه مرمي على الأرض. مو كان لابس بوط بني فاتح؟
ترك سميح الرجل واقفاً وركض إلى مركز المناوبة: حاكولنا شي حدا بيعرف شي مشان الله!
نظر إليه الضابط بتعاطف مصطنع: فاتوا الأبطال على داريا، كانوا 10 شباب، والشهادات بتقول إنو القناص ما خلى منون حدا. بس ما فينا نتأكد لنسحب الجثث، والجثث ما رح تنسحب ليصير في هدنة.
هز سميح رأسه بعنف ليطرد صورة جثة أخيه على التراب والأنقاض مرمية ليفسِّخها حرّ الصيف اللاذع، لكن الصورة كانت تتكثف أكثر فأكثر.
عاد سميح إلى البيت وجمع الأقارب ليواسوا أمه.
كانت أم مالك لا تستبعد احتمالاً كهذا منذ اليوم الأول الذي أصر فيه مالك على هذا العمل، لكنها لم تكن لتتأكد حتى يصل الجثمان إليها.
ظلت الجثة في مكانها مدة خمسة عشر يوماً، قبل أن يتفق الطرفان على هدنة سريعة لإخلاء القتلى. لم يكن هناك جرحى، فقط قتلى، قتلى منتفخون برائحة واخزة. وعندما وصلت الجثث إلى مشفى تشرين العسكري، اتصل أحد الضباط المسؤولين بسميح ليتعرف على أخيه.
أمسكت أم مالك بطرف كمّ سميح وهي تبكي وتولول: خلوني شوفو. بس بدي شوف وجهو.
وطوال الطريق كان سميح يحضر نفسه لأسوأ منظر ممكن. بالتأكيد فعل الوقت والحر ما فعلاه بجسم أخيه القوي، ووجهه حاد المعالم، لا بد أنه مشوه متآكل، كيف يمكن لأمي أن ترى هذا المنظر ولا تصاب بسكتة قلبية؟ فكر سميح.
وصل سميح إلى المشرحة، وعلى بابها رجال مدججون بالسلاح، دخل بمرافقة أحدهم. وفتح باب أحد البرادات لتخرج نقالة عليها مجسم أزرق وأحمر لإنسان. لم يستوعب سميح أن هذا إنسان حقيقي في البداية، لكن الرائحة أيقظته، كدمات وتورم ودم متجمد، أخذ سميح نفساً قبل أن يتابع النظر إلى الرأس، فلم ير وجه أخيه، بل رأى حفرة سوداء. انهار سميح أرضاً.
-عليك أن تتعرف على الجثة، يا أخ.
تذكر سميح أن هناك وحمة على فخذ أخيه الأيسر. فحصه الطبيب ووجد الوحمة. لم يعد هناك شك، لقد مات مالك. مات سريعاً على ما يبدو، ولكن وجهه قد فجرته رصاصة، كيف يمكن أن يشرح لأمه العنيدة ذلك؟
لكن مراسم تشييع الضحايا من العسكريين تكفلت بإحداث الفوضى وإلهاء أم مالك عن طلب رؤية ابنها للمرة الأخيرة. مضى النعش إلى المقبرة، تعالت أصوات الرصاص، عولت النساء وزغردت، وبكى الرجال. وبعد عدة أيام انتهى كل شيء.
بعد شهر قبضت العائلة تعويضاً قيمته مائة ألف ليرة سورية، وزعته الأم على الفقراء في الحارة ولم تصرف منه شيئاً، وهي تتذكر وجه ابنها الضال، تتذكره واقفاً على باب المنزل ينظر إليها للمرة الأخيرة قبل أن يذهب بلا عودة.
(الصورة الرئيسية: تصميم كوميك لأجل سورية، وهي صمّمت خصيصا لهذه الحكاية، خاص حكاية ما انحكت)

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من