ميديا

حكاية ناشط : العسكرة محطة، والانتفاضة بدأت سلمية وستنتهي سلمية


"حين رأيت الشاب في مبنى نادي الضباط في حمص، وهو يكسّر برجله صورة الرئيسين معا، شعرت أنّ النظام سقط، خاصة أنّ المبنى هو عسكري، فمن يتجرّأ على هزّ النظام في مركز قوته، فهذا يعني أنّه قطع أشواط كثيرة باتجاه إسقاطه"،

تلك لحظة من أجمل اللحظات التي عاشها " سليمان" في ظل الانتفاضة، إذ بمجرد ذكرها ترتسم البسمة وتسطع على محيّاه، كأنه يشاهدها للتو.

"سليمان" واحد من مئات الناشطين السوريين الذين بقوا في سوريا بعد أن غادرها الكثيرون، مصمّمٌ على متابعة نضاله ضد الدكتاتورية سلمياً ومدنياً إلى حين إسقاطها، باحثا عن بؤرة أمل بين عنف النظام المطلق و تشعب العسكرة لينظم تظاهرة أو فعالية يريدها أن تكون فاعلة ومؤثرة على النظام، خاصة حين تنظّم في مركز قوة النظام الأمني في وسط العاصمة دمشق أو حمص أو غيرها، لأن السلمية برأيه لم تستنفذ بعد ولازالت قادرة على الفعل، إذ يقول: " أنا أصرّ على ممارسة النشاط السلمي الآن، رغم المكون العسكري الذي فرض نفسه، لأنّ الأمر يأتي في سياق الربط ما بين بداية الثورة السلمية والنهاية السلمية، لأنّ المكوّن العسكري برأيي سينجز مهمة واحدة من مهمات الثورة وسيبقى الباقي على عاتق النضال السلمي، لأنّ بناء البديل هو من مهمة النضال السلمي في حين قد تنحصر مهمة المكوّن العسكري بإسقاط النظام"، أي أنّ الانتفاضة من وجهة نظره بدأت سلمية، وستحقق أهدافها في الحرية والديمقراطية عن طريق السلمية.

يعمل سليمان بين أصدقائه "كدينمو"، يجتمع مع مجموعة هنا وأخرى هناك، حيث يتم توزيع النشاطات والمجموعات، إذ "كل مجموعة لها دور معين، وهذا الدور متغيّر حسب الوضع وحسب المهمة التي سنقوم بها".

ويرفض رفضاً باتاً أن تطلق عليه كلمة " القائد"، لأنّ الأمر ليس كذلك كما يقول، فـ "جيل الشباب الآن لا تتماشى معه طرق التنظيم السابقة، فهو جيل ذو تكوين مختلف و أدواته أصلا مختلفة هي الانترنت والفيس وغيرها، فمن هذا الباب إنّ أساليب التنظيم التي تعتمد القيادة والكارزمية التي كانت موجودة في التنظيمات السياسية السابقة غير موجودة هنا، ولا تتماشى أصلا ولا تنجح، لذا على الجميع أن يكون فاعلا من ضمن هذه البنية لكي يتمكن من العمل والتفاعل مع هؤلاء الشباب، و هنا يأتي عملي كواحد منهم، إذ أعمل على تقديم تجربتي وخبرتي في هذا الإطار من داخل البنية، إذ نحن نجتمع دائما لتبادل الأراء وتقديم الاقتراحات فيما يخص أيّ نشاط لنا، وهنا يقدم كلّ واحد رأيه وخبرته وأنا من بينهم". وربما يكون "سليمان" هنا يضع يده على واحد من أهم الأسباب التي جعلت المعارضة التقليدية بعيدة عن هذه الانتفاضة، إذ لم تقدر أن تفهم الديناميات المحرّكة من الداخل للشباب السوري فبقيت غريبة عنه.

لم يأت "سليمان" إلى الانتفاضة والتغيير من خارج البنية السورية، بل هو  ينتظر التغيير في بلاده منذ زمن، فحين "انطلقت الثورة التونسية كنت أعمل حلقات لها علاقة بالماركسية، وكنت أعلّم وأتعلّم مبادئ الماركسية، إذ بمجرد وصول الخبر توقفت الحلقات وبدأنا ندرس إمكانيات التغيير هنا، إذ قلنا ستبدأ عندنا، وبدأنا بعدها نشارك في تظاهرات السفارات أمام مصر وتونس، إلى درجة أننا قلنا آنذاك أن النظام السوري قوي، فإذا صمد النظام المصري شهر فإن السوري قد يصمد شهران"!

أوّل تظاهرة شارك فيها كانت في 25 آذار 2011 ، إذ انطلقت من سوق الحميدية الشهير ووصلت إلى حي المرجة وسط دمشق، " لم نكن خائفين، لأنّ التظاهرات في درعا كانت تواجه بالرصاص، في حين أن هذا لم يكن يحصل في دمشق بعد، وأن التعامل الأمني وقتها لم يكن بمثل هذه الحدة التي ظهرت فيما بعد"، لتكر السبحة و " أشارك في الكثير من المظاهرات لاحقا وحتى الآن".

https://www.youtube.com/watch?v=EFehjAzx08Y

أما عن الأسباب التي جعلت سليمان ينتظر التغيير فهي كثيرة، يختصرها بحادثة واحدة قد تختزل أسباب سعيه لإسقاط هذا النظام والتخلص منه: " لدي خال اعتقل في نهاية ثمانيات القرن الماضي، بسبب انتمائه لحزب العمل الشيوعي وبقي 12 سنة، وهو كان مقيم عندنا في البيت ولدي علاقة شخصية معه وقوية، إذ كنت أحبّه كثيرا. كان عمري حوالي 13 سنة وقتها. هذا الاعتقال حرمني منه، وجعلني أفتح عيني باكرا على عالم السياسة وما يحدث في البلد على يد هذا النظام".

وهنا ثمة حادثة طريفة تتعلق باعتقال الخال يسردها سليمان بضحكة خافتة إذ يقول: "بعد عام على اعتقاله سألت خالي الأخر عن سبب اعتقاله، فقال لي أنه ماركسي شيوعي، فسألته ما معنى هذا؟ فشرح لي أشياء كثيرة لم أفهم منها شيء آنذاك، الأمر الذي دفعني للمكتبة، وقرأت كتاب هو أساسا لخالي المعتقل، و الكتاب لرجل الدين البوطي عنوانه "نقض الاوهام المادية الجدلية" إذ تكمن المفارقة هنا أني تعلمت الماركسية على يد البوطي الذي ينتقدها لتبدأ رحلتي مع الفكر اليساري، حيث كان خالي المعتقل كتب بخط يده على هوامش الكتاب تعليقات ساخرة من البوطي كنت أقرأها بشغف".

لا يعني ذلك أبدا، أن أسباب سليمان لتغيير النظام هي شخصية، بل لأنه مستبد وناهب ودكتاتوري، فالانتفاضة هي ذات جوهر سياسي/ اقتصادي/ اجتماعي ضد منظومة الفساد والتسلط التي أطلقتها السلطة.

يدرك سليمان جيدا أنّ الانتفاضة دخلت مسارات دولية معقدة جدا، وهو يعمل مع أصدقائه على محاولة إعلاء الصوت داخلاً ضد كل محاولات سرقتها والتشويش عليها، إيماناً منه بأهمية ذلك، و لكي لا يذهب دم أصدقائه سدى، إذ فقد اثنين من أعز أصدقائه الذين كانا على صلة مباشرة معه، وهو أمر ترك أثرا كبيرا في نفسه، وجعله أكثر تصميما على المثابرة على تحقيق حلمه بـ  "أن أرى ساحة من ساحات دمشق الكبرى مملوءة بالسوريين بعد سقوط النظام".

وعما إذا كان يظن أن حلمه هذا سيتحقق، يختم القول: "نعم أعتقد أن ذلك سيتحقق، لا أعرف الزمن الذي قد يتحقق فيه ولكني واثق منه تماما".

 

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد