للسوريين كأسهم: كأس الحرب


26 حزيران 2014

لم يكد ينطلق كأس العالم ويبدأ العرس الكروي حتى شعر السوريون بكميات مضاعفة من الخذلان ناجمة من اهتمام العالم بـ "كأس الحرب" مقابل تجاهل مأساتهم المستمرة منذ ثلاث سنوات وهم يعيشون "الكأس السوري اليومي" المنهمر عليهم على شكل قذيفة موت!

الخذلان الموّجه إلى ضمير الإنسانية محاكما إياها، تزامن مع تحوّل "المونديال" إلى فرصة تأمّل السوريين من خلالها أحوالهم اليوم، حيث كان المونديال لحظة فرح في كل سوريا، فإذا به اليوم لحظة أسى وتحسر على ما مضى من حيواتهم دون عودة، ونعي لإنسانية لم يعد يوقظها أكثر من كرة بين أقدام اللاعبين في الوقت الذي تحصد فيه براميل الموت كل اليوم العشرات في بلدهم وسط عجز المؤسسات الدولية ومجلس الأمن ليس عن حمايتهم من الموت فحسب، بل عن إجبار النظام على إدخال المساعدات الإنسانية لآلاف المحتاجين في الداخل، في الوقت الذي تصرف فيه المليارات على هذا الحدث الكروي، وهو ما عبرت عنه لوحة الفنان "محمد سعودي" في لوحة "يحدث الآن"، مصوّرا المفارقة بين اهتمام العالم بالعرس الكروي في الوقت الذي تسقط فيه القذائف على المواطنين السوريين.

الفنانون السوريون كانوا الأكثر قدرة على عكس خيبات السوريين هذه من خلال لوحاتهم التي تمكنت من التقاط هذا الأسى في عيون السوريين وهم يتابعون المونديال، وكذلك الخذلان الذي انعكس على وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة، حيث رسم الفنان السوري "موفق قات" لوحة لطفل سوري يبحر على كرة، كناية عن ترك العالم لأطفال سوريا في مهب الموت، في حين رسم الفنان السوري الفلسطيني "وسام الجزائري" كرة تنزف دما، تحت عنوان" كرة مونديالية من أزقة حمص"، في دلالة على أن النظام يقتل حتى الكرات.

الفنان "خالد مالك" رسم لوحة معبّرة جدا عن تحوّل العرس الكروي إلى مأتم أو عرس دموي لدى السوريين، من خلال لوحة حملت عنوان "ملعب في سوريا"، تصور جثة بدلا من الكرة في وسط الملعب، في دلالة على تحوّل السوريين إلى كرة يتداولها العالم، مبتهجين برؤية الموت!

لوحة للفنان أنور العيسى تصور كأس العالم على شكل قذيفة. المصدر الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك
لوحة للفنان أنور العيسى تصور كأس العالم على شكل قذيفة. المصدر الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك

إلا أن أبلغ اللوحات التي رسمت كانت تلك التي رسمها الفنان "مصطفى يعقوب" بعنوان "كأس الحرب"، حيث يتشكل كأس العالم السوري من تزاوج التفجير و الأجساد المحترقة واللهب الصاعد في تعبير بليغ ومكثف عن حال السوريين مع كأس العالم، حيث كتب بجانب لوحته "أطفال سوريا يحتاجونك لتكون بطلهم".

وكذلك فعل الفنان "أنور العيسى" في لوحته "الكأس السوري اليومي" حيث صوّر الكأس على شكل قذيفة تسقط من سماء الموت على السوريين.

لم يقتصر تفاعل السوريين مع المونديال على الفن فقط، بل تسرب إلى بوستاتهم وتعابيرهم ونقدهم لكل شيء، حيث ظهر ملصق يبين اللاعب البرتغالي "رونالدو" وهو يبكي الكأس بطريقة ساخرة تعبر عن تغلغل داعش وتمددها لتسرق كأس العالم أيضاً، في محاكاة واضحة لتعبيرات السوريين عن قولهم أن داعش سرقت ثورتهم, في حين كتب الفنان السوري "فارس الحلو" على صفحته على الفيسبوك: "داعش قريبة من حلب .. 12 كم فقط .. بأي مباراة في المونديال ستقتحم حلب؟!"، الأمر الذي يعكس مدى تمكن المونديال من اقتحام لغة السوريين حتى وهم يهجونه.

رغم هذا النقد السلبي على المونديال، فإن الصورة في الداخل السوري تباينت بين المناطق التي يسيطر عليها النظام وتلك الخاضعة للمعارضة، ففي الأولى رأى البعض أن المونديال أعاد لهذه المناطق شيء من حيويتها حيث تحوّل المونديال إلى فرصة للسوريين للتنفيس عن أوضاعهم وعزلتهم حيث امتلأت المقاهي في بعض الأحيان لمتابعة لمونديال الأمر الذي ذكر بأن السوريين لا زالوا قادرين على الحياة رغم كل الألم، في حين غاب المونديال نهائيا عن المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وهو أمر طبيعي جدا في ظل انعدام كل وسائل الحياة، الأمر الذي يعكس الفارق بين سوريتين بات السوريين يخشون من ارتفاع الجدران اللامرئية بينهما يوما بعد يوم.

لوحة للفنان خالد مالك بعنوان ملعب في سوريا. المصدر: الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك
لوحة للفنان خالد مالك بعنوان ملعب في سوريا. المصدر: الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك

"ما معنى كأس العالم حين تموت الإنسانية" هو عنوان لوحة للفنان "وجدي صالح" تصوّر كأس العالم في سلة إعادة التدوير تصلح لتكون تعبيرا مكثفا عن حال السوريين مع الكأس: غضبهم وخيبتهم وسلبيتهم وحزنهم على اهتمام العالم بكرة أكثر من اهتمامه بدمائهم النازفة.

إلا أنه رغم كل هذا اليأس، فإن اهتمامهم هذا رغم سلبيته يثبت حبهم للحياة وتمسكهم بها، فهم لا يهجون المونديال إلا لأن الدكتاتورية حرمتهم من لحظة مشاهدته بسلام بعيدا عن قذائف الموت المنهمرة عليم من كل صوب.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد