ألعاب الطفولة

إذ تتحول إلى مهنة في خريف العمر


بعد انقطاع لمدة 55 عاما يعود الرجل السبعيني، حميد طوبال، للعمل في مهنة تعلّمها في صغره، لتكون سندا له، حاليا، ومصدر رزق يعيل بها نفسه وأسرته. كانت هذه المهنة، وهي صنع الدبق (أداة تستخدم في القرى لصيد العصافير)، قد اختفت، لكن الحرب والظروف الصعبة التي يعيشها الناس والعودة للاعتماد على كل ما هو قديم، جعل فكرة إحيائها أمرا ممكنا.

19 آذار 2019

(حميد طوبال في قريته خربة الجوز بريف إدلب الغربي في كانون الأول 2019، وهو يصنع قنديل لقضبان الدبق/ خاص حكاية ما انحكت)
ميس الحاج

اسم مستعار لصحفية من ريف اللاذقية تقيم في إدلب

(ريف إدلب)، يجلس بجانب مدفئة الحطب لساعات طويلة وبقربه يضع عدته البسيطة، وبعض المناديل الورقية التي يحتاجها لمسح الدماء التي تسيل من يديه أثناء العمل.

بعد انقطاع لمدة 55 عاما يعود الرجل السبعيني، حميد طوبال، للعمل في مهنة تعلّمها في صغره أثناء عيشه في قريته (جب طورس) الكائنة في جبل التركمان في ريف اللاذقية الشمالي، لتكون سندا له، حاليا، ومصدر رزق يعيل بها نفسه وأسرته. كانت هذه المهنة، وهي صنع الدبق (أداة تستخدم في القرى لصيد العصافير)، قد اختفت، لكن الحرب والظروف الصعبة التي يعيشها الناس والعودة للاعتماد على كل ما هو قديم، جعل فكرة إحيائها أمرا ممكنا.

حميد رجل يبلغ من العمر72 عاما، حزين الملامح وهادئ في الكلام، يتحدث بعض الكلمات باللغة التركية وأخرى بالعربية الفصحى والعامية، يخلط بينهم أثناء أي حوار.

يعود أصله إلى تركمان منطقة الباير بريف اللاذقية، يرتدي سرولا أسودا عريضا وسترة شتوية، ويجلس على كرسي واضعا أحد الأغطية تحتها لكي يمنع وصول أي قطعة من الخشب إلى السجادة أثناء العمل. يجلس يوميا على هذه الشاكلة. كان منهمكا في عمله عندما بدأ حديثه مع موقع حكاية ما انحكت. لم يرفع نظره عن القنديل (البيت الذي يوضع بداخله الدبق) الذي كان يصنعه.

يروي قصته لنا، وهو يتابع عمله "أبشر عملي بعد صلاة الفجر. عم ضل للمغيب تقريبا، بنتج يوميا قنديل إذا كنت عم اصنع قناديل، أما الدبق أصنعه بكميات كبيرة ولا يحتاج لوقت طويل، وهناك موسم محدد لصنعه في فصل الصيف لأنه يحتاج للشمس لينشف، وبالشتاء بساوي القناديل. أضع داخل كل قنديل دبق وأبيعهم بمبلغ يصل الى حدود أربعة آلاف ليرة سورية (ما يعادل أربعة دولارات)".

"هالشغل ما بيطعمي خبز"

يوضح طوبال، أن الفكرة جاءت عندما طلب منه أحد معارفه أن يصنع له دبق ليمارس العمل بصيد العصافير، لم ينس كيفية صنعه رغم مرور هذه السنين الطويلة لأنه تعلم هذه المهنة على صغر "لا يمكن نسيان الأشياء التي ترسخ في أذهاننا ونحنا بعمر صغير، لم يعجبني كثيرا أول دبق وقنديل صنعتهم بعد هذه السنوات كثيرا، مع التكرار تحسّن عملي"، يستدرك كلامه بعد نفس طويل "لكنه كان جيدا بعد 55 عام من التوقف عن هذا العمل".

(حميد طوبال في قريته خربة الجوز بريف إدلب الغربي في كانون الأول 2019، وهو يصنع قنديل لقضبان الدبق/ خاص حكاية ما انحكت)

يتابع قائلا "تعلمت هذه المهنة بمفردي وبمجهود شخصي مني، فعندما كنت في الخامسة عشر من عمري أوكل لي والدي مهمة حراسة أراضينا الزراعية بجبل التركمان خلال فصل الصيف لمنع الطيور والحيوانات من أكل المواسم الزراعية. كنت أمضي وقتا طويلا هناك أشعر بالملل. مناطقنا تتميز بالجبال والغابات الكثيفة. كنت  شوف بعض الرجال يلي يجيبو القصب وقضبان الريحان من هذه الغابات، وهي المواد الأساسية لصنع الدبوقة والقناديل، ويقومون بصنعها أمامي. كنت  قلدهم أثناء حراسة الأراضي، ونجحت بتعلم هذه المهنة، بعرف أصنع سلل وقراطل التي كانت تستخدم لسلق الحنطة والبسط يلي بتنمد على الأرض في القرى والمكانس، وهي كلها بتنصنع بشكل يدوي من القش. كانت أيام حلوة رغم إنو والدي كان يعصب علي وقت يشوفني عم اصنع أي شي من القصب، ويقلي حاج تلتهي، ها الشغل ما بطعمي خبز بس اجى يوم وصار يطعميني"، يقول ذلك وهو يضحك.

نزوح متكرر

حميد كان يعمل سابقا بالخياطة، وهو خياط معروف في مدينة اللاذقية، ويملك العديد من المحلات. ففي العشرين من عمره توّجه للعيش في اللاذقية، وهناك تعلّم الخياطة وعمل بها حتى عام 2012.

لكن هناك أسباب كثيرة تمنعه من العمل بمهنته هذه في الوقت الحالي، أبرزها تقدمه في السن وعجزه عن فتح محل مستقل، فضلا عن فقر الناس والاستغناء عن هذه الأمور والاعتماد على المساعدات من الملابس.


توّجه في بداية العام 2012 نحو قريته، التزم بالعمل بأراضيه حتى سيطر النظام عليها، فأجبر على النزوح مجددا في عام 2015  نحو قرية خربة الجوز بريف إدلب الغربي، وخسر كل شيء، فبات يترتب عليه دفع آجار المنزل وتأمين الأكل والشرب له ولعائلته.

آليات العمل

يشرح السبعيني طريقة عمله وكيفية العمل بهذه المهنة، ويصفها بالصعبة والمتعبة، فلا يستطيع أي شخص أن ينجح بها، لأنها تحتاج إلى رجل ذو بال طويل ومحاط بالهدوء، فهو يخرج للجبال القريبة ويقوم بقص عيدان القصب والريحان ثم يحملهم نحو المنزل، وهنا تبدأ مرحلة تقشير القصب الذي تصنع منه القناديل، ثم يقوم بالتقشير والتنجير على شكل عيدان صغيرة، ثم يعمل على نقعها بالمياه لعدة أيام لتصبح لينة ويسهل طيها، لكي لا تتكسر. أما إذا كان القصب أخضر كما في فصل الربيع، فيسهل العمل به، ومن الممكن الأستغناء عن النقع (بالماء) هذا بما يخص القنديل، أما الدبق فيحتاج عيدان ريحان. وكذلك يقوم بشراء حب الدبق من الأسواق في مدينة جسر الشغور، ويتواجد لديه مقص، وهو ذاته الذي يستخدم لتقليم الأشجار وسكين وكفوف يضعها على يديه أثناء العمل.

(حميد طوبال في قريته خربة الجوز بريف إدلب الغربي في كانون الأول 2019، وهو يصنع قنديل لقضبان الدبق/ خاص حكاية ما انحكت)

هناك الكثير من المصاعب التي تواجهه أبرزها "طبيعة القصب التي تجرح اليدين، وصعوبة نقله هو والريحان من الجبال، أحملهم على كتفي وبمفردي لمسافة طويلة، الكفوف التي أستخدمها تخرب بسرعة وأستغني عنها أغلب الأحيان. أيضا انخفاض ثمن البيع مقارنة بتعبي، لكن وضع الناس والظروف الاقتصادية السيئة للجميع، هو ما يدفعني بأن أرضى بهذا المبلغ".

فقر وبطالة

يقصد حميد عشرات الشباب من أبناء المنطقة للشراء منه، فعمله مطلوب خلال هذه الفترة. الشاب حسن علي البالغ من العمر أربعة وعشرين عاما، والذي يقيم في مخيم قرية عين البيضا، هو زبون دائم يجلب أصدقائه أيضا للشراء من طوبال، ويشيد بعمله وإتقانه في الصنع. يؤكد لموقع حكاية ما انحكت أن "السبب الأساسي في وجود سوق لتصريف الدبق هو الفقر الشديد (وكأن الفقر يوفر فرص عمل هنا!) الذي يعاني منه الناس لا سيما النازحين، وعجزهم عن شراء اللحوم، وهذا الأمر يدفعهم للتوجه لصيد العصافير والاعتماد على لحم الطير في الأكل، فضلا عن عدم وجود أي جهة قانونية تمنع الصيد أو تحدّ منه. كذلك فإن المنطقة جبلية، وتتوفر فيها أنواع مختلفة من العصافير، وهناك فراغ كبير نعيشه بسبب نقص فرص العمل وغياب وسائل التسلاية لذلك نتوجه نحو الصيد الذي يأخذ منهم الكثير من الوقت".

(قناديل من صناعة حميد طوبال في قريته في خربة الجوز بريف إدلب في كانون الأول 2019/ خاص حكاية ما انحكت)

يضيف لحكاية ما انحكت أن "حياة الناس وأسلوبها الحالي من انقطاع الكهرباء وغياب الكثير من وسائل الحياة الضرورية، تدفعهم للعودة نحو إحياء كل ما هو قديم، وبات تواجد هذه الأشياء أمر طبيعي وغير مستغرب، فنحن نفاصل حميد كثيرا على سعر الدبق والقنديل، ونطلب منه أن يجري لنا تخفضيات وخصم، خصوصا بعد أن تحولت الى زبون دائم أقصده بشكل أسبوعي تقريبا لأشتري لأقاربي وأصدقائي، لأننا نذهب إلى الصيد بشكل جماعي".

ويتابع: "غالبا يتوجب علينا الذهاب باكرا في الخامسة صباحا، وهناك طرق مختلفة للصيد على الدبق، منها ما يعرف بـ"التفتاف"، وهي كمين كما يحدث في المعارك، حيث ننشر أعواد الدبق وننتظر قدوم العصافير بعد أن نضع لهم الحبوب ليأكلوا، ونبدأ بالصفير بصوت يشبه صوتهم، أو ننشره، وهذ الأمر غالبا يكون في فصل الصيف على أنواع محددة من الأشجار كالتين والعنب والخوخ، ونذهب كل ساعتين لنرى العصافير التي تقف عليه ثم نجلبها إلى المنزل، فهو مصنوع من حب الدبق اللاصق، والذي يعلق به الطيور عندما تقف عليه".

مهن قديمة.. تعود

بالإضافة إلى هذه المهنة التي استحدثتها الضرورة، هناك مهن عادت للظهور بعد أن اختفت، متعلقة بالتراث والتاريخ، والتي كانت تزدهر قبل عقود، كالخبز على التنور وبيعه وصناعة الخيم وتصليح بوابير الكاز، وجمع الأعشاب الطبية والبرية من الجبال وبيع الحطب وصنع الفحم بشكل يدوي.

كذلك هناك العديد من المهن الجديدة، والتي ظهرت لأول مرة خلال الثورة السورية، كالعمل على بيع بطاقات الإنترنت وأنبيرات الكهرباء بسبب انقطاع الكهرباء عن كافة المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وبيع قوالب الثلج خلال فصل الصيف.


توضح الناشطة المدنية من ريف اللاذقية، ريم عبد الكريم، لحكاية ما انحكت، أن "السبب الأساسي في عودة هذه المهن التي كانت تعتبر تراث في سوريا، وبعضها كاد أن يختفي، هو الحاجة وعودة الحياة للأساليب القديمة بسبب انقطاع الكهرباء ونقص المحروقات وغياب الغاز، مما أجبر الناس على إيجاد حلول بديلة لمتابعة الحياة، فكان إحياء هذه المهن أمر ضروري".

أضافت أن أغلب المهن هذه كانت تمارس في الأونة الأخيرة كهواية، مضيفة أن "إحياء هذه المهن بسوريا بهذه الطريقة وبهذا  الوقت، أمر محزن مع تقدم الزمان وتطور البلدان الآخرى، إذ كان يجب أن تكون جزءا من التراث القديم، لكن ظلم النظام وحرمان المناطق الخارجة عن سيطرته من أبسط مقومات الكهرباء والإنتقام من الناس بالتضييق عليهم، دفعهم لهذه الحلول التي كانت العامل الأساسي في الصمود والاستمرار".

لكن ما يميز مهنة حميد هو عمله على إحيائها من خلال تعليمها لشباب من أبناء المنطقة الذين يرغبون بذلك، يجلسون بجانبه، ويراقبونه أثناء العمل، وهو يشرح لهم كل تفصيل ويجيب عن أي سؤال يطرحونه متعلقا بهذه المهنة.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد