عبوديات جديدة تلتهم المجتمع السوري


27 نيسان 2017

حازم مصطفى (اسم مستعار)

كاتب وصحفي سوري مقيم في اللاذقية

(اللاذقية)، انشغل مجتمع اللاذقية، ومواقع التواصل الاجتماعي، قبل عدّة أيام بنبأ اعتقال رجل يشغّل عدداً من الفتيات ممن لم يتجاوزن الثامنة عشرة (تحت السن القانوني) بتجارة الجنس، مجبراً إياهن على ممارسة الجنس (ست مرات) يومياً مع زبائن (مختارين)، ووفق الخبر فقد حبس الرجل الفتيات الصغيرات في بيت مغلق دون السماح لهن بأي تواصل مع العالم الخارجي مهدّداً إياهن بالفضيحة والقتل عبر إخبار عوائلهن أو من يعرفهن.

استغل الرجل دون شك فقر وحاجة وقلّة معرفة البنات وانتمائهن إلى عائلات مفككة اجتماعياً، مستخدماً إياهنّ في خدمة مآربه دون أيّ وازع أخلاقي، بالتأكيد هذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها إلى العلن قضية كهذه، ولن تكون الأخيرة، ولا الوحيدة في مجتمع الساحل أو في المجتمع السوري ككل، التي تظهِر إلى سطح المجتمع أنواعاً من ممارسات استعباد مخفية تضيّق على السوريين خياراتهم وتسلبهم أرواحهم، وتستعبدهم في لقمة عيشهم وفي وجودهم الذي لم تتمكن الحرب من جعله رماداً.

يصح تسمية هذه الممارسات بالعبوديات الجديدة، فهي تسلب ليس حرية الإنسان وكرامته فقط، بل تخضعه إلى منظومات اقتصادية ومجتمعية تجبره (طوعاً أو كرهاً) مضطراً ليكون جزءاً منها، سواء أعلنت تلك الممارسات عن نفسها بوقاحة (كما سبق) أو نعومة فتختبئ وراء عناوين إنسانية براقة (كأعمال النساء في المطاعم حيث يتعرض بعضهن للمضايقات والتحرش أو عمالة الأطفال في الأسواق)، وفي غياب إمكانية إيقاف هذه الممارسات وصمت الضحايا لاضطرارهن للقمة العيش، فقد يصبح الأمر "عاديا" مع مرور الزمن.

إن هناك طيفاً واسعاً لهذه الممارسات يلحظ في المجتمع السوري (الجديد)، وإذا كان بعضها يمارس سابقاً بالسر خوفاً من سلطة المجتمع أو الدولة، فهي اليوم معلنة إلى حد ما، دون شك إنّ للحرب بصفتها أداة دور في علنيتها وانتشارها وضحاياها هم بالدرجة الأولى الحلقات المجتمعية الأضعف (النساء والأطفال).

دعارة شبه علنية

اليوم هناك نساء يعملن في الدعارة بعلم أزواجهن، أو على الأقل، بتجاهل أزواجهن لهذه الحقيقة المرّة والتغاضي عن التدقيق فيها، تقول السيدة "ميادة خليل" (اسم مستعار) (27عاماً، مهجرة، 4أطفال) إن زوجها عندما يسألها عن مصادر المال الذي تحضره إلى البيت، تقول له دائماً: "من الجمعيات الخيرية"، تعترف السيدة بأنّها تقف يومياً على "دوار الأزهري" (شمال المدينة) بانتظار من يأخذها لقضاء اليوم معه مقابل ألفين أو ثلاثة من الليرات وأحياناً أقل (4-6 دولار).

تبرّر السيدة المتزوجة فعلها بأنّها طردت مع عائلتها من عدّة بيوت استأجروها لعدم دفع بدل الآجار البالغ بالمتوسط عشرين ألفاً (50 دولار)، تقول: "ماذا أفعل، الدنيا مسكرة بوجهي، تكاليف الحياة تضاعفت ولا عمل ولا مدخول"، تنفي السيدة عن نفسها أي دور في وصولها إلى ما وصلت إليه، فالظروف "دفعتها"، وهي لا تحب ما تفعل، فما تتعرّض له من إهانات لا يحتمل، فقد "عملت في ورشة خياطة لشهرين، في البداية تجاهلت تلميحات وغمزات صاحبها "الحجي"، فهو قد حجّ ثلاث مرات، إلا أنّه كرّس وقته كاملاً لي، لحقني إلى الحمام محاولاً فتح الباب علي، في مرّات أخرى كان يعطيني قماش للخياطة قبل وقت قصير من انصرافنا مطالباً إياي بإنهائها قبل المغادرة، آخر مرة رميتها في وجهه وخرجت دون رجعة".

ابتزاز بمختلف الأشكال

تنال النساء نصيباً أكبر من الرجال في ممارسات الاستعباد اليومية، وبالتالي يتعرضن أكثر لآثارها، فهنّ الشريحة الأكبر حالياً في المجتمع السوري، إذ تشير إحصائيات إلى أنّ هناك مليون أرملة في سوريا، دخلت نصفهن سوق العمل (مجبرات) بعد فقد أزواجهن وآبائهن ومن شرائح عمرية شابة في الغالب.

في مناطق سيطرة النظام تتعرّض عشرات النساء اللواتي فقدن أزواجهن في الحرب للابتزاز الجنسي والمالي مقابل تأمين عمل لهن أو توظيفهن في مؤسسات الدولة، تذكر السيدة "منى محمد" (24عاماً، أرملة، لديها طفل) من اللاذقية أنّها اضطرت إلى دفع أكثر من مئتي ألف ليرة سورية (400 دولار) ليقبل مدير إحدى المؤسسات الحكومية تعيينها بعد فقدانها وثيقة (استشهاد) زوجها، وتضيف: "ولاد كلب، لأني لم أرضخ له خلق لي ألف مشكلة ومشكلة، كلّ يوم يطلب مني ورقة جديدة، وكل يوم تنتهي صلاحية ورقة من الأوراق، قال لي المستخدم بعد أن رآني لعدّة مرات: إن عليّ أن أدفع وتنهي المشكلة في يومين، وبالفعل، انتهت بعد أن دفعت "المعلوم".

(لوحة للفنان عمران فاعور. المصدر: حملة "لاجئات لا سبابا" على الفيسبوك، واللوحة تستخدم بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة للفنان)

وفي مناطق المعارضة المسلحة، يتم إجبار النساء على الزواج من مقاتلين أجانب، وتغصّ الأخبار بعشرات الفتاوى التي تنال منهن مجبرات إياهن على العمل وسط ظروف لا إنسانية تحيل حياتهن جحيماً لا يطاق.

وللذكور نصيبهم أيضاً

أصبح الالتحاق بالميلشيات المسلحة على جانب الذكور هو الأخر باباً من أبواب العبودية الجديدة، فالأعمال المتوافرة لم تعد تقدّم أيّ كفاية ولو بالحد الأدنى للبشر، وخاصة للذكور تحت سن الأربعين، فطلبات الاحتياط في مناطق النظام لم تترك أحداً من شرّه، وبالمقابل جعلت أرباب الأعمال يستغلون المتخلّفين عن الاحتياط بتقديم رواتب ضئيلة من مبدأ حمايتهم من الدوريات المنتشرة في الشوارع.

الشاب غير الموظف "محمد أسعد" (32 عاماً، متزوج ولديه طفلتين)، قدّم طلب تطوّع في الفيلق الخامس (أنشأه الروس ويدربونه ويدفعون 200 دولاراً للمقاتلين فيه) بعد أن طلب إلى الاحتياط.

بقي الشاب عامين متهرّباً من الاحتياط متخفّياً في قريته وسط ضغوط اجتماعية خفيفة، فالناس لم تعد تلوم من يتخلّف عن الاحتياط كثيراً، ولكنها بالمقابل لا تستطيع المساعدة بأيّ شيء، يقول الشاب: "لا أريد المشاركة في الحرب بعد أن أكلت جزءاً من عائلتي، تطوّع أخي في "كتائب البعث" ولقي مصرعه دون أن يُقدّم لعائلته الفقيرة أصلاً سوى النذر اليسير، الحصول على المعونات ليس فقط ذلاً، بل ذلّ الذل، وكلّ ثلاثة أشهر حتى تنال "كرتونة مساعدات (كرتونة إعانات تتضمن غذائيات أساسية مثل الرز والبرغل والزيت، تبلغ تكلفتها وفق سعر السوق حوالي 30-40 دولاراً)، انضممت إلى الفيلق الخامس رغم إدراكي المسبق بأنني ذاهب إلى الموت".

أليست الحرب سبباً كافياً؟

لا ينفصل موقف "محمد" عن مواقف آخرين يرون الحرب شراً مطلقاً لا غاية فيها سوى استنزاف البلاد والعباد، ولكن السبل تقطّعت بهم ودفعتهم للانضمام إلى الميليشيات المقاتلة، سواء في جانب النظام أو في الجانب الآخر، فالحرب حوّلت منظومات المجتمعات الأخلاقية الثابتة إلى هيولى جديدة تنتج سلّماً قيمياً جديداً يحملُ تبريراته دون كثير تأثيم في تعامل البشر مع أنفسهم ومع غيرهم، فمعنى الحياة ذاتها، عند كثير من الناس، يرتبط بالدوافع والسلوك والآمال والأهداف، وفي غيابها يعيش البشر عند درجة الصفر الوجودي، وتتحوّل إلى حيث لا يتوقع أحد وحيث يترك كل فرد فيها إلى مصيره، اليوم لم تعد الدعارة مخفية مثلاً، ويمارسها أصحابها علناً في الحدائق العامة، وهناك زبائن وزبونات لكل الأسعار، وبنفس الوجع، يقبل الناس على شراء الأغراض من محلات التعفيش.

ليست سوريا أول من يتعرض لهذه المشكلات ولن تكون الأخيرة، إلا أنّ ما يميز حالتها، فظاعة تداخل التغيرات التي ضربت عمق المجتمع، فلم تسقط تركيبة المجتمع السوري الطبقية الكلاسيكية فقط على حين غرة، فقد افتقر كثير من أصحاب الغنى والعكس بالنسبة لمن كانوا لا يملكون شيئاً وأصبح لديهم مال فاحش، بل جرّت معها خراباً عميماً طال كلّ البنى الساكنة منذ عقود بما تحمل من خير وشر، فأصبح وجود الآخر(السوري، بما في ذلك أقرب الناس إليه) تهديداً وجودياً ومنافسة، ولهذا وإلى حدّ معين، غاب التضامن المجتمعي إلا في حدوده الدنيا (اللفظية ربما). تذكر واقعة محلية أنّ أخاً أخرج أخيه المستأجر عنده من بيته ليضع بدلاً منه شخصاً دفع له مالاً أكثر، وبالطبع، فإنّ محاولات المجتمع المدني السوري الناشئ التخفيف من أعباء البشر ليست كافية بحكم ثقل المهمات وانتشارها الواسع.

بالمقابل، نشأت مراكز قوى جديدة صاعدة من قلب الخراب، لا يهمها، بحكم منشأها الطبقي ـ السياسي (الفلاحي البعثي في الغالب) سوى إثبات وجودها في مجتمع تعوّد في العقود الماضية على سلطة قمعية وحيدة، فكان أن أعادت هذه المراكز إنتاج سياسات السلطة القمعية نفسها، فهي لا تخضع لقانون إلا اسمياً ولا يمكن لأي أداة سلطوية إيقافها عن العمل إلا عندما تتدخل بالسياسة، مع الانتباه إلى أنّ المسالة هنا ليست في حدها الأدنى مرتبطة بالطوائف إلا بنسبة ضئيلة، فالمال لا يمكن أن يكون طائفياً بأي حال، فعلاقات مراكز القوى الجديدة (والقديمة) ومراكزها المختلفين طائفياً لم تكن أحسن حالاً مما هي اليوم في عزّ الحرب، يتشارك تجار السلاح (المختلفين طائفياً) في أعمالهم مهما تكن طوائفهم.

(غرافيتي من مدينة حلب، تاريخ 19/8/2014. المصدر: صفحة صرخة Speak Up على الفيسبوك، والصورة تستخدم بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة للفنان وللصفحة)

تعلن أنماط العبودية الجديدة بشكل واضح خلوّها من النظر إلى الآخر (السوري) ككائن بشري، وتميل إلى نزع "بشريته" عنه ممارسة قمعاً منهجياً (أو عفوياً) وأنواعاً مختلفة من التسلّط والإذلال والتوّحش مستغلّة الحاجة والقلّة والضغط الاقتصادي والاجتماعي أيضاً، وبنفس الوقت تُخضِع أتباعها إليها بقساوة شديدة مستخدمةً أنماط تبرير أخلاقي تشرعن أيّ فعل، فقبل أيام شهد دوار "هارون" (وسط مدينة اللاذقية تقريباً) اشتباكاً استخدمت فيه الأسلحة النارية بين جماعتي شبيحة (إحداها لمنذر الأسد) لأجل (عاهرة) بتعبير الناس، وقد تبين أن الفتاة لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، انتهت المعركة بجرّها غصباً عنها إلى جهة مجهولة، والاشتباك إياه لم ينقل إلى الشبكة العنكبوتية خوفاً من مغبّات نشره لاحقاً على صاحبه.

بحثاً عن حل.. مؤجل:

ستترك هذه الممارسات أثراً على المجتمع آنياً ومستقبلياً، فمن كان في 2011 في العاشرة من عمره أصبح اليوم في سن الشباب، إنّنا أمام جيل عانى من الأذى النفسي كثيراً، ولن يكون من السهل التغاضي عن القمع الممارس عليهم/ن، مما يعني مرّة ثانية أنّنا أمام احتمالات انفجارات جديدة.

يعتبر الدكتور في العلوم السياسية "صلاح نيوف" (محاضر في قسم العلوم السياسية ورئيس قسم الاقتصاد في "الأكاديمية العربية في الدنمارك") في حديثه لحكاية ما انحكت، أنّ الأولوية في حل هذه القضية "يجب أن تكون للجانب القانوني، ومناقشة وجود نص يطالها، وفي حال وجوده، البحث عن أسباب تغييب أو غياب فاعليته، والعمل بالتالي على خلقه وتفعيله، ثم الانتقال إلى الجانب الاقتصادي (الفقر والحاجة)، ثم الجانب الأسروي وجماعات المجتمع المدني التي عليها أن تقوم بدور توعوي فاعل دون الوقوع في فخ الشعارات الكبيرة".

إنّ القادم في أحوال المجتمع السوري الراهن (من بقي داخلاً) يصعب التنبؤ به، فكمية الألم الكبيرة، وكميات الذل التي عاشها الناس، وفقاً للمشهور في علم النفس، تحتاج إلى أكثر من مجرّد عمليات إصلاح وترميم، قد يمضي جيل فأكثر معيداً نفس الدراما الكارثية، وفي حال لم تتغيّر الأمور السياسية (وهي مفتاح كلّ حل) فإنّ عرابو المستقبل هم سادة الاستعباد نفسه، ولنا في العراق ولبنان عبرة، إن كانت هناك عبرة فيما جرى.

(الصورة الرئيسية: لوحة للفنان ثائر معروف. المصدر: الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك، وهي تستخدم بإذن شخصي من الفنان)

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد