ميديا

"الكابوس": مقاومة السكود بخوف الضحايا


كما أجمل الحب هو الذي يأتي بينما نبحث عن شيء آخر، فإن أجمل الأفلام ما يصنع بمحض الصدفة المجنونة، حين الغرق في شيء آخر تماما، فماذا لو كان هذا الغرق هو صاروخ سكود يسقط على المدنيين أو "كابوس" كما يطلق عليه مصوّري ومنتجي الفيلم؟

في ليلة ٢٢ أبريل ٢٠١٣ سقط صاروخ سكود على مدينة الرقة، شمال شرق سوريا، محيلا البيوت والبشر إلى رماد، مخلفاً الكثير من الضحايا التي تحتاج لانتشالها من تحت الأنقاض، الأمر الذي دفع المواطنون والصحفيون وسيارات الإسعاف للتحرك باتجاه مكان الصاروخ وهم موزعون، بين قلقين: القلق من سقوط صاروخ آخر، لأن النظام يفعل الأمر لكي يحصد أكبر قدر من المدنيين. والقلق على المدنيين تحت الأنقاض، مما يدخل الناشطين والمسعفين المدنيين في سباق مع الوقت لانتشالهم وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

قلّة من هؤلاء تقصي قلقها الأول مستجيبة لنداء القلب في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإلى هؤلاء ينتمي فريق فيلم "هنا سقط الكابوس" الذي توّجه مباشرة إلى مكان سقوط "السكود" ليقفوا على الحقيقة مباشرة، دون أن يكون بنيتهم إنتاج فيلم، لأنه "عندما سمعنا صوت سقوط الصاروخ توجهنا للمكان وبدأنا بالتصوير. لم يكن لدينا نية بالبداية لتصوير فيلم، وإنما لتوثيق مايحدث. وجاءت فكره صناعة الفيلم بعد مشاهدة المواد المصورة"، كما يقول ميزر مطر لموقعنا سيريا أنتولد syriauntold. في حين يقول عامر مطر الذي لم يكن يعرف أن أخاه موجود في تلك اللحظة أيضا: " خطرت فكرة الفيلم حين كنا في التاكسي، أن أوثق لحظة البحث عن الكابوس الذي سقط على مدينتنا. وفكرت بالتصوير لحظتها خوفا من الموت... لا أعرف ما معنى أن أفتح الكاميرا خوفاً من الموت. لكن هذا ما فعلته دون أن أشعر للدفاع عن وجودي".

مشاهدة الفيلم تثبت فعلا أنّ الفيلم لم يُعَدْ ليكون فيلما كما هو متعارف عليه، فهو بث مباشر للحظة سورية مكثفة بلا مونتاج ولا مكياج، لواقع يلامس "الكابوس"، فجاء الفيلم "لوضع المشاهد في المشهد السوري المتكرر دوماً مشهد الموت تحت الانقاض بصواريخ الموت الأسدية"، مما يذكرنا بالفيلم الشهير "معركة تشيلي" لمخرجه "باتريشيو غوسمان"، من حيث ملامسة الاثنين لوقائع تصوّر من أرض الحدث مباشرة.

الإعلامي عامر مطر مع طفل في منطقة بنش  ... مصدر الصورة صفحة عامر مطر على الفيس بوك
الإعلامي عامر مطر مع طفل في منطقة بنش ... مصدر الصورة صفحة عامر مطر على الفيس بوك

سبب تسمية الفيلم بالكابوس يعود إلى "تحول الحيّ إلى كابوس يعج بالموت وأصوات سيارات الإسعاف والبكاء لهذا سميناه الكابوس" الذي تم تصويره وسط "هذا الدمار والموت الذي حلّ بالحي وهلع الناس الشديد وخوفهم من سقوط صاروخ آخر. كان محزن جدا أن نرى أشلاء الضحايا وانتشالها من تحت الانقاض" لنكون أمام سينما تسجل الموت بلحظته، تسجل فجيعة السوريين وتصرفاتهم الغرائزية وقلقهم في اللحظة الفاصلة بين الموت والنجاة منه، في اللحظة المجنونة لانتشال جثة من تحت الأنقاض حيث تنهال التكبيرات، في الخوف المقيم في القلب من الموت وقدوم صاروخ آخر والخوف القلق على الضحايا، وهو ما عبّر عنه عامر بالقول: "خفت لحظتها على نفسي وعلى أخي الصغير محمد نور، ولم أكن أعلم أن أخي ميزر كان هناك أيضاً، بسبب الازدحام الواضح في المكان. كان من الممكن أن تفقدنا أمنا في تلك اللحظة لو أن النظام قصف المكان مرة أخرى كما يفعل بالعادة".

هذا الخوف يتسرب إلينا ونحن نشاهد الفيلم وكأننا نعيش لحظة الموت تلك التي نجح الفريق (ميزر وعامر ومحمد نور المطر، وإنتاج مؤسسة الشارع للإعلام والتنمية) في إدخالنا إياها، لنعيش تجربة الفن حين يعانق الموت، وهو ما دفع الفنان فارس الحلو للقول بعد مشاهدته الفيلم "فيلم يمنحك المشاركة بملامسة الواقع"، موجها مباركته لمنتجي ومصوّري الفيلم، هؤلاء المقاومين الذين يقفون في فم الردى مغامرين بحياتهم لنقل لحظة حقيقة تصل إلينا عبر الأثير، رغم الصعوبات التي تقف في وجههم "بسبب العدد الكبير من الناس وبحثهم عن ناجين أو مصابين، والظلام والدمار الكبير الذي سببه الصاروخ والتخوف كان من إطلاق صاروخ آخر على نفس المكان كما يفعل النظام  كل مره ليحصد أكبر عدد من القتلى".

الكابوس: هو "اختزال للحظات خوف" كما يقول عامر، و لحظة سورية مكثفة عن واقع جرفته الحرب وأوصله الاستبداد نحو ملامسة القبور، إلا أنه بنفس الوقت يعكس مقاومة تنهض من تحت الركام لتقول للكابوس: لا للخوف، فعهد الأبد انتهى إلى غير رجعة.

 

 

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد