زياد عدوان: صدمة السوريين هي الأقسى


يتوزع عمل الباحث والمخرج المسرحي زياد عدون على حقول متعددة، تبدأ بالإخراج ولا تنتهي بالبحث والتدريس. حكاية ما انحكت، حاورت زياد في برلين، في حوار يتوزع بين أعمال زياد الأن وبين همومه المسرحية والفكرية.

07 آب 2018

(من عرض"التخريب للمبتدئين" لزياد عدوان. الصورة تنشر بإذن خاص من المخرج. خاص حكاية ما انحكت)
Translated By: بسكال مناسا

أجرى الحوار: محمد ديبو

لم يكن يتوقع الباحث والمخرج وأستاذ المسرح، زياد عدوان، أن القدر يرتب له أوراق حياته حين مازحه أحد أصدقاءه في لندن حين كان كان ينهي أطروحة الدكتوراه، إذ قال له: ما رأيك أن ننتقل للعيش في برلين؟

كان ذلك قبل اندلاع الثورة السورية، التي ألقت بظلالها على كل السوريين، ومنهم زياد الذي كان آنذاك في سورية، إذ عاد إلى دمشق بعد أن أمضى عشر سنوات من الدراسة في لندن، ليفاجأ بواقع سوري ممتلئ بالفساد والفقر المسرحي و"الشراسة والنميمة" داخل الوسطين الفني والثقافي في سورية، حيث طغت ثقافة التلفزيون على كل شيء، إلى درجة أنه إذا قال أحد "لدي عمل"، فهو يعني حتما أن لديه عملا تلفزيونيا. غير ذلك لا يعتبر عملا، فالسينما والكتابة والنقد، كانت تبدو وكأنها بعيدة عن دائرة الاهتمام، أو الأخذ على محمل الجد.

لا يعني ذلك أن التلفزيون كله سوء في نظر زياد، بل هو يمدح أعمال من قبيل "ضيعة ضايعة"، وبعض الأعمال التي أخرجها حاتم علي. إلا أن المشكلة في هذا الفصام الذي يظهر أحيانا، إذ "نفس الممثل تراه جيدا في التلفزيون ومرتبكا في السينما". كل هذا وغيره كثير، جعل البلاد ضيقة على المبدع الطموح.

الفساد، الهوية، العوالم المتبدلة الإرهاب، العنف وآليات الرد عليه، الاستبداد، المظاهرات، الحرب، اللجوء.. أسئلة ومفاهيم كلها تطرح نفسها اليوم على زياد وعمله

مع تصاعد الأحداث في سورية، قرّر زياد الخروج في عام 2013 نحو الإمارات حيث عمل مشرفاً على النصوص والتمثيل في قسم السينما في مؤسسة 2454. حين انتهى عقد العمل كان سؤال: إلى أين الآن؟ حاضرا في ذهنه كحال كل السوريين الذين وزعتهم التراجيديا السورية في كل أصقاع الأرض.

كانت الأبواب الألمانية مفتوحة للسوريين، وكان عدد من أصدقاء زياد قد أصبحوا في برلين التي جاءها ليجد أصدقاءه الذين كانوا معه في لندن، ويعيد وصل ما انقطع، فما كان مجرد مزح أو اقتراح ما، يقال عبثا، بات واقعا.

برلين.. مدينة تتطلع للمستقبل

بالنسبة لزياد، تشكل "برلين المدينة الأكثر تقبلا لمشاريع ثقافية وعالمية، وهي رخيصة جدا ومناسبة للعيش. لم أكن أعرف برلين رغم أني عملت في مدن ألمانية أخرى سابقا. فحين أتيت برلين أول مرة عرفت أنها مدينتي، خاصة حين رأيت شارع (alte schönhauser allee) هنا رأيت الحي الذي تمنيت أن أعيش به، حيث سحر العمارة والشارع الضيق.. حداثة مع شيء قديم. باختصار إنّ برلين تمزج بين مدينة مثقلة بالتاريخ والعراقة، وبالوقت نفسه وبسبب الحرب تبدو المدينة منفتحة على كل ما هو جديد، بعد أن فقدت الكثير. إذن هي مدينة رغم الحرب تتطلع للمستقبل".

كما أن حضور اللغة الإنكليزية القوي في المدينة كان عاملا مساعدا لزياد، إذ "أكمل شغلي في المسرح وأمارس التدريس بهذه اللغة"، إضافة إلى التسامح الموجود في المدينة.

طاقة لا تنفد ومشاريع كثيرة

يتوزع عمل زياد ووقته، بين عدة مشاريع، فهو يعمل منذ مدة مع زوجته، مصممة ومدرسة الرقص المعاصر، مي سعيفان، على مشروع المنامات السورية، ويعمل أيضا على مسرحية Please, Repeat after me، والتي تتناول مفهوم الخطأ في المسرح، وهي موضوع رسالة الدكتوراه الخاصة به، إذ قرّر اليوم العودة إلى الخطأ المسرحي عن طريق اللاجئين السوريين، من خلال العمل على شهادات اللاجئين ووضعها على المسرح مع التركيز على الأخطاء ومحاولة الإجابة عن سؤال: عند حدوث الخطأ على المسرح، يتوقف الممثل عن أن يكون الشخصية التي يؤديها، ليعود إلى شخصيته الحقيقية. ولكن ما الذي يحدث عند حدوث الخطأ في الوقت الذي يتحدث فيه اللاجئ عن تجربته الحقيقية على المسرح؟ هل  اللاجئ لاجئاً، وإلى أي حد يمكن أن نقدم الفجاجة في المسرح وكمسرح؟

(زياد عدوان خلال عمله مع اللاجئين. الصورة أخذت بإذن خاص من المخرج, خاص حكاية ما انحكت)

مشروع المنامات بدأ مع بداية المظاهرات في سورية، حيث تم فتح صفحة على الفيسبوك، وطلب من شرائح عديدة من السوريين والنشطاء والفاعلين أن يكتبوا أحلامهم، ليتم لاحقا قراءة هذه الأحلام وأرشفتها والعمل عليها كمادة أولية لأعمال فنية وسينمائية ومسرحية.

عبر المسرح الحركي (باليه ورقص معاصر)، قدم الشريكان ثلاثية "التخريب للمبدئين"، وهي سلسلة مسرحيات تنتمي إلى المسرح الحركي وتستوحي أحداثها وشخصياتها وأمزجتها من الأحلام المؤرشفة، وقدم منها ثلاث نسخ حتى الآن.

الحب كشراكة إبداعية

أما أن تكون شريكة حياته الشخصية، هي شريكته المسرحية، وعما يقدمه هذا الأمر لهما وللمسرح، يقول زياد: "على المستوى الشخصي، نطرح أنا ومي دائما، أسئلة من نوع: ماذا يضيف كل عقل للآخر؟ وإلى أي حد نتوافق ونقدر على تطوير أفكار بعضنا البعض؟".

يتابع زياد قائلا: "عرض مشروع المنامات بلش مع مي 2011، وفتحنا صفحة على الفيسبوك، إنو احكيلنا شو حلمت مبارح مع بداية المظاهرات. وهي كانت قبل عام 2011 أي عام 2010 مهتمة بعوالم الأحلام. وأما على الصعيد العملي، فهناك الحركة داخل الحلم والحركة على المسرح، وهذا ما تعمل عليه مي، إذ تضيف من مفرداتها في الرقص الكثير للعمل، وحتى حين يكون هناك ممثلين فإن مي توصل أفكارها لهم فيما يتعلق بالرقص، وأنا أقدم لهم ما يتعلق بأشكال الأداء والدراماتورجيا، وهكذا يكتمل العمل. وهذا يعني أن عملي مع مي هو عمل جماعي، أي كيف نجعل من العمل شامل لكل شيء، أي يحوي كل شيء دون أن يقتصر على رؤية محددة".

القيلولة كمسرح

العرض الأخير الذي عمل عليه كل من مي وزياد، هو تحت عنوان "قيلولة Siesta"، وهو أيضا مستقى من المنامات، إذ تتوضع  اثنتا عشرة خيمة على المسرح، وكل منها تحوي عناصر ملموسة من الأحلام. مثلا نجد في أحد الخيم مجموعة من الصدف، وفي كل صدفة يوجد أصوات، في إحداها نسمع صوت استغاثة، وفي ثانية أصوات موتى في البحر، وفي ثالثة أصوات استغاثة لأناس يغرقون، وفي رابعة اتصالات مع شرطة خفر السواحل، وفي خامسة أحلام بعض اللاجئين التي حلموا بها خلال رحلاتهم وشتاتهم.

المكان المسرحي وعمارته ليس أمرا بعيدا عن تفكير الدكتاتورية التي عملت على احتواء المسرح، لإدراكها أنّ المسرح هو فضاء لممارسة الديمقراطية، لذا كان العمل على تفريغ المسرح من محتواه هو الشغل الشاغل لسلطات الاستبداد

إحدى الخيم، مغلقة لا يمكن الدخول لها، ولكن بها ثقوب يمكن من خلالها أن نرى صوراً مجتزأة من الحرب والدمار في سورية، ولكن لا نرى الصورة كاملة.

لا يعني هذا أن المسرحية خالية من الممثلين، بل نحن في قلب المسرح، بين ممثلين يتجولون ويقدمون عروضهم بين الخيم والجمهور الذي يتجول بين الخيم، أي أننا أمام تجهيز وعرض مسرحي بذات الوقت.

المسرح كعلاج

ليس كل العمل متعلق بالمسرح من حيث هو عرض ومتعة فقط، فهناك المسرح كعلاج أيضا! فهل يمكن للمسرح أن يكون علاجا؟

هذا ما يراهن عليه زياد، إذ يعمل مع اللاجئين من كل أنحاء العالم، وليس من سورية فقط، سعيا منه لمساعدتهم على التأقلم مع بيئة جديدة. كما عرض عام 2016 مسرحية تفاعلية في مدينة ميونخ، معتمدة على روايات لاجئين من نيجيريا.

وعما يلمسه من فروق بين اللاجئين، وعما إذا كان باعتباره سوريا، يؤثر على عمله، يقول زياد: "كل لاجئ  يرى أن مأساته هي الأفظع. ولكن في حالة سورية، يظهر لي واضحا أن الصدمة أقوى لدى السوريين اللاجئين، وهذا أمر يجد تفسيره بالنسبة لي في كون أنّ سورية قبل عام 2011 كانت آمنة، بمعنى أن السوريين قبل هذا التاريخ لم يفكروا باللجوء أو الهجرة، وفجأة وجدوا أنفسهم يغزون المجهول، دون أن يكون لديهم أي فكرة مسبقة عنه، وهذا بحد ذاته صدمة، ودون أن يعني ذلك أن الأمر في سورية كان جيدا قبل عام 2011 بل هو كان كارثيا أيضا".

المسرح والأسئلة الكبرى

الفساد، الهوية، العوالم المتبدلة الإرهاب، العنف وآليات الرد عليه، الاستبداد، المظاهرات، الحرب، اللجوء.. أسئلة ومفاهيم كلها تطرح نفسها اليوم على زياد وعمله، خاصة أن العرب والسوريين في تسعينيات القرن الماضي كانوا السياح الأثرياء، وبعد عام 2001 كانوا إرهابيين وهم اليوم لاجئين، أي من حيث النظرة المسبقة عنهم، الأمر الذي يخلق مساحة واسعة للتأمل في البشري فينا وفي أحوال العالم وفي الذات، وهذه كلها تطرح أسئلة، تحرّض على التفكير والعمل، "إذ كيف تبدأ داعش ثم فجأة تنتهي؟" يقول زياد، ويتابع: "داعش التي دمرت ما لم يدمر على يد الأسد، تكامل الاثنان ليأخذا مكاني، المكان الذي توهمت أنه يمكن أن يكون مكاني، إذ قبل الثورة كنت أفكر أن أبقى مثلا في سورية، أسافر كثيرا وأعود لها، ولكن هذا الحلم أجهض. ولكن سورية أضافت لي أسئلة جديدة على مستوى لم أكن أتخيل أن يصبح حقيقة. مثلا، إذ كيف يمكن أن يصبح الحلم حقيقة والاستعارة أيضا، إذ حين نتأمل في شعارات من نوع "الأسد أو نحرق البلد"، أو "الزحف إلى أوروبا"، أو "بالذبح جيناكم".. تلك شعارات قيلت في لحظة سورية بدت وكأنها استعارات ولكنها اليوم حقيقة".

الغرق في المسرح والحياة، نصا وكتابة وإخراجا، لم يبعد زياد عن العمل الأكاديمي، إذ يكتب اليوم أبحاثا مسرحية عن العمارة المسرحية في سورية والإمارات، أي الحديث عن مكان المسرح وموقعه في المدينة وطبيعة العمارة، وعلاقة المسرح مع السلطة، ففي سورية لم يبنى أي مسرح في عهد الأسد، وقد افتتحت بعض المسارح في عهد بشار.

المكان المسرحي وعمارته ليس أمرا بعيدا عن تفكير الدكتاتورية التي عملت على احتواء المسرح، لإدراكها أنّ المسرح هو فضاء لممارسة الديمقراطية، لذا كان العمل على تفريغ المسرح من محتواه هو الشغل الشاغل لسلطات الاستبداد، فدار الأوبرا في سورية تختزل وحدها قصة المسرح السوري مع السلطة، فحافظ الأسد أمر ببناء الأوبرا ولكنه لم ينهي عملها، إذ لم يكن لديه تصورا لكيفية مأسستها، ولهذا نجد أنه حتى اليوم علاقة الاوبرا هي علاقة مباشرة مع القصر الرئاسي. وأيضا تم العمل على إهمال المقهى في المسرح، وهو أمر متقصد، لأن المقهى المسرحي هو مكان للقاء والحوار والنقاش، وهذا ما يفسّر لنا كل شيء: تدمر السلطات المسرح، لأنه بداية الحوار ومنتهاه، أو ليس المسرح حوار دائم؟ هذا الحوار الذي يبحث عدوان عن فضاء يليق به، فضاء حر يسمح له بالعيش والعمل والإبداع بعيدا عن "بلاد الكبت والقهر" وفق ما يقول نزار قباني.

 

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من