جنازة غير مكلفة (5)


أين يدفن السوريون موتاهم؟ وكيف يتدبرون أمر القبور في ظل هذا الغلاء الفاحش؟ قصة مؤثرة ومؤلمة عن معاناة أخت وأخاها وهم يبحثون عن قبر يضم رفاة أمهم.

08 يناير 2018

funeral
أليس الشامي

كاتبة سورية (الاسم مستعار)

يأتي هذا التص ضمن سلسلة شهادات وحكايات عن الحياة اليومية في دمشق، ضمن هذا الملف:

العوض بسلامتكم، توفت الحجة.

وقفت مهى مع أخيها مهيار أمام سرير والدتها وعليه جثمانها المغطى بغطاء المشفى الرقيق. كانت الأنابيب لا تزال موصولة بيديها وأنفها وفمها. على المونيتور خط مستقيم، ورقم صفر عند مؤشر ضربات القلب.

لم يكن موت أم مهيار مفاجئاً، لقد كان جسمها ينهار كل يوم أكثر من سابقه بعد دخولها الإسعافي إلى المشفى منذ أسبوع. بكت مهى وعانقت أخاها، كانت العائلة قد فقدت الأب منذ عدة سنوات، وكانت الأم تعاني من عدة أمراض، لم تكن المرة الأولى التي كانت قد دخلت فيها إلى المشفى، لكنها كانت المرة الأخيرة.

لم يكن ثمة أقارب متبقون على قيد الحياة لمهى ومهيار، لذلك كان عليهما أن يتمالكا نفسيهما ويستكملا إجراءات الوفاة في المشفى، وأن يجدا حلاً سريعاً لمكان دفن المتوفاة.

لم يكن هناك قبر أو مدفن للعائلة، دفن الأب منذ سنوات في قبر كان قد اشتراه بنفسه وحفر شاهدته، لقد كان جاهزاً للموت، حتى كان أبناؤه يشعرون بأنه ينتظره بفارغ الصبر بطريقة أو بأخرى، كان مسناً، متدينا، مكتئباً، كان الموت خلاصاً له بشكل أو بآخر. وعندما توفي وضع نعشه في سيارة وتوجه إلى مقبرة "باب الصغير" حيث كان قبره ينتظره، ودفن خلال دقائق.

لكن المشكلة بالنسبة لمهى ومهيار هي أنهما لم يجدا قبراً لأمهما بعد. عندما بدا واضحاً أن الموت يقترب من أن ينال المرحومة. بدأ كل من مهى ومهيار يفكران في مشكلة القبر. فأمهما ليست من دمشق، وأهلها لا يعيشون هنا. في حقيقة الأمر لا أحد يعرف أين هم الآن، خاصة مع انقطاع التواصل معهم وكون منطقتهم منطقة نزاع مسلح، ولا قبر لها أو لأحد أقربائها في المدينة يمكن لهما استخدامه لدفنها. فما العمل؟

"خلينا نشوف أسعار القبور. ماما عندا كم قطعة دهب منبيعون ومنشتري قبر" اقترحت مهى.

تواصل مهيار مع مكتب لخدمات دفن الموتى، لكنه صعق عندما قال له صاحب المكتب: قبور ما في تحت التلاتة مليون (ما يعادل 6000 دولار) وكل ما بتكون مستعجل أكتر كل ما بيغلى!

بحث مهيار في عدّة مقابر في داخل المدينة، بعضها لم يكن فيها قبور أصلاً، والبعض الآخر وصلت أسعار القبر الواحد فيه إلى ستة ملايين ليرة سورية.

عاد مهيار إلى مهى، التي كانت منهارة يومها لأنّ أمها كانت قد دخلت في غيبوبة.

-مستحيل نقدر نشتري قبر مهى. الأسعار جنان، كأنو عم نشتري بيت!

-والحل؟ شو منعمل بأمك؟ معقولة نبهدلها هالبهدلة؟ لازم نلاقي حل!

فكر مهيار، لو كان هناك مكان لحرق الجثامين والاحتفاظ بالرماد، كم كان ذلك ليكون مناسباً مع كل الموتى الذين يتساقطون هذه الأيام، إنه الحل الأنسب لمشكلة مساحات الدفن. لماذا يدفن الأموات على أيّة حال؟ لا بد أنّ تاجراً  انتهازياً فكر في الترويج لهذه الطريقة في التخلص من الجثث.

-وين رحت؟ بدنا حل!

 قاطعه صوت أخته المتهدج: لازم نلاقي قبر! مو معقول هالعالم اللي عم تموت وين أهلا عم يروحو فيها!

-أنا دفنت ابني بنجها.

 تدخلت عاملة التنظيفات وهي تفرغ القسطرة البولية الخاصة بالأم.

"نجها؟"، تذكر مهيار الاسم مقروناً بأماكن دفن المعتقلين بمقابر جماعية في منطقة تدعى نجها، قرأ عن ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي. سمع عن مساحات شاسعة تستخدم لدفن الجثث، لم يعرف هل كانت إشاعة أم واقعاً. ما كان يعرفه أن ذاكرته عن اسم المنطقة لم تكن مرتبطة بشيء جيد. ولكن، كيف لمقبرة أصلاً أن ترتبط بحدث جيد؟

أكملت السيدة: من شهرين ابني راح عالعسكرية، بعد أسبوع مات، ونحنا نازحين وما معنا ناكول، الدولة الحمد لله عاملة مقبرة كبيرة هونيك والقبر ما بيطلع حقو 10 آلاف ليرة (ما يعادل 20 دولار)، مع السيارة والشاهدة ما كلفنا 30 ألف ليرة (ما يعادل 60 دولار).

(وين هي نجها؟) سألت مهى، وهي تفكر بأن ذلك لن يعجب أمها التي كانت تهتم كثيراً للمظاهر ولما يقوله الناس عنها. لكنها فكرت في الوقت نفسه في أنّ ذلك سيكون أفضل بكثير من أن يظل جثمانها طويلاً في براد المشفى وولداها يبحثان عن حفرة تحتويه، حتى لو كان ثمنها يقدّر بالملايين.

- نجها يا بنتي على طريق الست زينب، بعيدة عن الشام، والمواصلات والحواجز صعبة لهونيك، بس بتقضي غرض. نحنا مو قدرتنا نشتري قبر قريب، كل يوم جمعة بروح بسقي القبر وبقرا الفاتحة، بس إلي جمعتين ما رحت، لأنو عم اشتغل إضافي للحق طعمي إخواتو. هو مات بس إخواتو عايشين.

 تنهدت السيدة وهي تعلق المبولة بعد شطفها في الحمام.

-ومنلاقي قبر إيمت ما رحنا؟ سأل مهيار.

-بتلاقي، بتلاقي قبور على مد النظر. الحمد لله الدولة لاقت حل لهالشباب اللي عم يموتوا، دبرت قبور لأهاليهون بأسعار مقبولة.

سالت الدموع من عيني مهى: بس بعيدة كتير. بتستوحش أمك، ما بتعرف قديش بتحب نكون حواليها؟

-لك بنتي ما رح تكون حاسة على شي. أنا قالولي إنو الروح بتطوف حوالين القبر بالأخص يوم الجمعة. رحت كل يوم جمعة ونطرت كتير، لا رجع ابني ولا حسيت بشي. هية شقفة الحجرة اللي مكتوب عليها اسمو، حتى هو ما عاد تحتا. اللي راح ما بيرجع.

-وحدي الله خالة، ما بتأمني بالحياة بعد الموت؟

-والله يا ابني أنا بآمن بالموت بعد الحياة..

انصرفت العاملة وعم الصمت، إلا من صوت المونيتور المتقطع.

بعد يومين من هذه المحادثة الغريبة توفيت أم مهيار. توفيت في الصباح الباكر. ودّعها ابنها وغادر المشفى مصطحباً  تقرير الوفاة إلى مكتب دفن الموتى الرسمي. اشترى قبراً بعشرة آلاف ليرة سورية، واستأجر سيارة دفن وعاد إلى المشفى. كانت مهى قد طلبت سيدة من المشفى لتغسيل الموتى. كانت ترتدي عباءة مطرّزة بأحجار براقة، وكان يبدو عليها أنّها أقرب لقارئات الطالع. أنهت عملية التغسيل ولفت الجثمان وتمتمت ببعض الكلمات والآيات التي لم تفهم مهى منها شيئاً، ثم طلبت عشرة آلاف ليرة، وخرجت من حجرة التغسيل لتمازح الممرض المسؤول عن البراد: "هالأسبوع حابكة تمام.. الله يرزقنا".

عضّ الممرض شفته مسكتاً إياها: استني شوي لتطلع المرحومة بالسيارة.

انتبهت مهى أنها تكاد تضحك، كان الموقف غريباً وممعناً في اللاوجدانية.

وصل مهيار مع السيارة عند الظهيرة. كانت الخطة أن يصلّى عليها صلاة الجنازة في مسجد ملاصق للمشفى. كانت لا تزال هناك نصف ساعة حتى يحين موعد صلاة الظهر.

نزل موظفا السيارة وباشرا بحمل الجثمان.

 -لحظة لحظة! لوين أخدينها! بدنا نصلي عليها بالجامع. صاحت مهى.

-لا لا أختي بدنا نلحق نرجع من نجها قبل الساعة 2. أجابها أحد الموظفين.

-وليش بقا؟. صاح مهيار محتجاً.

-أخي هلأ بتشوف، الطريق طويل وفي كتير حواجز، ونحنا بدنا نسلم السيارة ونطلع قبل ما يخلص الدوام. ودوامنا بيخلص الساعة 3. بقا على راحتكون فيكون تاخدوها لحالكون.

تدخل الممرض قائلاً: في جامع بنجها، بتصلوا عليها هونيك. اطلعوا واكسبوا الوقت.

كان قد وصل صديقا مهيار ليساعداه في الجنازة.

قال أحد الموظفين: السيارة ما بتوسعكون عيني.

-مو مشكلة معنا سيارة.

-والله الأحسن ما تطلعو، الحواجز ضايجة على الاحتياط وخدمة العلم، بلا ما تأخرونا لانو رح ينزلوكون ويفيشوكون.

-خلص بلا هالطلعة، بتجوا على العزا. يسلم إيديكون. خاطب مهيار صديقيه.

وضع مهيار والموظفان نعش أمه في السيارة وركب الجميع إلى جانب النعش، ثم انطلقت السيارة إلى المقبرة، ومكبر الصوت يعيد تلاوة سورة التكاثر، يقاطعها بين الحين والآخر صوت السائق وهو يدعو الجيران ليسامحوا المرحومة.

"أنا يا دوبني عم افهم الاسم لحتى يفهموه الجيران". همس مهيار لمهى التي كانت تنظر من الشباك في محاولة لحفظ الطريق الذي سيفضي إلى قبر أمها.

وصلت السيارة إلى حاجز فيه كاميرات مراقبة وعليه أعلام لحزب الله.

قال السائق موضحاً: "بما إنو المنطقة قريبة للسيدة زينب فالتدقيق هون زيادة. على الأغلب تتركوا هوياتكون عندون وتاخدوهون بس تطلعوا. نحنا حافظيننا".

توقفت السيارة، سلّم كل من مهى ومهيار الهوية، أمر الجندي الموظف في الخلف بالتنحي جانباً ليتأكد أن النعش يحوي جثماناً لا أكثر. ثم تابعت السيارة طريقها.

على باب المقبرة كان ثمة حاجز ثان، وكان يبدو عليه التململ لأن سيارة لدفن الموتى تمر من هنا. تابعت السيارة طريقها نحو القبور مباشرة.

-وين الجامع؟ تساءلت مهى.

أجاب السائق: اختى الجامع قالبينو نقطة أمنية، لا تاكلي هم نحنا متوضيين ومنصلي على المرحومة ومندعيلها عند القبرّ

هنا لم يتمالك مهيار نفسه وانفجر.. ضاحكاً.

-شو صرلك! همست مهى.

-خليني طالعون هون هلأ أحسن من قدام القبر.

وصل الجميع إلى القبر رقم 1604، الرقم الذي اشتراه مهيار. تمتم الموظف والسائق بصلوات وأدعية قبل وضعها في الحفرة ودفنها في التراب. لم تكن عائلة مهى ومهيار متدينة، وكان ذلك من حسن حظهما، نظراً للتجاوزات الكبيرة لشعائر وأصول الدفن التي حصلت في جنازة أمهما.

كانت المقبرة منظمة والمساحات شاسعة، أمر لا يشاهد في مقابر المدن المكتظة بالقبور والموتى، والتي يحاول أهل الميت أن يظهروا فيها درجة ثرائهم واهتمامهم بموتاهم. شعرت مهى بأن الجميع متساوون في هذا المكان. نظرت حولها وشاهدت عشرات العائلات تدفن أو تزور أقرباءها. وفكرت في عبارة عاملة التنظيفات.. لربما كان من الحكمة فعلاً أن نؤمن بالموت بعد الحياة، ونمضي..

غادرت مهى ومهيار بعد أن دفعا البقشيش لكل من الحفار والسائق وكلِّ من دعا للمرحومة. غادرا مشياً على الأقدام، استلما الهويات، وركبا الباص بعد انتظار طويل. عادا للزيارة في الأسبوع التالي، والذي بعده، ثم لم يعودا بعد ذلك.

(الصورة الرئيسية:  كرتونة من دير الزور، والصورة تنشر بموجب سياسة الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من