إباء... حين وجدت أهلها تحت الأنقاض


تقول إباء لحكاية ما انحكت "تلقينا خبر قصف الطيران الحربي للمدينة، فخرجت كالعادة مع فريق الدفاع المدني نتتبع مكان الإستهداف، فبدأنا نقترب من منزلنا شيئا فشيئا، لم أكن لأتوقع أن المكان المستهدف هو بيت عائلتي، مررتُ ببضع لحظات غريبة إذ لم يكن عقلي يصدق أن الناس الذين تحت الأنقاض هم أهلي وأخوتي، كانت مشاهد لا ولن تنسى بالنسبة لي"

20 تموز 2018

(إباء في مركز الدفاع المدني في معرة النعمان/ الصورة مرسلة من قبل إباء، خاص حكاية ما انحكت)
نايف البيوش

كاتب وصحفي من ريف إدلب

(ريف إدلب)،لم تستطع الشابة إباء (23عاما) أن تقف عاجزة  إزاء ما يحصل في بلدها ومدينتها معرة النعمان من قصف وقتل ودمار، بل إنها وبكثير من الجرأة دخلت مجالات لم تدخلها من قبل: العمل الميداني في نقل الجرحى، والبحث عن عالقين تحت الأنقاض، مسعفة في الدفاع المدني، حيث عملت على إنقاذ أرواح الأبرياء الذين استهدفتهم طائرات الأسد وحليفه الروسي.

إباء الطعمة من مدينة معرة النعمان شابة في مقتبل العمر، كانت من أوائل الفتيات اللواتي يعملن في المشافي الميدانية بريف إدلب بشكل تطوعي دون أي أجر. كان ذلك مع بدايات الثورة السورية، وتحديدا في عام ٢٠١٢، حيث ساهمت بشكل فعال في الثورة السورية، من خلال المشاركة في المظاهرات النسائية وإسعاف المتظاهرين المصابين في مدينة معرة النعمان.

نشأت إباء في أسرة مؤلفة من أب وأم وسبع أخوات، معظمهن يعملن في المجال الطبي في الثورة السورية كمسعفات وممرضات. عرف عنها جرأتها وشجاعتها منذ طفولتها، وهو ما دفعها للإلتحاق بركب الثورة منذ انطلاقتها على الرغم من الملاحقة الأمنية التي كان يتعرّض لها المتظاهرون في ذلك الوقت.

لم تعر إباء تصرفات بعض الفصائل الإسلامية الرافضة لعمل النساء في هذه المجالات بحجة الإختلاط أيّ اهتمام، بل تخطّت هذه الصعوبات من خلال مواظبة عملها وإشعارهم بضرورة وجود العنصر النسائي في مثل هكذا مجالات

لم يكن طريق إباء محفوفاً بالورود، بل كان مليئا بالمصاعب والأخطار حتى أنّها تعرّضت لإصابة كادت أن تودي بحياتها، إثر الغارة التي استهدفت مشفى أطباء بلا حدود الذي كانت تعمل به منذ  17/5/2015 وحتى إصابتها بتاريخ 15/2/2016، فـ "بينما كنّا مستغرقين في عملنا سمعنا دوي انفجار قوي. كان المشفى مزدحما، طغت رائحة الدم والبارود على المكان، لم أكن أسمع إلا أنين المصابين وأصوات سيارات الإسعاف التي كانت أملنا الوحيد في النجاة". هكذا تصف  إباء لحكاية ما انحكت، تفاصيل الحادثة والدمع في عينيها، إذ تتابع "نعم لقد  تدّمر المشفى بشكل كامل وخرج عن الخدمة، أصبت أنا والعديد من الممرضات بإصابات خطرة، فقد تمثلت إصابتي بكسر في اليد اليمنى وكسر آخر بعظم الترقوة في اليد اليسرى و نزف داخلي أدى إلى استئصال الطحال".

خضعت إباء لعلاج استمر حوالي ستة أشهر في الداخل السوري، وكانت هذه الفترة من أصعب الفترات التي مرّت بها. وبعد معالجة فيزيائية وتنقّل بين المشافي والمراكز الصحية، حيث تلقت إباء علاجها في المشفى الوطني في مدينة معرة النعمان ومشفى شام التخصصي، تماثلت للشفاء .

(صورة لإباء في مركزغراس الأمل/ خاص حكاية ما انحكت. تاريخ التصوير:15/3/2018)

استطاعت إباء استعادة عافيتها الجسدية، غير أنّها لم تستعد عافيتها النفسية، إذ أنّ المشاهد الدموية ظلّت تلح على ذاكرتها: مشاهد الضحايا الذين استشهدوا على الفور والبعض الآخر العالق تحت الركام فيما آخرون يلفظون أنفاسهم الأخيرة.. مشاهد شعرت إباء من خلالها بإجرام النظام والظلم الذي يتعرض المدنيون الذين لم يسلم منهم حتى المرضى والجرحى.

كل ذلك لم يثني من عزيمة إباء التي كانت من أوائل المتطوعات في الدفاع المدني النسائي في مدينة معرة النعمان، حيث عملت به من 22/9/2016 وحتى 8/3/2018، وعن عملها تقول: "شعرت أنني قادرة على فعل شيء ما من أجل هؤلاء المتضررين، عملت في المجال الميداني والإسعافي وإخراج العالقين ونقل المصابين إلى النقاط الطبية وبقيت في هذا المجال لأكثر من سنتين".

مرت إباء من خلال عملها في هذا المجال بمواقف مؤثرة، تركت أثرا كبيرا في نفسها، وعن بعضها تقول: "كانت مشاهد مؤلمة بالنسبة لي، أن أرى الأطفال والنساء يموتون تحت الأنقاض ولا نستطيع مساعدتهم نتيجة حجم الدمار الهائل ونقص المعدات اللازمة"، دون أن تدرك أنّ القدر يخبئ لها فجائع أخرى، أشد وأكثر إيلاما.

(صورة لإباء في مركز غراس الأمل. المصدر: صفحة منظمة غراس الأمل على الفيسبوك، والصورة تستخدم بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

وأكثر المواقف تأثرا بالنسبة لها، والتي كانت صادمة لإباء هو استهداف منزلها بالصواريخ الفراغية حين كانت في مركز الدفاع المدني تؤدي عملها عند الحادثة، إذ "تلقينا خبر قصف الطيران الحربي للمدينة، فخرجت كالعادة مع فريق الدفاع المدني نتتبع مكان الإستهداف، فبدأنا نقترب من منزلنا شيئا فشيئا، لم أكن لأتوقع أن المكان المستهدف هو بيت عائلتي، مررتُ ببضع لحظات غريبة إذ لم يكن عقلي يصدق أن الناس الذين تحت الأنقاض هم أهلي وأخوتي، كانت مشاهد لا ولن تنسى بالنسبة لي" كان من نتيجة هذا الاستهداف وفاة شخصين من عائلتها، وإصابة البقية بإصابات تراوحت بين الخطيرة والخفيفة.

المثل الشعبي الذي يقول بأنّ "التجربة التي لا تكسرك تقويك" انطبق على إباء آنذاك، إذ منحتها هذه التجربة جرأة إضافية وقدرة على تجاوز الصعاب والتعامل مع كافة المواقف الحرجة والإسعافية بصلابة مهما بلغت خطورتها. وعن حبها لعملها تقول "إن العمل التطوعي في الدفاع المدني يمنحني الشعور بالإنسانية، وبعدم العجز، وبأنني قوية وقادرة  على مساعدة الناس والتخفيف عنهم".

نظرة المجتمع الإدلبي السلبية لعمل النساء في المجال الإسعافي تغيّرت، ولم تعد كما كانت. وهنا توضح إباء "في البداية عانيت من عدم تقبّل المجتمع لعملي في هذا المجال، إذ اعتاد الناس على الرجال كمسعفين، والمرأة بنظرهم مكانها المنزل وتربية الأولاد".

هذا الأمر عانت منه إباء حتى من قبل أهلها الذين انتقدوها في البداية وحاولوا إبعادها عن هذا العمل الخطير.

(إباء وهي ترتدي زي الدفاع المدني السوري. الصورة مأخوذة من صفحة الدفاع المدني وهي تستخدم بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

"يا بنتي هاد مو شغلك إنت، وما بناسبك"، عبارة اعتادت إباء على سماعها على لسان أمها الخائفة عليها، والتي لا تكف عن الدعاء لها بالسلامة كلما غادرت المنزل. فـ "كون المرأة شخص ضعيف في نظر المجتمع فهذا لا يعني أنها عديمة الفائدة، فقد استطاعت إثبات ذاتها في شتى مجالات الحياة، فكان لزاما عليها تغيير تلك النظرة الدونية لعمل المرأة، والتي باتت أكثر إيجابية نتيجة الأعمال والخدمات التي تقوم بها وخصوصا في إسعاف النساء والأطفال المصابين"، وفق ما تقول لحكاية ما انحكت.

لم تعر إباء تصرفات بعض الفصائل الإسلامية الرافضة لعمل النساء في هذه المجالات بحجة الإختلاط أيّ اهتمام، بل تخطّت هذه الصعوبات من خلال مواظبة عملها وإشعارهم بضرورة وجود العنصر النسائي في مثل هكذا مجالات، فهناك بعض الحالات التي تحتاج العنصر النسائي من خلال إصابات النساء ونقلهم إلى المشافي  وتقديم العلاج وتعقيم  أماكن الإصابات... كل هذه الأشياء ساعدت على تحييد عمل إباء وعدم تعرضهم لها ولغيرها .

عملت إباء مع فريق تطوعي متخصّص في خدمة ومساعدة الأطفال من ذوي الإحتياجات الخاصة، والذي يدعى مركز غراس الأمل التطوعي، وهو عمل إباء الحالي حيث بدأت العمل به في 14/3/2018، بعد أن تركت العمل في مركز الدفاع المدني رغم حبها له بعد وجود خلافات شخصية بينها وبين إدارة المركز.

إباء هي سيدة مثلها مثل الكثير من السوريات، حملن على عاتقهن القضية السورية، وشاركن في جانبها الإنساني وفتحن مجالات أمل لحياة ينتظرها السوريون.

يتركز عمل إباء في المركز الأخير حول تقديم الدعم النفسي ومدربة ومدخلة بيانات. تحب إباء عملها الجديد الذي يشعرها بالفخر والسعادة كونها تساعد أطفالا مهمشين بالحياة، أطفالا كانوا ضحية حرب جعلتهم معاقين جسديا ونفسيا ومحرومين من أبسط حقوقهم في الحياة وهي حرية الحركة الطبيعية والتعليم والاندماج مع الآخرين، حيث تحاول إباء من خلال عملها بالمركز تحقيق كل تلك الأمور لذوي الإحتياجات الخاصة.

إباء تعمل بشكل تطوعي في معظم المراكز التي عملت وتعمل بها، ولا يضيرها ذلك رغم أن عملها يأخذ الكثير من وقتها وجهدها، إذ "يكفيني فخرا أنني أنجز شيئا على صعيد الثورة ومساعدة الآخرين حتى لو كان تطوعا ودون مقابل". وببسمة تعلو وجهها تابعت "يكفيني أن أرى البسمة على وجه أحدهم أو أن أساعد في استرداد عافية أحدهم الآخر لأشعر بوجودي وإنسانيتي".

إباء هي سيدة مثلها مثل الكثير من السوريات، حملن على عاتقهن القضية السورية، وشاركن في جانبها الإنساني وفتحن مجالات أمل لحياة ينتظرها السوريون.

(ملاحظة: تمت إضافة الصور الخاصة بإباء ضمن هذه المادة بتاريخ 21 يوليو 2018.)

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من