الرهان المر


في إحدى الجلسات العائلية استعر النقاش بين أبي وسام وابن عمه، الذي حلف بكل المقدسات أنه لن يبقى يوما واحدا في البلد إذا طار النظام، فأجاب أبو وسام: وأنا لن أبقى يوما واحداً إذا بقي النظام وانتصر.

22 أيلول 2018

(لوحة رسمت خصيصا لهذه الحكاية/ خاص حكاية ما انحكت)
أليس الشامي

كاتبة سورية (الاسم مستعار)

انتظر أبو وسام اتصال الوسيط بقلق في سيارته الصغيرة في بداية مشروع دمر. من عادته أن يصل مبكرا إلى أي موعد مهما كان تافهاً، فوصل إلى هذا الموعد المصيري قبل نصف ساعة، وأمضى وقته وهو ينقر بتوتر على مقود السيارة ويمسح عرقه المتساقط من جبينه في حر آب، وبين ساقيه على مقعد السيارة ظرف يحتوي اثني عشر ألف دولار، عنه وعن زوجته وعن أولاده الأربعة.

لقد حسمت العائلة أمرها منذ بداية عام 2018على الخروج من سوريا، لكنها تأخرت في هذا القرار بعد أن بات السفر اليوم بطرق طبيعية أصعب من سنوات الحرب السابقة. أبو وسام في الستين من عمره، لم تمنعه الضغوط الاقتصادية من التفكير بترك حياته وعمله الذي أسّسه منذ عشرات السنوات، فقد كان طبيب عظمية مرموقاً، وكان وضعه الاقتصادي ميسوراً، لم يضطر إلى ترك بيته ولم يتعرّض لخسارة تكسر الظهر، صحيح أنه خسر بعض المال هنا وهناك في استثمارات كان مشاركاً فيها مثله مثل كثير من السوريين الذين كانوا يشغّلون أموالهم في المصانع وفي التجارة، رغم أن ذلك لم يكن عملهم الأساسي.

كان شريكاُ في مصنع أغذية احترق بالكامل في منطقة شبعا بريف دمشق في عام 2012، وكان لديه بيت إضافي يؤجره في منطقة عين ترما، وعندما دخل الجيش الحر المنطقة وحوصرت وقصفت من قبل النظام، سلّم أبو وسام أمره إلى الله واعتبر نفسه محظوظاً لأنّه يملك بيتاً واسعاً في منطقة آمنة. وبعد أن عادت عين ترما إلى سيطرة النظام في أوائل العام الجاري، ذهب ليتفقد البيت، ووجده مسروقاً بالكامل ومتضرراً إلى الحد الذي تتطلب إعادة تأهيله الكثير من المال. كذلك كانت هناك عائلة غريبة تقطن البيت، لم يقم أبو وسام بأي إجراء ضد العائلة. لقد كان يشعر بالقرف والهزيمة إلى الحد الذي جعله مستسلماً لأي شيء يحصل. كان شعوره مختلفاً تماماً عندما تعرّض للخسارة في معمل شبعاً، كان  وقتها يشعر نوعاً ما بسعادة غريبة، فقد انضم إلى السوريين الذين عانوا ويعانون من تبعات الثورة وممارسات النظام. كانت تلك دائماً حجّة أصدقائه التي يستخدمونها ضده عندما كان يدافع عن الاحتجاجات ويهاجم طريقة السلطة في التعامل معها. كان مؤيداً خالصاً للثورة ضد حكم آل الأسد، وبحكم كونه مسيحياً لم يكن من السهل عليه أن يدخل في نقاشات مع أقرانه في وسط اجتماعي مغلق، تحكمه مخاوف تاريخية وأفكار مسبقة عن مصالح اقتصادية واجتماعية مع الدولة بشكل غير مباشر، كانت تستفزه أسئلة مثل: هل تعلم ما الذي يمكن أن يحصل في حال حكمنا الإخوان المسلمين؟ وما دخلك أنت بالناس؟ إنه صراع سني علوي أو سني شيعي لا دخل لنا به!

عندما قصف النظام المعمل الذي تعرّض أيضاً للسرقة بعد ذلك من قبل مليشيات موالية، استخدم تلك الحادثة والخسارة التي تعرّض لها شخصياً في كل النقاشات اللاحقة ليثبت للجميع أنّ السلطة لا تميّز بين مدني وآخر، وأنها مستعدة لتحرق كل شيء في سبيل الحفاظ على نفوذها. وأنها أكثر فساداً وأذى ممن تدّعي أنها تحمي الناس، والمسيحيين خاصة، من شرّهم.

كونه مسيحياً لم يكن من السهل عليه أن يدخل في نقاشات مع أقرانه في وسط اجتماعي مغلق، تحكمه مخاوف تاريخية وأفكار مسبقة عن مصالح اقتصادية واجتماعية مع الدولة بشكل غير مباشر، كانت تستفزه أسئلة مثل: هل تعلم ما الذي يمكن أن يحصل في حال حكمنا الإخوان المسلمين؟ وما دخلك أنت بالناس؟ إنه صراع سني علوي أو سني شيعي لا دخل لنا به!

لكن كل تلك الحجج لم تغيّر في مواقف الناس شيئاً، فالكل يعرف ضمنياً هذه الحقيقة، وكانت مواقف أصدقائه ومعارفه من الموالين مرتبطة حتى بهذه الفرضية، فرضية أنّ الوحش الهادئ أفضل من الوحش المسعور، وأنّ هذه الثورة بهذه الطريقة لا يمكن أن تفضي إلى خير، لكنهم لم يتجرؤوا على قول ذلك، فظلّوا يغزلون آراءهم بناءً على المخاوف الدينية والطائفية، إذ كانوا لا يتركون مناسبة أو حادثة حقيقة أو مفبركة عن مسلحي معارضة تعدّوا على أفراد ومنشآت مسيحية، حتى يستشهدوا بها. لكن قناعة أبي وسام ظلت راسخة بأن المياه الآسنة والروائح النتنة مصدرها بالوعة النظام، التي يجب أن تردم وينتهي وجودها في البلد حتى يتسنّى للجميع أن يرتاحوا، وكل ما بقي تفاصيل.

رأي لم يكن يوافق عليه ابن عمه جوزيف، وهو محامي عقارات في الخمسينات، أعزب، وثري، تعرفه حانات دمشق كلها. منذ بداية الأحداث رفض أن تكون له أيّة علاقة مع قضايا معتقلي المظاهرات، وكان ذلك يثير جنون أبي وسام، الذي كان يغضبه غضباً شديداً إنكار جوزيف "لروايات المعارضة" (كما سماها) عن اعتقال المتظاهرين وتعذيبهم. لم يستطع أبو وسام تمييز فيما إذا كان جوزيف يعي ويدرك الحقيقة وينكرها، أو أنّ عقله يرفض أن يعترف بالحقيقة التي لا تنسجم مع تبرير موقفه السلبي من الاحتجاجات، والموالي للسلطة.

في إحدى الجلسات العائلية استعر النقاش بين أبي وسام وابن عمه، الذي حلف بكل المقدسات أنه لن يبقى يوما واحدا في البلد إذا طار النظام، فأجاب أبو وسام: وأنا لن أبقى يوما واحداً إذا بقي النظام وانتصر.

  • كلام رجال؟
  • كلام رجال..

كان ذلك في عام 2012، وفي المرات القليلة التي اجتمع فيها أبو وسام مع قريبه في السنوات التي تلت جلسة الرهان تلك، كانا يذكّران بعضهما بالرهان، تارة بالمزاح وتارة بجدية مراهقين مقلقة لباقي أفراد العائلة. وفي بداية عام 2018، وخاصة بعد معركة الغوطة، حسم أبو وسام أمره بأنه لن يستطيع تحمّل البقاء في البلاد. لقد باتت الأمور شبه محسومة، فالنظام باق، والوضع الاقتصادي مزر، مع مظاهر محدثي النعمة من أثرياء الحرب الجدد والشبيحة الذين لا يلتزمون، بقانون مرور أو دور، خاصة وأنه يعيش في منطقة ثرية تعج بهؤلاء، والوضع الدولي لا يوحي بأنّ هناك تغييراً إيجابيا في المنطقة، والعنجهية الرسمية المستفزة في كل مكان، على وسائل الإعلام و في الشارع.

لم يبق هناك ما ينتظره أو يعيش لأجله هنا، كان يتأمل أن يكون في مستقبل هذا البلد الذي يحبّه، والذي عاش فيه كلّ حياته، ولم يبتعد عنه سوى لأيام قليلة... كان يتأمل أن يكون هناك مكان لأولاده، وأن يقول لهم في يوم من الأيام أنه ساهم في ذلك، لكنهم اليوم يطالبونه بالرحيل، إلى دولة ما يمكن لليافعين والشباب أن يصنعوا طموحاتهم، أن يعيشوا حياة طبيعية يصلون فيها إلى أهدافهم الشخصية والمهنية، دون أن يتهدّدهم من يحاول دائماً أن يقتل فيهم الحرية والأمل والحلم. كان أبناؤه ثلاثة شبان وصبية، كانت الصبية أكبرهم، في الصف الحادي عشر، أما أصغر الصبيان فكان في الصف السادس، كانت مسألة وقت أيضاً قبل أن يلاحق العائلة شبح الخدمة العسكرية. وعلى الرغم من أن هذا الخوف كان يجعل الأم، وهي فنانة تشكيلية تعمل في المنزل، تلح على موضوع إيجاد حل للسفر، إلا أن أبا وسام كان دائماً يماطل ويسوّف في انتظار ما يمكن أن تؤول إليه الأمور. وكان ذلك الرهان يثقل على صدره، هو لا يريد أن ينسحب منه أمام نفسه قبل قريبه، مع ذلك، كان قلقه على مستقبل أولاده الشباب يزيد يوماً بعد يوم.

(رسم يوضح خوف الناس من الخدمة العسكرية في سورية، وسعيهم للحصول على ورقة التأجيل. وهذا ما فكر به أبو وسام حين بات أولاده يكبرون، إذ قرر السفر قبل أن يداهم الأبناء شبح الخدمة العسكرية، خاصة بعد ظهور مؤشرات تدل على أن النظام الذي يعارضه باق/ خاص حكاية ما انحكت)

وفي إحدى الليالي الباردة في أول عام 2018، كانت الكهرباء مقطوعة، وكان الأولاد يدرسون لفحص السنة النصفية على ضوء الـLED  الشاحب، ويتدفئون بمدفأة الغاز، عندما نظر أبو وسام في عيني زوجته وقال: ربما حان وقت الرحيل.

قرار الرحيل بالنسبة لأبي وسام يعني أن يرمي كل شيء وراءه، هو طبيب، لكنه ستّيني، لن يستطيع غالبا أن يعمل في دولة أجنبية، لن يكون من السهل عليه أن يتعلم لغة جديدة، على الرغم من أنه يتقن الانكليزية والفرنسية، لكنه يعلم أن اختصاصه في الدولة الفرنسية كطبيب عظمية منذ عشرات السنوات لن يفيده الآن. لقد بات الآن في سن التقاعد. زوجته بالمقابل فنانة تشكيلية تعمل لحسابها الخاص، لربما تستطيع أن تخلق فرصاً منتجة لها في المغترب، لكنها أيضاً ستواجه صعوبات جمة، وهي تقترب من الخمسين من عمرها. السفر لعائلة أبي وسام هو فقط في صالح الأبناء. أما حياة الأهل فستنتهي كما عرفوها إلى الأبد.

لا بأس، فكر أبو وسام، ربما حان الوقت ليتقاعد ويمضي ما بقي من وقته في مكان آمن متحضر، بطبيعة لطيفة ونظام ديمقراطي وقانون فوق الجميع. لا يوجد قرار دون خسائر، ربما يكون هذا هو الخيار الأقل خسارة بين الخيارات المتاحة.

عاش كل سنوات حياته وهو يحارب هذه الميزات واصطفافات الهوية الدينية والعرقية التي كانت سائدة في المجتمعات الدينية الصغيرة في البلاد. والآن يجد نفسه مضطراً تماماً إلى اللجوء لوسيلة تعزّز كل ما رفضه سابقاً. كانت تلخص هذه الهزيمة أمام نفسه هزيمة ثورة الحق على الباطل

خلال كل تلك السنوات لم يفكر أبو وسام، وهو المسيحي المقتدر مادياً، بأن السفر سيكون تحدياً حقيقياً بالنسبة له ولعائلته. حسم أمره ليتقدم بطلب إلى السفارة الفرنسية، لكن طلب الفيزا عاد بالرفض. تقدم بطلب لجوء إلى كندا، لكنه وأثناء المقابلة لم يكذب ولم يقل إنه نزح من بيته وإن أولاده انقطعوا عن الدراسة وكل تلك الأكاذيب التي سمع بأنها تفيد في طلب اللجوء. كان مجرد العيش في بلاد تعد الأخطر عالمياً وتحت سلطة ديكتاتورية يكفي برأيه لأي شخص أن يبحث عن مكان أفضل له ولعائلته، فقوبل الطلب بالرفض أيضاً.

عاد بعدها ليتقدم إلى أكثر من دولة أوربية دون جدوى، الأسلوب الذي كان يرفضه حتى تلك اللحظة هو أن يتقدم بطلب سفر بكفالة كنيسة أو جمعية دينية مسيحية، وهو الطريق الذي أثبتت التجربة والقصص أنه شبه مضمون، كجزء من مخطط لتهجير المسيحيين برأي كثر، ولكن بطريقة كريمة. لقد كان ذلك بالنسبة له من المستحيلات. عاش كل سنوات حياته وهو يحارب هذه الميزات واصطفافات الهوية الدينية والعرقية التي كانت سائدة في المجتمعات الدينية الصغيرة في البلاد. والآن يجد نفسه مضطراً تماماً إلى اللجوء لوسيلة تعزّز كل ما رفضه سابقاً. كانت تلخص هذه الهزيمة أمام نفسه هزيمة ثورة الحق على الباطل. زوجته تفهمت ذلك تماماً فعرضت أن تكون هي من تنسق هذا الأمر، فهي أكثر واقعية وأقل حساسية تجاه هذه الاعتبارات عندما يتعلق الأمر بسلامة ومستقبل أبنائها، وهذا ما حصل.

انتظر أبو وسام الوسيط الذي أتى على موعده، واستلم الدولارات داخل السيارة، وأعطاه وصلاً رسمياً، وأبلغه بأنّ مقابلة السفارة في الأسبوع القادمة، والسفر غالباً بعد شهر.

وبعد أن خرج الرجل وأغلق باب السيارة وراءه، أسند أبو وسام رأسه إلى زجاج شباك السيارة، كان العرق يتصبّب من مسام وجهه، ثم استوعب أنّه ليس عرقاً بل دمعاً، لقد كان يبكي دون أن يشعر، كان كالتمثال المبتل بالدمع والعرق. كان يبكي كياناً كاملا يرميه وراء ظهره. من سيكون في البلاد الجديدة، هل سيتجاوز أزمة الهوية، أم أنه سيموت حسرة كما مات ويموت المغتربون الممنوعون من العودة؟

في الطريق إلى بيروت للحاق بالطائرة، وقبل أن تغيب تغطية الشبكة السورية اتصل أبو وسام بابن عمه ليقول له: مبروك عليك وعلى النظام، لقد كسبتم الرهان..

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من