الانسحاب الأمريكي يخلط أوراق مكونات شمال سوريا


شكّل قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، القاضي بانسحاب القوات الأمريكية من سوريا، مفاجأة لحلفائه قبل خصومه، وذلك بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على تأسيس التحالف الدولي ضد داعش، وبالاعتماد بشكل رئيسي على "قوات سوريا الديمقراطية" التي تشكِّل وحدات حماية الشعب (الكردية) عمودها الفقري. هنا تقرير لحكاية ما انحكت من مدينة القامشلي، يرصد آراء السياسيين ومكونات المنطقة حول الخطوة الأميركية وأثارها.

28 كانون الأول 2018

(قوات أميركية في سورية، والصورة مأخوذة من صحيفة الاتحاد بتاريخ 19 ديسمبر 2018 وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)
آلان حسن

كاتب وصحفي سوري كردي، يعيش في مدينة القامشلي

(القامشلي)، شكّل قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، القاضي بانسحاب القوات الأمريكية من سوريا، مفاجأة لحلفائه قبل خصومه، وذلك بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على تأسيس التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، وبالاعتماد بشكل رئيسي على "قوات سوريا الديمقراطية" التي تشكِّل وحدات حماية الشعب (الكردية) عمودها الفقري.

هزّ قرار ترامب المفاجئ مجتمع شمال وشمال شرق سوريا، ووضع قاطني هذه المنطقة أمام خيارات غير واضحة المعالم، كانت نتاجاً لردات الفعل الاضطرارية تجاه ما لم يكن بالحسبان.

الكُرد بين مطرقة أردوغان وسندان بشار!

يعتقد الكثير من أبناء شمال شرق سوريا، أنّ الخاسر الأكبر من عملية الانسحاب الأميركية هم الكُرد، وذلك بعد خوضهم مع قوات التحالف الدولي معارك دامية ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" فقدوا على إثره آلاف المقاتلين، بالإضافة لآلاف الجرحى.

تتنبأ شمس عنتر (50 سنة كاتبة وناشطة مدنية في مجال الدفاع عن حقوق المرأة) من مدينة القامشلي (شمال شرق سوريا) بمستقبل الكُرد، إذ تقول عبر الإيميل لحكاية ما انحكت "ترامب ترك الكُرد بين مطرقة أردوغان وسندان بشار". وتعتقد أنّ المدنيين السوريين أكثر المتضررين وعلى رأسهم الكُرد، إذ إنّ معظم القواعد الأمريكية العسكرية متواجدة في مناطق تقع تحت سيطرة "سوريا الديمقراطية" مما يعطي الفرصة مجدداً "كي ينتعش داعش ويعيد الهجوم على قوات "قسد".

وتجنّباً لدخول تركيا العسكري بعد التهديدات المستمرة من جانبها، تتوقع "عنتر" أن يتم التفاوض بين "قسد" والحكومة السورية، وهذا ما تعتبره "خذلاناً للكُرد الذين صدّقوا يوماً أن هناك دولاً من الممكن أن تساعد حركات تحرّر الشعوب المظلومة".

من جانبه يتمنى، آرام شافارشيان (صحفي أرمني يعمل لدى إذاعة "آرتا إف إم" المحلية) أن "تجد الإدارة الذاتية حلفاء جدد لها كفرنسا، بشرط عدم التفاوض مع النظام السوري"، معتبراً أنّ الانسحاب الأمريكي تكتيكي، وستعود (أي أمريكا) لدورها بعد إتمام صفقة صواريخ "الباتريوت" مع تركيا.

الخاسر الأكبر من عملية الانسحاب الأميركية هم الكُرد، وذلك بعد خوضهم مع قوات التحالف الدولي معارك دامية ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" فقدوا على إثره آلاف المقاتلين، بالإضافة لآلاف الجرحى.

وتتواجد قوات فرنسية ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، ويتمركز عدد منهم في مدينة منبج غرب الفرات، وكانت الحكومة الفرنسية قد أعلنت بقاءها ضمن التحالف الدولي، وذلك بعد الانسحاب الأمريكي، علما أن عدد الجنود الفرنسيين هو 50 جندي فقط، كما نقلت صحيفة حرييت التركية.

يعيش في شمال شرق سوريا مكوّنات سريانية وعربية بالإضافة للكُرد، وتشارك هذه المكوِّنات بنسبة متفاوتة في الإدارة الذاتية التي تأسّست في 21 كانون الثاني/ يناير 2014، وشكِّل العرب والسريان إلى جانب الكُرد قوة عسكرية يبلغ تعدادها عشرات الآلاف من المقاتلين في صفوف "قوات سوريا الديمقراطية". وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية على حوالي ثلث أراضي سوريا.

(لوغو لقوات سورية الديمقراطية)

بسمان العساف (32 سنة)، هو باحث سياسي من المكوِّن العربي، التقته حكاية ما انحكت مباشرة في مدينة قامشلي، يعتقد أن الانسحاب كان معدّاً له مسبقاً، وترامب كان قد اتخذ قراره قبل أشهر، وبالتحديد عند الإعلان الأول للرئيس الأمريكي عن سحب قواته من سوريا في شهر آذار/ مارس الماضي.

ويرى "عساف" أن "الولايات المتحدة خلطت الأوراق في المنطقة بشكل كبير وتسعى لخلق تنافس بين تركيا من جهة وشركائها في الترويكا (روسيا وإيران) من جهة أخرى، وبالتالي سنشهد لربما صفقات جديدة غير متوقعة وتداعيات ميدانية دراماتيكية في شرق الفرات"، ويرى الأمور مرهونةً بتوافق بين الحكومة السورية و"قسد".

سياسيون... المصلحة الأمريكية فوق كل اعتبار

حذّر "مجلس سوريا الديمقراطية" (الممثل السياسي لـ "قوات سوريا الديمقراطية" والإدارات الذاتية لشمال وشرق سوريا) في بيانٍ أصدره في 20 كانون الأول/ ديسمبر2018 من خطورة الانسحاب وتبعاته على المنطقة برمتها، متعهداً أن يستمر "بالدفاع عن حقوق ومكتسبات الشعب واللجوء للحلول الوطنية السلمية".

واعتبرت "قسد" أنّ قرار أمريكا بالانسحاب "خيانة وطعنة في الظهر"، وذلك في أول رد فعل لها على القرار الأمريكي.

فيصل يوسف (المنسق العام لحركة الإصلاح الكردي – سوريا/ 64 سنة) وهي حركة تنضوي تحت لواء "المجلس الوطني الكردي" المعارض، يرى في إجابة له لحكاية ما انحكت عبر الإيميل، أنّ أمريكا "تضع مصلحتها فوق الاعتبارات الأخلاقية التي يطالب بها الناس، وهي ترجِّح إرضاء تركيا وحلّ الخلافات معها دون أن تطرح أي حل سياسي يثبت الاستقرار والأمن".

وتعتبر تركيا ثاني أقوى جيش في حلف شمال الأطلسي "الناتو" وحليفة الولايات المتحدة الأمريكية التاريخية في منطقة الشرق الأوسط.

يبدي "يوسف" قلقه من مستقبل المنطقة في حال عدم وجود حل واقعي للأزمة، إذ يقول "إن تم تنفيذ القرار الأمريكي سيخلق ذلك حالة من الفراغ يتخوف منها الأهالي، من جهة التهديد التركي بالتدخل أو من جهة النظام وحلفائه دون وجود بديل يطمئن الأهالي على حياتهم وممتلكاتهم ويحميهم من الآثار السيئة جرّاء ذلك".

وكان المجلس الوطني الكردي الموالي لحكومة كردستان العراق، وهو جزء من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ندّد خلال بيان له في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2018 بالتهديدات التركية مطالباً قوات التحالف والمجتمع الدولي بـ "تحمل مسؤولياتهم تجاه أبناء المنطقة وضرورة وحدة الموقف الكردي".

 مستشار الرئاسة المشتركة لقوات سورية الديمقراطية، سيهانوك ديبو، يرى أن محاولات "إيجاد بديل لقوات سوريا الديمقراطية من قبل أمريكا لم تنقطع؛ ولكنها كانت تفشل دائماً"

ويعتبر "المجلس" القوة المعارضة الرئيسية للإدارة الذاتية، ويملك مناصرين في الشارع الكُردي السوري.

وعن مستقبل المنطقة والوضع الكردي، شدّد "يوسف" على ضرورة تدارك السلبيات والنواقص إذ "يقع على عاتق "حزب الاتحاد الديمقراطي" المهيمن اتخاذ المبادرات في هذا المضمار لحل الخلافات القائمة".

أما مستشار الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي (أبرز الأحزاب الكُردية السورية، وهو صاحب مشروع الإدارة الذاتية، ويتبع إيديولوجياً للزعيم الكردي عبد الله أوجلان والذي يقضي حكماً بالسجن المؤبد في جزيرة ايمرالي التركية) سيهانوك ديبو، فيرى في إجابة له عبر الإيميل أن محاولات "إيجاد بديل لقوات سوريا الديمقراطية من قبل أمريكا لم تنقطع؛ ولكنها كانت تفشل دائماً". ويشدد على أن "سوريا الديمقراطية" لم تنظر إلى نفسها بأنها بندقية في يد الغير، وكانت شريكة معلنة في "حلف الضرورة/ التحالف العالمي بقيادة أمريكا ضد الإرهاب".

ويشدد "ديبو" على خيار المقاومة، ويبدي تفاؤلاً بمستقبل المنطقة "من المبكر، وربما المبكر جداً، الحديث عن النتائج؛ التي لا تبدو بالقريبة، ويبقى الحاسم هنا دائماً دوام المقاومة. ومن المقاومة تتخلق الدبلوماسية وتظهر دائما الحلول التي يستفيد منها الجميع".

أما مريم علي (42 سنة) وتعمل ربة منزل ولديها ولد ضمن صفوف وحدات حماية الشعب "الكردية". أبدت خلال لقاء حكاية ما انحكت معها مباشرة، تخوفها من مصير ابنها ورفاقه، وتخشى من مصير مشابه لهم كما حصل في عفرين مطلع العام الحالي، وتقول: "ولدي قدّم كل ما لديه لأجل وطنه، والآن يتعيّن على المسؤولين حماية روحه هو وزملائه، وكذلك أرواح الشعب... نحنا خائفون من انتقام الأتراك، وحلفائهم من المعارضين الذين استباحوا عفرين".

قرار الانسحاب غير طبيعي

يرى الباحث في "مركز الفرات للدراسات" وليد جولي (45 سنة)، عبر لقاء مباشر مع حكاية ما انحكت، أنّ قرار الانسحاب الأميركي يمسّ هيبة الولايات المتحدة كقوة عالمية، أكثر مما يمس الكرد أو أي كيان آخر، لأن "خروج الأمريكان من سوريا دون نتائج ملموسة، يعني خسارتهم للمنطقة برمتها، وبالتالي خسارتهم لدورهم القيادي للعالم أيضاً، وهذا لا يمكن أن يكون منطقيا".

(وليد جولي، الباحث في "مركز الفرات للدراسات، والصورة مأخوذة من الصفحة الشخصية له على الفيسبوك بإذن خاص منه)

ويذهب جولي أبعد من ذلك مشكّكاً في جدية الانسحاب، حيث يقول: "في الحالة الطبيعية من غير الممكن تنفيذ قرار الانسحاب، وإن تم ذلك فسوف يكون بمثابة انقلاب على النظام المؤسساتي للولايات المتحدة الأمريكية بزعامة ترامب".

وعن تأثير القرار على الوضع الكُردي، يقول "جولي" أن قرار الانسحاب هذا سيعني فتح الباب أمام الكُرد لنسج تحالفات جديدة تحافظ فيه على مشروع الإدارة الذاتية القائمة، والخيارات داخلية سورية وإقليمية ودولية حتى.

وكشفت تقارير إعلامية مختلفة عن لقاءات تجري بين مجلس سوريا الديمقراطية مع الحكومة السورية وروسيا في كلٍّ من موسكو ودمشق وقاعدة حميميم الروسية باللاذقية، للوصول لاتفاق يمنع التهديدات التركية بالبدء بعملية عسكرية شرق الفرات.

الكاتب المعارض، بير رستم (55 سنة)، يقول عبر الإيميل لحكاية ما انحكت، إن كل ما يهم إدارة ترامب هو "الربح السريع بأقل وقت ممكن حيث ابتزاز دول المنطقة وبالأخص الخليجية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودي".

وكان الرئيس الأمريكي قد أعلن موافقة السعودية على إنفاق الأموال اللازمة للمساعدة في إعادة إعمار سوريا بدلاً من الولايات المتحدة.

ويضيف رستم أن إدارة ترامب وبحكم مصالحها ومصالح أصدقائها وحلفائها من دول المنطقة يحتّم عليها التريث وعدم الانسحاب كلياً من منطقة الشرق الأوسط، "لكن ربما انسحاباً جزئياً بهدف الضغط على دول المنطقة لدفع الفواتير، وكذلك دفع القوى الإقليمية والمحلية لإيجاد حل سياسي".

ويدعو رستم إلى العقلانية في قراءة المتغيرات للخروج منها بحلول واقعية فـ "الكارثة الأخيرة سوف تجبر الجميع على إعادة القراءة في مواقفها وبرامجها السياسية بحيث نبحث عن حلول توافقية، فدون ذلك لا مستقبل لأحد بالمنطقة وحان الوقت ليكون الوطن للجميع".

 

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من