من الغوطة إلى إدلب، الشعب السوري واحد


عن الأيام الأخيرة في الغوطة، ورحلة التهجير الصعبة يتحدث الصحفي، محمد حميدان، في هذه الشهادة الموجعة، إذ يقول: "نعم لا بدّ لي أن أهجر كلّ ذلك ولا مجال للعيشِ تحت حكمِ الأسد، لن أعيش ذليلاً بعد كلّ ما بُذل من الأحرار لنعيش أحراراً أيضاً، بل كيف لي أن أعيش مع قاتل صديقي، مع الذي حرق أطفال غوطتي بالفوسفور الأبيض وهم يحتمون داخل قبوٍ صغير؟ إذاً لا خيار إلّا الرحيل".

04 أيلول 2018

(لحظة وصول الدفعة الاولى من الباصات لتهجير الناس من دوما في الغوطة الشرقية إلى إدلب، عربين 24/3/2018. تصوير محمد حميدان. خاص حكاية ما انحكت)
محمد حميدان

مواطن صحفي من مواليد حماة ١٩٨٩، عاصر مأساة الغوطة منذ البداية وحتى التهجير، عمل مراسلاً تلفزيونياً ومدوناً، يقيم في الشمال السوري

Translated By: بسكال مناسا

يوم الأحد الموافق لتاريخ العشرين من شباط ألفين وثمانية عشر (2018)،  كان يوماً عاديّاً في الغوطة الشرقية، كلُّ ما في الأمر أن بضع قذائف انفجرت في أماكن متفرقة لم تتسبّب بمجزرة تلفت نظر محطات التلفزة والأخبار، إذ لم يقتل يومها سوى رجلين اثنين، أمّا الجرحى فلم يعد الحديث عنهم يلائم مسؤولي التحرير... بهذه التفاصيل يبدو يوم الغوطة عاديّاً بالفعل إذ اعتاد سكّانها مجبرين على نمط الحياة هذا.

في ذلك اليوم أخبرت رفاقي في فريق كرة القدم أنّه علينا أن نذهب للتمرين فقد يكون هذا اليوم آخر يومٍ نجتمع فيه ونمارس لُعبتنا المفضلة، إذ كان واضحاً للجميع أنّ النظام سيهاجم الغوطة خلال وقت وشيك، وستكون روسيا من ورائه ومن فوقنا داعماً ومسانداً. لقد كان التمرين الأخير حقّاً، أذكر يومها أنّ مئة وعشرين صاروخاً انفجروا في أحياء مسرابا وسقبا وكفربطنا، وخلال بضع دقائق، كنتُ أنا وصديقي الحمصي عائدان إلى البيت.

منذ ذلك التاريخ بدأ كلُّ شيء يتغيّر، نعم لقد بدأ الهجوم الأشد وعلا هديرُ الطائرات ودويُّ الصواريخ والقذائف على كلّ الأصوات.

لقد كان تطمين أمي وأبي البعيدين عنّي منذُ سبع سنوات هو أهمّ فعلٍ أقوم به في كلّ يومٍ، إذ كان أهلي في مدينة إدلب حينها، وقبلها كانوا في ريف حماة إذ اضطروا للهجرة إلى إدلب بسبب القصف والمعارك، ثم تدمّر منزلهم، فاضطروا للبقاء في إدلب، فيما كنت أنا في الغوطة منذ بداية الثورة التي دخلتها وعمري 22 عاما وسأخرج منها وعمري 29 سنة، حيث كنت أخدم في الجيش في مدينة القطيفة وكنت أتعاون مع ثوارها عن طريق خالي الذي كان طبيبا في زملكا، وكنت أتردّد عليه إلى حين  انشقاقي عن الجيش حيث آثرت البقاء في الغوطة على التوجه للشمال أو مسقط رأسي في حماة، فأنا الذي أعيش تحت وطأة القصف والحصار، وأخافُ عليهما (والداي) أكثر مما أخاف على نفسي.

حصار الأسد للغوطة، لم يكن مقتصراً على الغذاء والدواء والوقود، بل كان حصاراً شاملاً يهدف لعزلنا عن العالم

كنّا بضعة شباب في البناء الذي أقطنه في مدينة زملكا، لم يكن ملجأ البناء مؤهلاً لاستقبال النساء والأطفال الهاربين من الشظايا المتناثرة في كلّ جانب ولا الأقبية المحيطة كانت مؤهلة كذلك. عملتُ رفقة الشباب على فتح مخارج للأقبية بعضها على بعض لنضمن سلامة أُسَرِنا إلّا من سقوط البناء بشكل كامل فوق رؤوسنا، لقد كان برد الشتاء قارساً، جمعنا ما نملك من سجاد وأغطية وجعلناها في الأقبية التي باتت مسكناً جماعياً لنا عوضاً عن بيوتنا في الطوابق العليا، كما أخبرتكم قبل قليل، كلُّ شيء تغيّر، حتى الأكل صار هاجساً والنوم صارَ رفاهية.

(الكاتب وجيرانه وقد حزموا الأمتعة قبل الرحيل. زملكا ٢٧/٣/٢٠١٨. خاص حكاية ما انحكت)

مضى اثنان وثلاثون يوماً والناس في الأقبية، والحصول على خبر من الأنترنت أو التلفاز بات مخاطرة حقيقية، إذ لا لواقط إشارة سليمة ولا أنترنت إلّا في أعلى الطوابق. فقد نسيت إخباركم أنّ حصار الأسد للغوطة، لم يكن مقتصراً على الغذاء والدواء والوقود، بل كان حصاراً شاملاً يهدف لعزلنا عن العالم. في تلك الليلة جاء الخبر أنّ وقفاً تامّاً لإطلاق النار سينفذ بدءاً من منتصف الليل، فرح الجميع بذلك، وأرادوا أن يناموا في بيوتهم التي سلمت من القصف بأعجوبة، فالزجاج المكسور والأبواب المخلّعة لا تذكر طالما أنّ الجدران سليمة والسقف لم يخرب بعد!

انتصف الليل وبدأت الهدنة المزعومة، لقد توقف إطلاق النار بالفعل، لكن سرعان ما انقضت المدة، خمسُ دقائق كاملة مرّت دون قصف ودون أصوات الطائرات. بعدها انهمرت علينا حممٌ خلعت قلوب الرجال الأشدّاء قبل النساء الرقيقات. قلنا لعلّ الضامن الروسيّ يوقف القصف ويمنع الخرق مجدداً، لكن تلك الحال استمرت ست ساعات متواصلة، أعتقدُ جازماً أنّ أكثر من ألف قذيفة انفجرت خلالها.

صباحاً، عمّ الهدوء المشهد، لكنّ أيّاً منّا لا يأمن الخروج، فقد غدرته القذائف ليلاً، فكيف سيأمنها نهاراً بقينا هكذا، إلى أن جاء الخبر الرسمي، سيخرج من يرغب إلى إدلب ومن يبقى عليه أن يكون تحت حكم الأسد وجيشه، وستبدأ لجانٌ مختصة بتسجيل قوائم الراغبين بالخروج.

اختلطت المشاعر فلم يعد في القلب متسعٌ لاحتمال جرحٍ جديد وعذابات متجددة. لكن هل سأترك بيتي وأرضي؟ كيف لي أن أترك قبر صديقي دون أن أسقي ترابه وأضع الرياحين فوقه؟ كيف لي أن أهجر أرضاً بذلت لها روحي عند التحرير؟.

اختلطت المشاعر فلم يعد في القلب متسعٌ لاحتمال جرحٍ جديد وعذابات متجددة. لكن هل سأترك بيتي وأرضي؟ كيف لي أن أترك قبر صديقي دون أن أسقي ترابه وأضع الرياحين فوقه؟ كيف لي أن أهجر أرضاً بذلت لها روحي عند التحرير؟. لكنّ قدر الله شاء أن أبقى أنا حيّاً وأن يروي ترابها آخرون سيبقون خالدين في ذاكرتنا.

لكن القرار كان حازماً، نعم لا بدّ لي أن أهجر كلّ ذلك ولا مجال للعيشِ تحت حكمِ الأسد، لن أعيش ذليلاً بعد كلّ ما بُذل من الأحرار لنعيش أحراراً أيضاً، بل كيف لي أن أعيش مع قاتل صديقي، مع الذي حرق أطفال غوطتي بالفوسفور الأبيض وهم يحتمون داخل قبوٍ صغير؟ إذاً لا خيار إلّا الرحيل.

لا زلت أحفظ بعض الكلمات التي كتبتها بحرقة وطلبت من صديقي أن ينشدها، لا بدّ أنكم سمعتم، المنشد أبا ماهر صالح، وهو يودع الغوطة قائلاً:

"الغوطة غرقانة حزن

تبكي على اللي راح

واللي بترابها اندفن

لا بد يكون مرتاح 

شسويت بينا با زمن

مليت قلبي جراح 

بالغربة ما نلقى كفن

لو متنا بيه نرتاح"

في الثالث والعشرين من آذار 2018، أخبرت أمي أنني سأتجه إلى الشمال في الحافلات التي خُصّصت لنقلنا. مرة أخرى تغيّر كلّ شيء، الناس مجتمعون في شوارع يملؤها ركام الأبنية وتفوح منها رائحة البارود، بضائعُ كانت تباعُ بأغلى الأثمان باتت زهيدة السعر، فقد أخرج المحتكرون كلّ ما كانوا يخبّئونه في مستودعاتهم ليتاجروا بلقمة عيش المساكين. لكنّ الأفظع من ذلك كان مشهد الجرحى في المشافي والمساجد، المئات من الجرحى يفترشون الأرض، لم تعد أسرّة المشافي تكفي لاستقبالهم، فهذا فقد ذراعه وذاك بترت ساقه والآخر ينزف دون توقف. لقد شعرت أنّ آلام الكون كلّها تتجمع في عيني جريحٍ لم يعد له في الحياة أمل، أو مصابٌ يتمنى الموت علّه يرتاح من عذاباته التي هو فيها.

في اليوم التالي دخلت الدفعة الأولى من الحافلات وتجمّعت في عربين، في حيّ لو شاهده أحدكم لظنّ أنّ قنبلة هيروشيما انفجرت فيه. كان مقرّراً أن تقلّ الحافلات الجرحى، لكنّ عدداً قليلاً من الجرحى تواجد في المكان فيما ركب آخرون يهيمون على وجوههم في تلك الحافلات، اعذروهم فهم يخشون أن يعرقل الاتفاق ثم يعودون للعيش في الجحيم مرة أخرى!

(ابنة الكاتب ماريّة في حافلة التهجير، تضحك لأنها لم تعد تسمع هدير الطائرات ودوي الصواريخ، وهي لا تدرك أنها باتت مهجّرة. دمشق، البانوراما ٢٨/٣/٢٠١٨. تصوير: محمد حميدان. خاص حكاية ما انحكت)

في كل يوم كانت تدخل دفعة من الحافلات لتنقل المهجرين قسراً، يتجمع الآلاف، يخرج بعضهم ويعود آخرون لم يتمكنوا من حجز مكان في حافلات اليوم.

لقد كان عليّ الانتظار حتى إخلاء آخر جريح من الجرحى الذين يفترشون أرض المشفى التي أعمل فيها، إذ كنت شاركت في تأسيس نقطة طبية، وهي التي تحولت لاحقا لأهم المراكز الطبية في الغوطة، حيث عملت بها كإداري بشكل عام (عملت أيضا في مجالي الإعلام والإغاثة)، وكنت أحيانا أشارك في تركيب الأدوية البسيطة على اعتبار أنّ دراستي الجامعية كانت في قسم الكيمياء، مستفيدا من الخبرة التي اكتسبتها خلال عملي في معمل أراك فارما للأدوية في حلب حين كنت طالبا جامعيا.

كانت قوافل الهلال الأحمر تدخل يومياً لإخلاء دفعات من الجرحى، إلّا أنهم قالوا أنه لم يعد بمقدورهم الدخول، فالمسلحون يعرقلون عملهم لذا كان علينا إخراج الجرحى، قمنا بتجهيز سيارات لنقلهم لمكان تجمع الحافلات وتجهزنا أيضاً للخروج في تلك الدفعة. حين صعدنا إلى الحافلات كان جنود الأسد وضباط جيشه أذلاء أمام الضباط الروس، لم يتجرؤوا على التشبيح، كل ما قاموا به هو محاولة إقناع البعض بالعودة إلى حضن النظام ومنح التطمينات والوعود بأنّ مكروهاً لن يمس من يعود.

الأسد لم ينتصر علينا وما كان له أن يخرجنا لولا أن استعان بدولة عظمى بقوتها، حقيرة بمبدأها لتقتل الأبرياء وتدمر المدن والأحياء

انطلقت قافلتنا مع أفول الشمس وكأنّ ذلك كان إعلاناً لأفول شمس الحرية عن الغوطة الشرقية، وصلنا مساكن الضباط في برزة، كانت جموعٌ من الأطفال تشتمنا وتشير لنا بإشارات معيبة، لقد أرضعوهم الحقد وربّوهم على الكراهية، لم نكترث لذلك فقد انتابنا شعور العزة والفخار، ذلك بأنّ الأسد لم ينتصر علينا وما كان له أن يخرجنا لولا أن استعان بدولة عظمى بقوتها، حقيرة بمبدأها لتقتل الأبرياء وتدمر المدن والأحياء.

في الثالثة فجراً حين وصلنا إلى معبر قلعة المضيق، أحسسنا بعظمة الثورة، لقد شعرنا أنّنا بين أهلنا، وكأنّهم يعرفوننا منذ زمن بعيد، فقد كان كلُّ شيءٍ مجهزٌ لاستقبال إخوانهم، تلك الحفاوة وذلك الاستقبال الرائع أثبت لنا أنّ السوريّ الذي هتف يوماً: (واحد واحد واحد ، الشعب السوري واحد) كان محقّاً، وأنّ كلّ من عادى الشعب السوري ليس سوريّاً، وإن حمل هويةً كتب عليها أنّه سوري.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من