سورية والقابلية للاحتلال


لدينا اليوم في سورية، شرائح اجتماعية، تقبل كل منها بـ "احتلال" ما، عددها بالحد الأدنى أربع: الروسي والتركي والإيراني والأمريكي. الذرائع التي تسوقها كل جماعة أو فئة تكاد تتشابه تقريباً: الدعم الاقتصادي، الحماية، الدعم في وجه الخصوم. الباحث والكاتب محمد ديبو، يقرأ الكامن خلف هذا القبول

18 كانون الثاني 2018

{{meta|cover_caption}}
محمد ديبو

رئيس تحرير موقع حكاية ما انحكت (النسخة العربية). باحث وشاعر سوري. آخر أعماله: كمن يشهد موته (بيت المواطن، ٢٠١٤)، خطأ انتخابي (دار الساقي، ٢٠٠٨). له أبحاث في الاقتصاد والطائفية وغيرها.

في تحقيق نشره "حكاية ما انحكت" عن آثار التواجد التركي في الشمال السوري، مالت الشرائح التي أستُطلع رأيها إلى القبول بالدور التركي، لأنه (وفق رأيهم) يحميهم من جهة، ويوفر فرص عمل لهم من جهة أخرى، سواء عبر المؤسسات التي تتشكل في الداخل السوري أو عبر التسهيلات التي تعطى لهم من السلطات التركية، ما يخفف عنهم جحيم الحرب المسلطة عليهم، ولوجزئياً.

في تحقيق آخر، نشره "حكاية ما انحكت" أيضاً، عن آثار التدخل الروسي في مدينة اللاذقية في سورية، كانت الآراء مرحبة ومشجعة لهذا التواجد بأغلبها، لأنه (وفق رأيهم أيضاً) ساعد الدولة السورية على الصمود في وجه "الإرهابيين"، ولأنه يبقى أفضل من الإيراني الذي يسعى لتحقيق هيمنة ذات طبيعة دينية لا يحبذها أهل الساحل، الذين يجدون الروسي أقرب إليهم اجتماعياً ونمطَ حياة من الإيراني، علماً أن هناك شرائح أخرى تقبل بوجود الإيراني وترحب به، ناهيك عن أن تلك الشرائح المؤيدة للروسي أكثر من الإيراني اليوم، كانت قبل تدخل الأول ترحب بالثاني باعتباره "حامياً وصديقاً".

إلى جانب ما سبق، يرحب حزب الاتحاد الديمقراطي بالتواجد الأميركي في مناطقه، لأنه يحميهم من البطش التركي الذي يهدد ويتوعد اليوم، إذ بات التعاون والتنسيق بين الأمريكان والحزب أبعد من كونه مجرد تحالف عابر، مع وجود معلومات عن قيام أميركا بتدريب عناصر جديدة تتولى حماية الحدود مع العراق وتركيا، أي حماية منطقة النفوذ الأميركية، التي قالت المصادر أن دبلوماسيين أميركيين قد يأتون إليها.

تأمُّل ما سبق، يقودنا إلى أنه لدينا شرائح اجتماعية سورية، تقبل كل منها بـ "احتلال" ما، عددها بالحد الأدنى أربع: الروسي والتركي والإيراني والأمريكي. الذرائع التي تسوقها كل جماعة أو فئة تكاد تتشابه تقريباً: الدعم الاقتصادي، الحماية، الدعم في وجه الخصوم...

 طبعاً لكل احتلال من هذه الاحتلالات دوافعه وأهدافه التي تجعل مصالحه فوق كل اعتبار، وليست تلك الجماعات والأهداف إلا بيادق بيد هؤلاء، وكأن الشعوب لم تتعلم من تاريخها الطويل أن المستبد والمحتل وجهان لعملة واحدة، وكأن التاريخ يعيد نفسه، نخرج من تحت جزمة المحتل إلى جزمة المستبد الذي نتحرر منه لنعود ونخضع لهيمنة المحتل، وكأن معادلة "الطغاة يجلبون الغزاة"، لها معادل آخر "والغزاة يضعون الطغاة بعد رحيلهم أيضاً"، وهكذا نبقى بين البساطير!

المخيف اليوم، أن كل محتل من هؤلاء، يوطد أركانه للبقاء طويلاً في سورية، فما يجري من ترتيبات سياسية وعسكرية واجتماعية، يشير إلى أن سورية ستبقى تحت نير تلك الاحتلالات لفترة طويلة، فالروسي يبني قواعده ويعمل على استمالة السكان تدريجياً، وهو ما أشار إليه تحقيق أجراه حكاية ما انحكت أيضاً في حي الوعر في حمص، ناهيك عن تشجيع تعلم اللغة الروسية وقبول طلاب سوريين للدراسة في روسيا، فيما عمل الإيراني ويعمل على تشكيل مستوطنات خاصة به وتكوين ميليشيات تابعة له، وتغيير ديموغرافي، بقوة السلاح أحياناً (القصير)، وبالتهديد والوعيد وأساليب أخرى أحياناً (دمشق والقلمون)، ويعمل التركي على تحويل مناطق الشمال إلى مناطق نفوذ اقتصادية (عبر ربطها بالاقتصاد التركي) وعسكرية (المليشيات المدعومة)، وأيضاً نشر اللغة التركية والدفع لتعلمها، فيما يعمل الأمريكي بهدوء لبناء قواعد عسكرية ويخطط للبقاء بها طويلاً، ليتمكن من الاستغناء عن أنقرة في الإقليم.

السؤال الأصعب، والأعقد: لِمَ تبدو تلك الجماعات قابلة بهذا الاحتلال؟ ولم تثق بالأجنبي وتخاف "الشريك في الوطن"؟ وهل وحشية المستبد وحدها تفسر هذا القبول بالأجنبي؟

ما تحدثنا عنه أعلاه، ليس وليد اليوم، فهو كان دائماً قائماً، إذ سبق للمحتل العثماني أن قام بنفس ما يقوم به الآن، وكان هناك من يرحب بوجوده، كما كان للفرنسي أيضاً من يرحب بوجوده، الأمر الذي يقودنا إلى سؤال آخر: لم يتكرر الأمر في تاريخنا البعيد والحديث وفي الحاضر أيضاً؟ ولم لم نتمكن من الخروج من دوامة "عدم الثقة" التي لا نعترف بها؟

أول ما علينا الاعتراف به، أنّ لدينا أمراضاً اجتماعية كثيرة، طوائف لا تثق بطوائف بل تكفرها، أحزاب لا تثق بأحزاب أخرى وتخونها، جماعات وعشائر وقبائل لا تثق بأخرى، أقوام لا يثقون بأقوام ويعتبرونهم سبب كل معاناتهم. هذا الأمر الذي يستغله كل محتل وكل مستبد ليمسك بخناقنا، وهو يتم بمساعدة رجال دين من كل الطوائف ووجهاء من كل القوميات والجماعات والعشائر، عبر تحالف عميق يربط الأطراف مع المركز، في عملية معقدة ومتشعبة.

بعد الاعتراف بأن ثمة مشكلة هنا، لا بد من وضعها ضمن إطار البحث، والتنقيب بها: لم يخاف الكردي من العربي؟ ولم لا يثق العربي بالكردي؟ ولم يخاف العلوي من السني ولا يثق به؟ ولم لا يرتاح الأول للأخير أيضاً؟ ولم تخاف الطوائف من بعضها البعض؟

 لا تفيد هنا المجاملة ولا الحديث عن "الأخوة" و"التعايش" وغيرها من الكلمات التي نختبئ خلفها بحثاً عن أمان زائف أو إيقاف عابر للحرب تحت اسم "وأد الفتنة"، فالفتنة تكمن أساساً في هذا التستر الكاذب، ولكي نخرج من هذا الجحيم، لا بد من كسر كل الجدران، والحديث بصوت عال عن ذلك الكره والخوف والنظرة المسبقة والذعر الذي يستوطن الجميع، وهذا يقتضي بالضرورة الحديث عما تقوله تلك الجماعات عن بعضها البعض علانية، وكتابته وفضحه، بدءاً مما يقال تحت ستار الأديان (علنية/ ظاهرية كانت أم باطنية) إلى ما يقال اجتماعياً، وإلى من يقوم بتلك الأدوار ويعطيها مشروعيتها الاجتماعية، فهل نفعل أم نبقى نحتمي بالأجنبي ليخلصنا من المستبد، ثم يأتي المستبد الذي يخلصنا من المحتل، ونبقى ندور في نفس الدائرة؟

 (الصورة الرئيسية: من تصميم "كوميك لأجل سورية". خاص حكاية ما انحكت)

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من