الانسحاب الروسي والسوريون


15 آذار 2016

مثلما فاجأت الثورة العالم بعودتها من جديد بعد الهدنة، فاجأ انسحابُ الروس المفاجئ الأطراف الدولية في 14/03/2016، فروسيا التي نشرت في سوريا ما يزيد عن أربعة آلاف جندي، 50 طائرة حربية، وعشرات منصات الصواريخ، لم تمهد لهذا القرار، ولم تعلن قبلاً أن أهدافها العسكرية قد تحققت في سوريا، بل انسحبت وهي في أوج إصرارها على الاستمرار بمكافحة "الإرهاب"، لذلك أثار هذا الانسحاب تكهنات كثيرة بين السوريين.

ليس انسحاباً كاملاً

أطلق البعض على 14 آذار 2016 يوم "الجلاء السوري"، مشبهين انسحاب الروس بانسحاب الفرنسيين في 17 نيسان 1946، ومن نقاط التشابه بين الجلاءين، أن الفرنسيين كما الروس انسحبوا وحدهم بعد أن أعلنوا عن انتهاء مهمة قواتهم في سوريا، ومن أوجه المفارقة، أن السوريين أجمعوا في كتبهم التاريخية على أن الفرنسيين كانوا استعماراً، في حين أنهم كانوا شديدي الانقسام حول الوجود الروسي، فبينما كان بعضهم ينظر إلى بوتين بطلاً ومخلصاً، كان القسم الثاني يعده مجرم حرب.

أما نتائج هذا الانسحاب، فقد تعددت حولها التحليلات، وجمع بينها توقع أن يكون الانسحاب نتيجة حالة "حَرَدٍ" بين الروس ولنظام، حيث قال الكاتب محمجد ديبو أن "القرار الروسي لن ينهي الدور الروسي في سورية، ولن ينهي وجود القوات الروسية (حميميم، طرطوس)، الخبر يقول بسحب القوات الروسية الرئيسة من سورية، بما يعني أن ليس كل القوات وفي الشيطان تكمن التفاصيل. لا تصريف لهذا القرار بالمعنى الاستراتيجي، وبالمعنى التكتيكي له مفعول الضغط على النظام لا أكثر ولا أقل، بحيث يجبر على التسوية المطلوبة دولياً، في حين تبقى سورية ما بعد النظام تحت الوصاية الروسية"، فلا يجب أن نتفاءل كثيراً بهذا الانسحاب، إذ لن يقدم حلاً جذرياً للوضع السوري، ولا " إلى تغير جوهريّ في موقف السلطة السورية الحاكمة . أو قبول بعملية انتقال سياسي تنتهي بانتخابات رئاسية حرة دون الأسد! كذلك لو انسحب حزب الله و المليشيات الشيعية الموالية لإيران فلن يتغيّر موقف السلطة السورية الحاكمة، هذا النظام يفتقد بشدّة للمرونة، لو اقتضى الأمر سيواجه مصيره منفرداً الى النهاية . هذا النوع من الأنظمة إمّا أن ينتصر عسكرياً أو يُسحَقْ عسكرياً، على طريقة صدام حسين و القذافي و علي عبدالله صالح" كما كتب "حمزة رستناوي".

صورة أرشيفية لإحدى جوانب الأسطول الروسي الذي توجه إلى سوريا، المصدر: صورة عامة.
صورة أرشيفية لإحدى جوانب الأسطول الروسي الذي توجه إلى سوريا، المصدر: صورة عامة.

هزيمة روسيَّة

قرأ بعض السوريين هذا الانسحاب بأنه استسلام روسي، إما بسبب التغيرات الدولية بعد الهدنة، أو مقاومة الجيش الحر، فـ "انهزم الروس، وقبلهم الايراني ومعهم حزب الله الشيعي والمليشيات الطائفية الأفغانية والعراقية، الروس آخر المرتزقة الذين استجلبهم الخائن المجرم أسد، لن يكون له بعدهم أحد"  كما كتب غسان عبود، ولم تكن دوافع هذا الانسحاب عسكرية، بل اقتصادية بالدرجة الأولى، وهو ما أثبته ارتفاع الروبل أمام الدولار غداة سحب القوات الروسية، فـ "الموضوع له عدة أسباب أولاً اقتصادية ناتجة عن العقوبات الاقتصادية الغربية التي بالفعل أقلقت روسيا وأخنقتها، بالاضافة الى التكاليف المالية للتدخل العسكري الذي أصبح ثقيلاً، كما أن روسيا مستميتة لتحسين علاقاتها مع الخليج وخاصة السعودية لتثبيت أسعار النفط المتدهورة" كما كتب محمود الحمزة. ومن وجوه هذه الهزيمة التي أدت إلى الانسحاب، عودة المظاهرات السلمية بكثافة بعد الهدنة، فـ "ربما توقع بوتين و الأسد من الهدن و المصالحات عودة الشعب الثائر إلى حظيرة الأمن والأمان، فيستعيد هذا الشعب ذكرياته و يحن إلى ماضيه بعد شعوره بشيء من الطمأنينة و الراح، غير أنهما كما كل العالم تفاجأا بشعبٍ نسي آلامه و أحزانه و جراحه و عاد بعد أن ذاق كل أنواع الويلات و العذاب لينادي من جديد " الشعب يريد إسقاط النظام " كما كتب عروة ريَّان.

قوات التحالف ومصير رأس النظام

من جانب آخر ربط الكثيرون بين الانسحاب الروسي وتصريحات النظام الأخيرة، ومنها تصريحات وزير خارجيته بأن بقاء بشار الأسد خط أحمر، "إن الذي جرى هو أن الروس عرضوا على مجرم سوريا البقاء 18 شهرا، لكنه رفض طالباً عدم مناقشة هذا البند، فأصدروا الأمر بانسحاب جزء من القوات -قاعدة طرطوس وحميميم غير مشمولة- ومنحه مهلة محددة حتى يغير رأيه وإلا فإن الملف سيرفع إلى مجلس الأمن وبدون فيتو روسي أو صيني هذه المرة" كما كتب عبد الناصر العايد". فروسيا وفق ما يقول البعض قد باعت بشار الأسد، وأبرمت صفقة مع قوات التحالف، لكن لا يظهر شيء من ملامح هذه الصفقة، فـ" الانسحاب الروسي يعني أن هناك تدخلاً برياً قادماً في سوريا من قبل قوات التحالف الاسلامي، وما يعني زيادة احتمال انشاء منطقة آمنة قرب الحدود التركية...وفق ما كتب"هشام منور.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد