بنته شيلر: الجمع بين التصدي لإيران وإبقاء الأسد ليس سهلاً


"كل من يعتقد أنه بإمكان استخدام إعادة الإعمار كحافز للنظام السوري لتقليل وحشيته أو سماحه بعودة اللاجئين؛ كل من يعتقد أن بالإمكان فرض شروط على النظام أو توقع إنقاذ أرواح الناس منه هو شخص يعيش في عالم الخيال". هذا ما قالته الكاتبة ومديرة مكتب الشرق الأوسط لمؤسسة هاينريش بول الألمانية، بنته شيلر، خلال حوار أجراه معها الكاتب المستقل والمقيم في غازي عنتاب، غاريث شاندلير، لصالح حكاية ما انحكت.

16 آب 2018

(بنتة شيلر. المصدر: مؤسسة هاينريش بول شتيفتونغ)

"كل من يعتقد أنه بإمكان استخدام إعادة الإعمار كحافز للنظام السوري لتقليل وحشيته أو سماحه بعودة اللاجئين؛ كل من يعتقد أن بالإمكان فرض شروط على النظام أو توقع إنقاذ أرواح الناس منه هو شخص يعيش في عالم الخيال".

هذا ما قالته الكاتبة ومديرة مكتب الشرق الأوسط لمؤسسة هاينريش بول الألمانية، بنته شيلر، خلال حوار أجراه معها الكاتب المستقل والمقيم في غازي عنتاب، غاريث شاندلير، لصالح حكاية ما انحكت.

شيلر هي صاحبة كتاب "حكمة لعبة الانتظار السورية"، وهو أحد أشد كتب السياسة الخارجية تماسكاً وألمعية في الذاكرة الحديثة. وهو كتاب لم يحظ بالاحتفاء الذي يستحقه حتى الآن، سواء من قبل الجمهور العادي أو الخبراء، على الرغم من عدم صعوبته.

تواصل شيلر دراسة النزاع السوري عن كثب من موقعها في بيروت، حيث تقوم بتحليل العلاقات الحالية بين الدول الأجنبية إزاء الوضع في سوريا.

أجرى الحوار: غاريث شاندلير

 (1): في كتابك قمت باقتباس من صحيفة هآرتس، التي وصفت الأسد بأنه "ديكتاتور إسرائيل المفضل". هل تعتقدين أن الأمور ما تزال على حالها حتى الآن؟ هل مرت أي فترة منذ 2011 كانت حسابات رحيل الأسد أفضل ربما من بقائه؟

رغم خطاب الأسد المناهض لإسرائيل، من الواضح أنه على دراية بأنّ لديه في إسرائيل خصماً أشدّ منه جبروتاً وتصميماً إلى درجة تستحيل معها أيّة مواجهة عسكرية حتى في أفضل الأوقات، وهو ما جعله يبتعد تماماً عن التسبّب بأيّة متاعب لإسرائيل.

إلا أنّ هذه المعادلة تغيرت مع التدهور السريع للجيش السوري منذ عام 2013، حيث ازداد اعتماد الأخير على القوات الإيرانية وحزب الله وغيره من الميليشيات الأجنبية التي تجندها وتدربها إيران. هذه الميليشيات على العموم أكثر انضباطاً وقوة واستراتيجية، وإيران ليست قلقة للغاية بشأن تداعيات أفعالها طالما أنّها تحدث على الأراضي السورية. لهذا السبب أعتقد أنّ إسرائيل أخذت تراقب الوضع عن كثب، مبديةً اهتماماً أقل بكثير بمختلف مجموعات الثوار بالمقارنة مع أي وجود محتمل لقوات ترعاها إيران.

فقط الآن، بعدما تبيّن أنّه ليس لدى الولايات المتحدة ولا الأردن مصلحة بعد اليوم في دعم الثوار، لديّ انطباع بأنّ إسرائيل متجهة نحو تقبّل وجود قوات الأسد هناك مرة أخرى، بدلاً من الثوار المشتّتين والمعرّضين لهجوم وضغط مستمرين. إلا أنّه لم يكن للجانب السياسي والأخلاقي للفظائع التي ارتكبها الأسد ضد شعبه دور حاسم في الاعتبارات الإسرائيلية في أي وقت من الأوقات، فإسرائيل كانت مأخوذة أكثر بالخشية من التسلل الإيراني ومن تحول سوريا إلى منصة انطلاق للإمدادات والهجمات العسكرية.

(2): كيف نفهم الضربات الإسرائيلية الأخيرة داخل سوريا إذن، بناء على هذا التحليل؟

هي تذكير بأن إسرائيل لن تتردد في التدخل عندما ترى مصالحها الأساسية معرضة للخطر، وهو تذكير لسوريا وإيران في آن. وبالأحرى هو تأكيد شديد اللهجة، وهذا يعني أنه في مثل هذه الحالة حتى روسيا لن تقوم باتخاذ أيّ إجراء. وفي الحقيقة يبدو أنّ وتيرة وحجم الهجمات زادت هذا العام، ناهيك عن التهديد الصريح أيضاً، ففي شهر فبراير/ شباط، أعلن رئيس الوزراء نتنياهو أنه لن يتردّد في الإطاحة بالأسد. هذه الهجمات تدعم مصداقية إسرائيل في هذا الصدد. وفي الوقت نفسه فإن الموافقة الإسرائيلية الضمنية حالياً على اجتياح الأسد لدرعا تظهر الحدود التي تضعها إسرائيل بالنسبة لتغيّر مسار الأحداث على الأرض.

(3): حرصت في كتابك على فصل المصالح الأميركية عن المصالح الإسرائيلية، وعلى التحذير من الفكرة السهلة القائلة بأن الولايات المتحدة تملي على إسرائيل ما تفعل. كيف تصفين التواؤم (أو التباعد) بين البلدين من حيث المصالح والسياسات المتعلقة بسوريا؟

من المشكلات التي ألاحظها في السياسة الأميركية الحالية تجاه الشرق الأوسط هي غياب التناسق. عندما يتعلق الأمر بسوريا، بدأ ذلك سابقاً مع الرئيس أوباما، الذي لم يستطع أبداً اتخاذ قرار حول إلى أي مدى سيطالب الأسد بالتنحي ويدعم الثوار. ولعل أبلغ مثال على ذلك تجمع الجبهة الجنوبية للمقاتلين؛ التي كانت كلما أظهرت تفوقاً زائداً على النظام قامت الولايات المتحدة بقطع أو إبطاء إمداداتها. فيما يتعلق بسوريا، تم التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران عام 2015 في ظل انتقاد شديد تعرّض له الرئيس باراك أوباما من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، والذي لم ير الاتفاق مناسباً لكبح التهديد الذي كان يراه في إيران. بعض خبراء الشأن السوري أيضاً أبدوا تحفظهم على الاتفاق، معتبرين أنه سيسمح لإيران ببذل المزيد من الموارد لتشجيع حرب النظام السوري ضد شعبه.

الآن انسحب الرئيس ترامب من الصفقة مع إيران، ويبدو أن هناك مصلحة مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل متمثلة في الحد من نفوذ إيران في المنطقة ودفعها إلى التراجع. لكن في الوقت نفسه، يبدو أن ترامب غير مهتم بالإطاحة بالأسد بعد الآن. الجمع بين التصدي لإيران وإبقاء الأسد ليس سهلاً، فالأسد يعتمد كلياً على الدعم العسكري الأجنبي، وعلى الأرض هناك قوات أجنبية ترعاها إيران. هذه القوات هي التي حسمت الأمور في درعا على الأرض. ونظراً لضعف الجيش السوري فمن غير المحتمل أن يتمكن من إحكام السيطرة على الجنوب لوحده. وبالتالي، ليس واضحاً بعد ما إذا كان النظام السوري أو روسيا قادرين أو راغبين في الامتثال للمطلب الإسرائيلي المتعلق بإخراج القوات الإيرانية من الجنوب.

(4): غالباً ما تشيرين إلى "حكمة لعبة الانتظار السورية"، فهل ظهرت مؤشرات مشجعة للنظام، منذ عام 2011، تشير إلى أنه يتبع الاستراتيجية الصحيحة؟ وأنه بالنسبة لبقائه، فإن ما يقوم به يخدم غاياته؟

في الواقع أثبتت "لعبة الانتظار" الجديدة نجاحاً منقطع النظير بالنسبة للنظام. ولكن الحظ لعب دوره في هذا الأمر. لو لم يكن النظام السوري يحظى بالدعم الدبلوماسي الروسي الذي حماه في مجلس الأمن، ومن ثم التدخل العسكري العارم والمباشر من قبل روسيا، لكان النظام قد انسحق منذ زمن بعيد. ومع ذلك، يمكن للأسد الاعتماد على دعم موسكو، ويمكنه حتى القيام باستفزازات ضد حليفه الرئيسي (مثلاً استمرار الهجمات بالأسلحة الكيماوية حتى بعد انضمامه إلى اتفاقية نزع الأسلحة الكيميائية بالتفاوض مع روسيا). بالنسبة للنظام، كان ذلك يعني تشجيعاً على مواصلة هذا المسار. بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، من الدروس المفيدة للمستقبل هو أن غياب الرغبة أو انعدام القدرة على جعل النظام السوري يمتثل لالتزاماته سيجعله محصناً ضد أيّة مطالب غريبة.

كل من يعتقد أن بإمكان استخدام إعادة الإعمار كحافز للنظام السوري لتقليل وحشيته أو سماحه بعودة اللاجئين؛ وكل من يعتقد أن بالإمكان فرض شروط على النظام أو توقع إنقاذ أرواح الناس منه هو شخص يعيش في عالم الخيال.

(5): كيف يجب أن نفهم مصالح تركيا في هذه اللحظة؟ فمنذ أن أسسوا مكتباً لمؤسسة البريد التركية داخل سوريا، هناك من يعتقد أن الأتراك قد يسعون للاحتفاظ بأراضٍ سورية كمنطقة عازلة على المدى الطويل.

بدأ تدخل تركيا لمنع إنشاء حكم كردي تابع لحزب العمال الكردستاني في المنطقة الحدودية بين تركيا وسوريا. ومنذ عام 2015 كان ثمّة هدف آخر تمثل في منع اللاجئين السوريين من العبور إلى تركيا، وذلك بسبب تراجع احتمالات عودة اللاجئين مع تحول الأمور داخل سوريا لمصلحة بقاء الأسد في السلطة.

أما الآن فإن آخر المستجدات، كما ذكرت، هي افتتاح مكاتب البريد والبنوك والجامعات، ونشر رجال شرطة وغير ذلك من أبناء المنطقة، وهؤلاء يتلقون رواتبهم بالليرة التركية، فضلاً عن تشييد بنى تحتية أخرى مثل أبراج المراقبة المبنية على طول الحدود غير الرسمية للأراضي الخاضعة للسيطرة التركية شمال سوريا.

قد لا تكون هذه منطقة عازلة فحسب، بل من شأنها، طالما أن هناك اتفاقاً مع روسيا وإيران، منع هجوم عسكري شامل ضد إدلب من العيار الذي شاهدناه في حلب أو الغوطة أو درعا. فإذا حاول النظام وحلفاؤه محاولة استعادة هذه الأراضي بقصف جوي واسع النطاق سيعني ذلك موجة أخرى من التهجير الجماعي من إدلب باتجاه الحدود التركية. ليس لدى تركيا أيّة نية لاستقبال المزيد من اللاجئين السوريين، بل على العكس هي تهدف لإعادتهم. لذا فإن أي تصعيد في إدلب سيسبب متاعب خاصة لتركيا.

(6): إذن كيف تتلاقى مصالح موسكو وواشنطن أو تتصادم الآن في سوريا؟

لقد أوضحت واشنطن منذ البداية أنها لا تريد الانجرار إلى النزاع. كانت الولايات المتحدة تدعم مجموعات ثوار مختلفة خلال الفترة الماضية، لكنها لم تدعمها أبداً بالقوة الكافية أو جهزتها بمقدرات تمنحها فرصة الانتصار على التفوق العسكري الذي يتمتع به النظام.

بالنسبة للمدنيين على الأرض، وكذلك للثوار، كان يمكن لإنشاء حظر جوي أن يحدث فرقاً هائلاً في المعركة، لأن استخدام سلاح الطيران هو الذي منح النظام الأفضلية على خصومه، وهو الذي سبّب الدمار الواسع للمدن والقرى السورية، وقد دأبت الولايات المتحدة دوماً على النأي بنفسها عن ذلك المطلب. وفي عام 2015 عندما قرّرت روسيا التدخل مباشرة، قالت أنّ الوضع أصبح خطراً للغاية ولا يمكن بالتالي إنشاء حظر جوي، لأن ذلك سيعني خوض مواجهة مباشرة مع روسيا.

لقد لعبت روسيا دوراً أذكى من الولايات المتحدة، وهو ما لم تكن الولايات المتحدة راضية عنه، ولكن في الوقت نفسه لم تكن تعطي أولوية كبرى للتورط في النزاع، وبالتالي بقيت جهودها الدبلوماسية خافتة. وبدلاً من محاولة إيجاد حلول وممارسة ضغط أكبر على داعمي الأسد، أخذت تتراجع حدة المطالبة الأميركية، مثلها مثل الأوروبية بتنحي الأسد.

اليوم يبدو أن الرئيس ترامب على استعداد لقبول بقاء الأسد في السلطة. ولا يبدو أن لدى ترامب أية استراتيجية؛ فهو مرتاح لتفويض لروسيا بالمسألة، على الرغم من أنّ استمرار الأسد في السلطة يعني أيضاً تعزيز قدرات إيران ووزنها الإقليمي.

لقد شهدنا الكثير من التقلبات المفاجئة خلال السنوات السبع الماضية، ومن المحتمل حتى أن يتفق ترامب وبوتين في النهاية على أن كبح النفوذ الإيراني موضوع اهتمام مشترك لكلا الطرفين.

ومع ذلك، وكما تظهر تصريحات ترامب المتكررة حول انسحاب الولايات المتحدة من شمال شرق سوريا، حتى هدفه المعلن المتعلق بالحد من النفوذ الإيراني، يبدو مدفوعاً باعتبارات محلية أساساً، فيما سيكون الانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها قوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الأكراد إلى جانب القوات الأميركية أكبر خدمة تقدمها واشنطن للأجندة الإيرانية في سوريا.

إن إيران وروسيا مصممتان على إنقاذ النظام السوري ومساعدته على البقاء، ولكن فيما عدا ذلك لكل من الدولتين مصالحها الخاصة.

(7): هل روسيا راضية عن إعادة الاستثمار في نظام الأسد؟

فيما يتعلق بالمصلحة المباشرة لإنقاذ الأسد، نعم. لقد نجحت روسيا في ذلك. من الفوائد الأخرى لروسيا أنها أعادت تقديم نفسها كقوة عالمية يجب أخذها على محمل الجد، وهو عامل لا يمكن الالتفات حوله. كما أن سوريا كانت مختبر أسلحة بالنسبة لروسيا؛ فهي تأخذ فيديوهات من سوريا وتسوّق لمنتجاتها في المعارض التجارية للأسلحة.

مع ذلك، أعتقد أن موسكو لم تحسب حساباً لكل هذا الاستثمار في سوريا. أعتقد أنها بالغت في تقدير قوة وقدرات قوات الأسد، وقد فوجئت بأدائه الرث، سواء أدائه القتالي أثناء حملته لاستعادة المناطق الخارجة عن سيطرته، والتي لم تكن لتنجح في النهاية لولا الميليشيات التي تقاتل إلى جانبه والدعم الكبير الذي قدمه له المقاتلون الأجانب؛ وكذلك في إعادة فرض سيطرته. في الكثير من الأماكن ليس بمقدور النظام السوري فرض حد أدنى من الأمن اللازم لمنع اندلاع النزاع مجدداً على المستوى المحلي. يرجع ذلك إلى الغياب التام للبراغماتية أثناء استعادة المناطق: فحتى بعد الاستسلام القسري لمنطقة ما، تمثل عمليات النهب التي تقوم بها قوات النظام مشكلة كبرى، بالإضافة إلى الغارات وعمليات التفتيش عن أي شخصيات محسوبة على المعارضة. ما من جهد حقيقي لتحقيق المصالحة. الميليشيات السورية جزء لا يتجزأ من بنى تشبه المافيا، الأمر الذي يستدعي تواجداً كثيفاً للشرطة العسكرية الروسية على الأرض.

ولكن بصرف النظر عن هذه الأهداف قصيرة المدى، يبقى السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو: ما الذي ستفعله روسيا بهذا النفوذ المعزّز حديثاً؟ ما شكل العائدات التي تتوقع تحصيلها على المستوى الدولي؟ من دون معرفة خططها المستقبلية، من الصعب معرفة ما إذا كان الاستثمار الكبير في سوريا سيرقى إلى مستوى التوقعات الروسية.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من