انتفاضة مدنية أم إسلاموية؟ فتّش عن التمويل!


01 January 2014

مع إعلان الإئتلاف الوطني الذي يمثل بعض أطياف المعارضة السورية مؤخرا أن "داعش" تنظيم غريب عن الثورة وعلى علاقة مع النظام السوري، وتزامن ذلك مع بدء "الجيش الحر" معركة ضد مقرات "داعش" ومحاصرة مقرهم الرئيسي في قرية الدانا، تكون الانتفاضة السورية قد دخلت طورا جديدا من أطوارها المتشابكة عبر توّحد أطراف المعارضة كلها على اعتبار هذه التنظيمات دخيلة على الثورة بعد أن أفسحت لها بعد أطياف المعارضة (المجلس الوطني والائتلاف سابقا) المجال لتسكن قلب الانتفاضة وتعيث فيها فسادا، لتغدو الانتفاضة من اليوم وصاعدا بمواجهة الاستبدادين الداعشي والسلطوي، فيما سماه البعض "ثورة ثانية"، علما أن الشارع السوري سبق معارضته السياسية في مواجهة "داعش" عبر التظاهر بمواجهتها كما سبقها في مواجهة النظام.

إلا أن السؤال الأهم الذي لم يسأل حتى الآن، ولا تزال الإجابة عليه محفوفة بمخاطر عدم اليقين، يتعلّق بكيفية تمكن تلك التنظيمات من اختراق صفوف الانتفاضة واستيطانها موقع القلب منها، وما دور النظام بذلك؟ وإن لم يكن للنظام وداعميه دور فمن يقف خلف ذلك؟ أجهزة استخبارات أم تنظيم القاعدة أم تنظيمات معارضة توهمت إسقاط النظام بأي ثمن؟ وماذا عن التنظيمات الإسلاموية الأخرى، هل هي أكثر اعتدالا من داعش وبالتالي هي مقبولة؟ أم أنها مجرد نسخة منها؟

تلك الأسئلة كانت محور بحث وتحقيق طويل من قبل فريق "سيريا أنتولد Syria untold" عبر لقاءات تمت مع ناشطي التنسيقيات في أطوراها المتعددة بدءا من الطور السلمي إلى المسلح لمحاولة رصد اللحظات والتفاصيل الصغيرة، سعيا لرواية الحكاية في تسلسلها الزمني وتفاصيلها الصغيرة، دون أن ندّعي أنّنا تمكنّا من القبض على الحقيقة التي لا تزال غائمة. إلا أننا بذات الوقت ندّعي الإضاءة على الموضوع الذي قد نستكمله لاحقا إن توفرت لدينا معطيات وحقائق جديدة، سعيا للوصول إلى الحقيقة الما انحكت.

لوحة بعنوان سوريا التي نريد نريدها ملونة، حيث يظهر كل إسلاموي بلون أسود وكل مدني بلون آخر دلالة على أن سوريا ملونة وهي لكل أبنائها. المصدر: كرتونة من دير الزور
لوحة بعنوان سوريا التي نريد نريدها ملونة، حيث يظهر كل إسلاموي بلون أسود وكل مدني بلون آخر دلالة على أن سوريا ملونة وهي لكل أبنائها. المصدر: كرتونة من دير الزور

في لقاء مع أحد الناشطين الذي كان مقرّبا جدا من نشطاء حي الميدان الدمشقي وتنسيقيته، يقول أن "النشاط السلمي المدني استمر حتى الشهر التاسع تقريبا من عام 2011، حيث تم اعتقال العديد من الناشطين وأعضاء التنسيقيات في هذا الشهر"، مما خلق فراغا في العمل المدني تم ملؤه عبر الاستعانة بناشطين من خارج الميدان لكي لا يتعرف عليهم المخبرون من أهل الميدان ومن ناشطين من داخل الحي، إلا أن وعيهم المدني كان أقل من الناشطين الذين اعتقلوا في الشهر السابع. في هذه المرحلة لم يكن العمل مدنيا سلميا بالكامل، إذ تخلله العمل المدني وتأييد السلاح والاحتفاء بـ"الجيش الحر" وبعض الحضور الإسلامي جنبا إلى جنب، واستمرت هذه المرحلة حتى الشهر السابع من عام 2012 حيث دخل بعدها الجيش الحر إلى الميدان، ثم دخل خلفه الجيش "النظامي" لينسحب "الحر" و يبقى النشطاء وأعضاء التنسيقيات بمواجهة الجيش والأجهزة الأمنية التي اعتقلت القسم الأكبر منهم إلا من تمكن من الهرب، ليظهر هنا جيل ثالث من النشطاء وهو جيل إسلامي بالكامل وبحوزته تمويل كبير جدا علما أن الجيل الأول من النشطاء كان يعمل بتمويل ذاتي ويعاني شح هائل في التمويل في حين زاد تمويل الجيل الثاني من خلال العناصر من خارج الميدان والتي تم إدخالها في العمل أساسا لأنها تملك تمويل، إلى أن جاء الجيل الثالث الذي يحمل أجندة إسلامية واضحة وتمويل هائل.

أحد النشطاء الأطباء يرى في لقاء مع "سيريا أنتولد Syria untold" أن انتشار الأسلمة في صفوف الانتفاضة يعود إلى التمويل القادم من الخارج بنسبة ثمانين بالمئة و20 بالمئة يعود إلى عنف النظام الذي وفر الأرضية اللازمة لذلك. ولأهمية عامل التمويل يقول الناشط أن " النقطة الطبية في المرحلة السلمية كانت تكلف حوالي خمسين ألف ليرة سورية نجمعها بشق الأنفس وبشكل سري بعيدا عن عيون الأجهزة الأمنية. اليوم تكلف النقطة الطبية حوالي سبعة مليون ليرة، وكان يجري مداهمتها بعد أيام من تكوينها" الأمر الذي يجعل الناشط يعتقد بأن الأمن كان يعلم بالأمر منذ البداية لأن أمر مداهمة النقاط الطبية بعد أيام أو أسبوع على تكوينها تكرر أكثر من مرة.

https://www.youtube.com/watch?v=MvHZ28-dvA8

تنسيقيات المزة وكفر سوسة حافظت على النفس السلمي المدني حتى نهاية عام 2012 ثم جاءت مرحلة بينية تجاور فيها النشاط السلمي المدني مع العسكرة والبعد الإسلامي حيث كانت تحوي التظاهرات شعارات مدنية ولافتات تحيي الجيش الحر وأعلام إسلامية بنفس الوقت، ليخف لاحقا البعد السلمي لصالح السلاح والحضور الإسلامي الذي تأخر ظهوره في المزة وكفر سوسة بخلاف الميدان، بسبب " أن التنسيقيات لم تعتمد على عناصر من خارج المنطقة، ولوجود بساتين خلف المنطقتين سمحتا للنشطاء بالهرب من الأجهزة الأمنية مما يعني تمكن الكادر السلمي المدني من الصمود زمنا أطول من الميدان" كما يقول أحد النشطاء لموقعنا "سيريا أنتولد Syria untold".

إلا أن الأسلمة ظهرت مؤخرا بسبب " تعرض الناشطين للاعتقال والحاجة المادية التي كانت مقدموها يفرضون أجندة إسلامية واضحة" ليحقق هؤلاء أجندة النظام سواء دروا أم لا، لأن ظهور البعد الإسلامي سبب تناقصا في عدد المشاركين في التظاهرات لأنهم يرفضون الانضواء تحت رايات وخطاب إسلاميين، إضافة إلى عدم الاهتمام جديا بإعانة المنطقة التي كانت تتعرض لعنف النظام بسبب احتضانها التنسيقية والمعارضة المسلحة التي كان يتم تأييد عملياتها على عواهنها رغم " تضرر أهالي المنطقة، إضافة إلى تركيزهم على إقامة الدولة الإسلامية والابتعاد عن الثورة".

https://www.youtube.com/watch?v=WiVFgpLtB-0

منذ بداية عام 2013 وحتى اليوم بدأت تطغى الشعارات الإسلاموية على التظاهرات وأسماء الكتائب المسلحة، إلى درجة أن أحد الجمع سميت بجمعة " قائدنا إلى الأبد سيدنا محمد"، وإن تدقيقا في أسماء الجمع مع أخذ تطور الانتفاضة زمنيا بعين الاعتبار سيعطينا فكرة عن تطوّر المد الإسلاموي ضدها، حيث في عام 2011 كانت تطغى الأسماء المدنية ( الجمعة العظيمة، الكرامة، آزادي) في حين طغت مؤخرا الأسماء الإسلاموية.

إن قراءة ما سبق يعطينا خيوط أولية إلى الدور الفعال والمفصلي الذي لعبه عنف النظام والتمويل معا في هزيمة التيار السلمي وتصاعد المد الإسلاموي داخل صفوف الانتفاضة.

لا يعني ما سبق أن هذا التطوّر مرّ دون مقاومة، بل دوما كانت المقاومة موجودة وقد وقفنا في الموقع أكثر من مرة أمام حكايات انتفاض السوريين أمام هذا استبدادهم الجديد ( إن إلقاء نظرة على الداتا المرفقة مع هذه المادة تؤكد ذلك)، إلا أن إصرار الناشطين على خوض معركتهم ضد الاستبداد الأساسي وحرصهم على عدم الانجرار لمعارك جانبية يستفاد منها النظام، مع سعي البعض لاستخدام أي وسيلة لإسقاط النظام ولو استعان بالشيطان أدى إلى أن تستوطن هذه التيارات الانتفاضة وهو ما يجري العمل على  تداركه اليوم.

 وإذا كان عنف النظام أمرا معروفا فإن قيام التنظيمات الإسلاموية باعتقال النشطاء والأطباء وأصحاب الخيارات السلمية وضعها في خانة النظام، ليبقى السؤال: هل هي خطة النظام بإسكانها في قلب الانتفاضة لتفريغها من الداخل؟ أم غباء الإسلامويين الذين توّهموا إسقاط النظام ولو عبر الاستعانة بالشيطان؟

للحصول على إجابة دقيقة، ينبغي معرفة وتتبع مصادر التمويل فعندها الخبر اليقين.

 

Tags:

This work is under a Creative Commons license. Attribution: Non commercial - ShareAlike 4.0. International license

Illustation by Dima Nechawi Graphic Design by Hesham Asaad