أن تكوني امرأة في سوريا المعسكرة


بعد تكسر السرديات "الوطنية" التي كان يعتمدها النظام، يغدو السؤال: هل ستفرض الحرب السورية تعريفات جديدة للأيديولوجيات الوطنية بناء على مختلف الكيانات الجغرافية؟ الكاتبة رهف الدغلي، تفكك سرديات النظام السوري، متسائلة عما يحمله لنا المستقبل من سرديات بديلة

11 يناير 2018

رهف الدغلي

طالبة دكتوراة في السياسة ومدرسة مساعدة في جامعة لانكستر. تتناول أبحاثها بشكل رئيسي موضوع إضفاء الذكورة على الوطنية السورية، مع التركيز على الموروث الفرنسي والجرماني. للدغلي عدة أعمال عن سورية، شاركتها أكاديميا بشكل موسع في المؤتمرات الدولية، كما أنها عضو زميل لمركز الدراسات السورية ضمن شبكة زمالته الدولية.

Translated By: ياسر الزيات

في خطابه الشهير أمام رؤساء وأعضاء المنظمات الشعبية والبرلمانيين في 26 تموز/ يوليو 2015، أبرز الرئيس السوري الحالي بشار الأسد العلاقة بين التضحيات البطولية والعسكريتاريا من جهة، والانتساب والانتماء الوطنيين من جهة أخرى. قال إن "الوطن ليس لمن يسكن فيه وليس لمن يحمل جواز سفره أو جنسيته، إنما لمن يدافع عنه ويحميه"، مشيراً أنه "لكي تقوم القوات المسلحة بمهامها على أكمل وجه وتقف بوجه الإرهاب، لا بد أن يدعمها العنصر البشري".

يمكن استخلاص ثلاث ثيمات رئيسية من هذا الخطاب: أولاً، الارتباط الوثيق بين مفهوم الوطن وبين الاستعداد للموت من أجل الشعب. ثانياً، حاجة هذه التضحية إلى القدرة القتالية والقوة البدنية، والتي بها يقاس كل من الانتساب والانتماء الوطني. ثالثاً، أشاد الرئيس الأسد في هذا الخطاب بالجيش وطلب من المجتمع تقدير إنجازاته.

ورغم أن هذا الخطاب متأثر بالأزمة الحالية التي ألقي في خضمها، إلا أن هذه التصورات عن الهوية والانتماء الوطني لم تولد في الحرب السورية. بل إن تعريف الرئيس الأسد لمن هو السوري يشكل أصداء لأشياء مألوفة للغاية في الماضي السوري، فهذا التعريف لا يرسّم فقط حدود الوطنية بين من يدعمون ديكتاتوريته ومن يعارضونها، بل الأهم من ذلك أنه ينطوي على توقعات ومُثُل عليا للهوية الوطنية. بعبارة أخرى، هذه المفاهيم المتعلقة بالتضحيات البطولية والاستعداد للموت تستدعي صورة الرجل المقاتل، وهو أمر لا يختلف كثيراً عما عايشه أي مواطن سوري خلال العقود الأربعة الماضية.

[صورة تظهر تقدم الجيش السوري (Syria360/ الاستخدام العادل، جميع الحقوق محفوظة لأصحابها)].

الطقوس البعثية

ما شدني إلى موضوع الوطنية منذ البداية هو الدور المهم الذي لعبته في تعزيز الطقوس البعثية خلال المرحلة الابتدائية والثانوية. لعل أحد أكثر الأمثلة رمزية في احتفائها بالانتماء الذكوري هو التجنيد الإجباري للطلاب في منظمتين بعثيتين: طلائع البعث خلال المرحلة الابتدائية واتحاد شبيبة الثورة في الثانوية1. تقوم هاتان المنظمتان بتعبئة الأطفال من خلال التدريب والتنسيب القسري إلى جماعات شبه عسكرية تقوم بغرس المثل العليا للعسكريتاريا الذكورية، وتصويرها على أنها شكل من أشكال بناء الأمة.

الطقس الأكثر ارتباطاً بالإخضاع كان دورة أسبوعية إجبارية مخصصة لتعليم التلميذ كيف يصبح بعثياً نشيطاً عبر استعمال كلاشينكوف، وكيف يعبر عن حبه لكل من الوطن وقائد الوطن، لا سيما من خلال الاحتفاء بالبنية البدنية القوية. ترافق ذلك مع معسكر صيفي إجباري لمدة 15 يوماً لإعطاء الطلاب المزيد من الوقت للتعلم عن حياة الجندي، في محاولة لإعدادهم للخدمة الإلزامية لاحقاً ما إن ينتهوا من التعليم الثانوي. في الوقت نفسه، كانت الطالبات مجبرات على المشاركة في جلسات توعية بالماضي المجيد لأمتنا وما يرتبط بذلك من أعمال بطولية قام بها رجال.

(حافظ الأسد يحيي  مسيرة في دمشق (الموسوعة العربية / الاستخدام العادل، جميع الحقوق محفوظة للمؤلفين).

بالإضافة إلى ذلك، كنا خلال المسيرات الجماعية الإجبارية التي تخرج وفاء لـ"الأب القائد" (حافظ الأسد أثناء طفولتي) وإنجازاته، كنا نردد عن ظهر قلب الشعار الشهير: "بالروح، بالدم، نفديك يا حافظ"2، وهو مثال آخر عن تماهي تعبيرات بناء الأمة مع الإنجازات الذكورية.

كما أن الأغاني الوطنية التي دأبت على تمجيد أعمال الرجال البطولية وقوتهم وشجاعتهم، رسمت صورة للأمة ككيان مؤلف من إنجازات الرجال حصراً. كانت هذه الإشارات تؤثر فعلاً على إحساسي بالانتماء والهوية، كما لو كان وجودي يغدو ضبابياً في ظل عضلات الزعيم وسلطته الأبوية (حيث كان يصور حافظ الأسد على أنه والد هذه الأمة).

إن تطبيع العسكرة والذكورة والقوة البدنية في هذه الأغاني مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمعنى الهوية، فقد كنا نلقّن ذلك كل صباح خلال الفسحة المدرسية. يبدو أن نظام البعث رأى في إجبار الطلاب على حفظ هذه الأغاني غرساً وتعزيزاً للإحساس بالأمة. ومع ذلك، بالنسبة لي، لم يكن ذلك أكثر من ترسيخ للحدود بين الجنسين داخل النسيج الوطني، وتمكين لعلاقات القوة المبنية على الذكورة والتسلسل الهرمي.

بعبارة أخرى، يتجلى تعريف الانتماء الوطني والذكورة عبر تصوير الأمة كأخوية تتحدر من أب واحد وعصبية تنشأ بين "الإخوة". المفارقة في اعتبار الأمة أسرة هي أن هذا المفهوم يديم التسلسل الهرمي الجنسوي عبر فرض تفوق الأب الذكر داخل الأسرة وداخل الأمة3. وفي الوقت نفسه يجري قسر الانتماء الوطني على التضحيات والطاقات الجسدية للرجال.

بالإضافة لذلك، يتم تصوير الرجال على أنهم الحرس الحامي للأمة، ما يؤكد على الصلة بين مفهوم الأمة وتنشئة رجال أقوياء جسدياً. ينعكس ذلك بشكل مباشر في قياس المواطنة بمدى استعداد الرجال للموت في سبيل الوطن، وفي النظرة إلى الانتساب الوطني على أنه شكل من أشكال النخوة والعسكريتاريا. من شأن هيمنة فكرة كهذه أن تحط من قدر النساء وتخرجهن من الذاكرة الوطنية.

أمة من الرجال

أدى هذا التفاعل بين حب الوطن والانتماء إليه، والذي جرى قياسه بالاستعداد للتضحية والموت، إلى تصوير الرجل البطل كمواطن مثالي. كما أن لهذا الترسيخ لـ"المرجلة" في الانتماء والهوية بعداً مساحياً هاماً، حيث لا تستطيع إحدانا منع نفسها من التساؤل، وهي تسير في شوارع سوريا، عن هيمنة اللون الجيشي الخاكي في صور حافظ الأسد، رمز القوة والبطولة في سوريا.

 

(تمثال لحافظ الأسد يرتدي سترة خاكي (المترجمون السوريون الأحرار / الاستخدام العادل. جميع الحقوق محفوظة للمؤلف)).

غير أنه لا بد من الإشارة إلى أن هذه الرسوم التوضيحية مجرد أمثلة قليلة على ضرورة النظر إلى الوطنية كإيديولوجيا إقصائية تحفز صراعات الانتماء والهوية.

بناء على ما سبق، وبما أن سوريا فسيفساء من الأعراق والأديان والطوائف والقوميات، لم تكن العلاقة بين هذه الهويات المشتتة دائماً سهلة. كان الصمغ الوحيد الذي يشدهم إلى بعضهم البعض تلك الوطنية التي ترعاها الدولة. وقد تم توسل هذا البناء الذكوري للقومية لصياغة هوية إلزامية تقوم الدولة بتشكيلها وفرضها من الأعلى.

الحجة المستعملة آنذاك، والتي جرى تطويرها منهجياً على هذا الأساس، هي أن الوطنية شكل مستمر من أشكال السلوك السياسي، وينبغي ترويجها والحفاظ عليها وترسيخها في سياق إقامة الدولة وتحديثها. إلا أن الهدف من تصوير الوطنية كشكل من أشكال السياسة هو "ربط الوطنية بأهداف الاستيلاء على سلطة الدولة واستخدامها 4.  فالسلطة في هذا السياق هي في الأساس مسألة "السيطرة على الدولة"5. إن الأساس الذي قامت عليه هذه الوطنية والاستبعاد الذي تستلزمه لنصف المجتمع السوري (أي للنساء السوريات) هو أحد أسباب التحديد الجنساني للوطنية السورية وبالتالي حرمان السوريات من المساواة في تشكيل الهوية الوطنية.

إعادة التفكير في الأمة والوطن

بالنظر إلى التعقيد الحالي للنزاع في سوريا، حيث تتم إعادة صياغة الأمة والوطن السوريين، تدفعنا عملية إعادة بناء وتجديد الهوية الوطنية إلى مساءلة الطريقة التي جرى فيها تعريف الهوية الوطنية وتشكيلها منذ النصف الثاني من القرن العشرين. بعبارة أخرى، إلى تفكيك ما يمكن أن نسميه القصة أو السردية "الرسمية" التي قام بترسيخها نظام البعث.

لقد جرى تحويل النساء إلى أتباع في السردية السياسية عبر ربط الحق في المواطنة بالاستعداد للموت في سبيل الوطن. وقد أدى التركيز على التضحية والبطولة إلى الحط من مكانة النساء، فالرجال فقط هم المدافعون عن الأمة والمحافظون على شرفها، وبالتالي المتحكمون في جنسانية النساء وخياراتهن. وهكذا توازى هذا البناء الذكوري والتفوق الرجالي وتعظيم حماة "العرض والأرض" مع تأنيث جسد المرأة واعتباره إحدى علامات حدود البلاد.

وفي الفترة التي أصبح يستحيل على أي سوري فيها الامتناع عن تطوير مواقف واصطفافات سياسية قوية، وبينما تتواصل التساؤلات الشخصية والسياسية، ستكون هناك أسئلة تتعلق بما يحمله المستقبل للشعب السوري، وبالطريقة التي سيتم بها تصوير النساء في أية أيديولوجيا وطنية جديدة، علماً أنها أسئلة غير مدرجة على أجندات مفاوضات السلام.

لكن ما تزال عملية بناء الدولة ماضية، جنباً إلى جنب مع المعركة ضد الأنظمة الاستبدادية والجماعات الإرهابية، في حين تمر العلاقات الإثنية والطائفية بتغيرات جوهرية نتيجة تبدل علاقات القوة. في ظل ظروف كهذه، ستبوء أية محاولة لتطوير وطنية سورية بالفشل نتيجة تعذر قيام حكم مستقر في المستقبل القريب للبلاد.

لكن في حال سقوط النظام البعثي، سترتبط كتابة وإعادة كتابة التاريخ ارتباطاً وثيقاً بتيارات وأنماط السياسة الوطنية. إن أي نظام دولة أو نظام سياسي يفرض على سوريا ولا يدعم أو يشجع سياسة شاملة للجنسين سيكون تكراراً بائساً لنمط الوطنية السورية الإقصائي التقليدي إياه.

ونظراً للسياق الجيوسياسي للوضع السوري اليوم، يواجه الشعب السوري سيناريوهات عديدة تحمل مجموعة معينة من المشاعر الوطنية. فحتى لو تعطلت قدرة النظام السوري على حشد أية سردية وطنية في المستقبل القريب، ما تزال أمامنا تأملات حادة وأسئلة شخصية حول ماهية الأمة وكيفية تعريف الحب والانتماء إلى الوطن. سيرتبط ذلك بمدى تأثير هذه الوطنية في تحديد هوياتنا وانتماءاتنا. فما مدى استبطان السوريين للروح والمثل البعثية؟ هل ستفرض الحرب السورية تعريفات جديدة للأيديولوجيات الوطنية بناء على مختلف الكيانات الجغرافية؟

ستروق محاولة الإجابة على هذه الأسئلة لجمهور أوسع نطاقاً يتجاوز النواة الأساسية من باحثين وطلاب علوم اجتماعية، ولا سيما أولئك المهتمين بسؤال الوطنية، والذين سيكونون جمهورها الرئيسي.

(الصورة الرئيسية: تلميذات دمشقيات أثناء تدريب عسكري تقليدي. الصورة نشرتها ناشيونال جيوغرافيك عام 1974 قالت: "على المراهقين تعلم التدريب والانضباط والتمريض وشيء من التعامل مع الأسلحة". (ناشيونال جيوغرافيك / الاستخدام العادل، جميع الحقوق محفوظة للمؤلفين))

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من