الميلانكوليا السورية

شهادات شخصية من "زوّار" العيادات النفسية


تغيّرت في السنوات الأخيرة بشكل كبير علاقة السوريين مع الطبيب النفسي، فبعد أن كان من الصعب المجاهرة بالأمراض النفسية في مجتمع لم يكن يملك أدنى درجات الوعي حول الموضوع، ويصنّف جميع المشاكل النفسية على أنها جنون أو إعاقة أو حتى مس شيطاني.. ازدادت الإصابات النفسية متفاوتة الشدّة بين السوريين إلى الحد الذي لم يعد فيه هناك مجال سوى للاعتراف بالحاجة الماسة للتعامل مع المشكلة من الطرفين: المريض ومقدّم الخدمة.

25 نيسان 2019

(وبعد أن كان السوريون في السابق يتجنبون الذهاب إلى الطبيب النفسي خشية أن يراهم أحد، باتت غرف الانتظار مكتظة بالمراجعين الذين لم تعد الخصوصية والسرية تهمهم، قدر إيجادهم لحل وعلاج، يخفّف عنهم عذاباتهم وهواجسهم/ اللوحة رسمت خصيصا لهذه الحكاية/ خاص حكاية ما انحكت)
أليس الشامي

كاتبة سورية (الاسم مستعار)

في عيادة أحد الأطباء النفسيين المرموقين في دمشق، تكاد غرفة الانتظار تخلو من مقعد فارغ، من الصعب الحصول على مواعيد قبل أسبوع على الأقل. بعض المرضى منفتحون أكثر من غيرهم للحديث عن الحالة التي يعانون منها، وبعضهم يتجنبون النظر في عيون الآخرين.

يقتحم غرفة الانتظار شاب في زي عسكري، ويتوسل إلى السكرتيرة كي تسمح له بمقابلة الطبيب قبل عودته إلى قطعته خلال ساعات. تخبره السكرتيرة أن يعود في الغد وستدخله قبل الجميع.

-بقلا لازم ارجع على القطعة اليوم بتقلي تعا بكرا. ما فيني انطر كتير محتاج شوف الطبيب الله يخليكي. أنا عسكري شوفة عينك.

-أهلا وسهلا فيك مين ما كنت تكون. بس صدقني اليوم كتير مضغوطين.

يخرج الشاب من العيادة متوتراً، وهو يشعل سيجارة بيدين مرتجفتين، ويسود القاعة الصمت.

تغيّرت في السنوات الأخيرة بشكل كبير علاقة السوريين مع الطبيب النفسي، فبعد أن كان من الصعب المجاهرة بالأمراض النفسية في مجتمع لم يكن يملك أدنى درجات الوعي حول الموضوع، ويصنّف جميع المشاكل النفسية على أنها جنون أو إعاقة أو حتى مس شيطاني. وبعد أن كان ثمّة تشكيك واستخفاف بمدى الفائدة المتوقعة من زيارة الطبيب المختص أو تناول الأدوية الموصوفة، ازدادت الإصابات النفسية متفاوتة الشدّة بين السوريين إلى الحد الذي لم يعد فيه هناك مجال سوى للاعتراف بالحاجة الماسة للتعامل مع المشكلة من الطرفين: المريض ومقدّم الخدمة، سواء أكان طبيباً أو أخصائياً أو عاملاً اجتماعياً موظفاً أو متطوعاً في أحد برامج الدعم النفسي التي نشطت في الآونة الأخيرة كجزء من برامج الاستجابة للكوارث.

في العام الماضي صرّح مصدر في وزارة الصحة السورية أنّ هناك خمسة بالمئة من السوريين، أي حوالي مليون سوري، مصابون بأمراض نفسية شديدة. وبالمقابل لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين في سوريا الـ 100طبيب، نصفهم مقيم في دمشق. وبعد أن كان السوريون في السابق يتجنبون الذهاب إلى الطبيب النفسي خشية أن يراهم أحد، باتت غرف الانتظار مكتظة بالمراجعين الذين لم تعد الخصوصية والسرية تهمهم، قدر إيجادهم لحل وعلاج، يخفّف عنهم عذاباتهم وهواجسهم.

سلاف.. عندما تصاب بالاكتئاب، تصاب به مدى الحياة

تتذكر سلاف المرة الأولى التي دخلت فيها إلى عيادة الطبيب النفسي الواقعة في إحدى حواري الجسر الأبيض. كانت لا تزال في العشرينات من عمرها، كانت قد تخرجت للتو من كلية الهندسة، وتخطّط للارتباط بطبيب شاب. كان الشاب يحضر نفسه للسفر إلى الولايات المتحدة الأميركية كحال كثر من خريجي الطب في بداية الألفية الثانية، وبعد أن أصبح في الجانب الآخر من العالم، وبعد العديد من الرسائل المتضاربة والمقلقة، أخبرها بأنه لا يريد الزواج منها.

(في العام الماضي صرّح مصدر في وزارة الصحة السورية أنّ هناك خمسة بالمئة من السوريين، أي حوالي مليون سوري، مصابون بأمراض نفسية شديدة/ خاص حكاية ما انحكت)

ما عدا عيني سلاف الخضراوين المذهلتي الجمال، كانت تعاني من البدانة ومن حب الشباب الذي ترك على وجهها آثاراً لم تستطع جلسات التقشير والعلاج إخفاءها. وعلى الرغم من أنها من عائلة ثرية ومرموقة، لم تكن حظوظها في الحب موفقة. كان ارتباطها بذلك الشاب محور حياتها أثناء الجامعة، والهدف الذي يضبط إيقاع كل ما تقوله وتفعله، وعندما تركها وحيدة وانطلق في بناء مستقبله بعيداً عنها تعرّضت لأزمة نفسية خطيرة كادت تودي بحياتها. وبعد سلسلة من الانهيارات العصبية ومحاولات الانتحار والإضراب عن الطعام وافقت سلاف على الخضوع للعلاج النفسي الدوائي والسلوكي.

سلاف: ساعدني الدواء على التخلص من الألم، لكنه لم يساعدني على أن أصبح سعيدة

تتذكر سلاف كم كان صعباً في ذلك الوقت الحصول على دواء نفسي، فقد كان غالي الثمن، وغير متوفر في كلّ الصيدليات، ولا يمكن الحصول عليه إلا بموجب وصفة طبية عليها ختم الطبيب، يبقيها الصيدلاني في سجلاته لإبرازها لدى أية مساءلة رقابية أو قانونية. وتتذكر جيداً كيف خابت توقعاتها بعد أن تناولت الحبة الأولى، آملة أن تتبخر كل أحزانها وأفكارها السوداوية خلال دقائق. وتبيّن لها لاحقاً أنّ الأدوية النفسية تستغرق أياماً وأسابيع لتعدّل المزاج وتعيد بعض التوازن النفسي. بالمقابل، عانت سلاف في الفترة الأولى من تناولها الدواء من جفاف بالفم، ومن تشتّت الانتباه والتركيز، ومن كثرة النسيان، ومن الخمول، وكسبت بعضاً من الوزن أيضاً. لكنها بعد أسبوعين بدأت تشعر بتغيير في مزاجها، تصفه كالتالي: "لا أعتبره تحسناً، بقدر ما اعتبره خدراً عاماً. أصبح جلدي سميكاً، صرت أقل حساسية تجاه الذكريات المحزنة، وأقل عرضة للغضب والانفعال تجاه التفاصيل اليومية. بتّ أشبه صنفاً من البشر كنت أمقته في السابق، هؤلاء الذين يقابلون كل شيء ببرود وانفصال ولا مبالاة. ارتسمت على وجهي ابتسامة بلهاء، كنت لا أشعر بوجودها وأكتشفها بالصدفة عندما أمر بجانب مرآة. ساعدني الدواء على التخلص من الألم، لكنه لم يساعدني على أن أصبح سعيدة. ما ساعدني هو العلاج السلوكي، واظبت على جلسات التحليل النفسي، اتخذت فيها قرارات هامة على الصعيد الشخصي والمهني، وركزت على المستقبل. وعندما قرّر الطبيب أنه حان الوقت لإيقاف الدواء، قلقت من أن يسبّب ذلك لي نكسة ما. لكنني تجاوزت تلك المرحلة بسلام. ظننت أنني تخلصت من الاكتئاب، وأن تلك المرحلة من حياتي لن تعود لمطاردتي، لكنني كنت مخطئة. عندما توفيت أمي أصبت باكتئاب شرس، وعدت إلى الدواء بجرعة أكبر، وكأنّ الاكتئاب جرثومة معندة، اكتسبت مقاومة مع الوقت وظلت كامنة في جسدي حتى أتيحت لها الفرصة لتهاجمني من جديد. 

شعرت حينها أن الاكتئاب يختبئ وراء باب محكم الأقفال في داخل الإنسان، وعندما ينكسر القفل مرة، فلا شيء يمكن أن يصلحه. لا أعرف إن كان بإمكاني أن أتحدث عن الآخرين، لكن الاكتئاب تحوّل معي إلى مرض مزمن، أتناول الدواء للسيطرة عليه بشكل دائم، وأحاول أن أتعايش معه، لا أعرف إن كان سيقضي علي في النهاية مثلما فعل مع كثير من المشاهير. حتى هذه الفكرة لم تعد تسبّب لي الرعب كما في السابق. لا بد أنه مفعول الدواء الذي يصيبك بشجاعة السكير، لكنها ليست شجاعة حقيقية في النهاية".

عالية... الداء والدواء

لم تكن عالية في يوم من الأيام تعتقد أنّها يمكن أن تصاب بالاكتئاب. كانت دائماً إنسانة إيجابية مرحة، حتى في مناسبات الحزن والضغط، كفقدان أحد من العائلة، أو الصرف من الوظيفة، أو الفشل العاطفي، كانت تبكي لبعض الوقت، ثم تبحث عمّا يرمّم معنوياتها بسرعة.

عالية: سلبني العلاج الدوائي أكثر مما كان يمكن أن يقدمه. لقد سلبني القدرة على الإحساس والاهتمام والتصرف، لذلك حاولت البحث عن حل في مكان آخر

"أنا لا أستطيع أن أعيش بكآبة. أكره الحزن والمقت. ولم أتخيّل في حياتي أنه يمكن أن ينال مني. لكن الاكتئاب مرض، كالانفلونزا مثلا، يهاجمك عندما تكون مناعتك منخفضة. وهذا ما حصل معي، كنت وحيدة في بلد ليس بلدي، بعيدة عن أهلي وأصدقائي، فقدت عملي ومكان إقامتي لأنني لم أستطع أن أدفع الأجار، توفي أحد أعز أصدقائي تحت التعذيب في أحد مراكز الاحتجاز في سوريا، وكانت الأخبار والمشاهد اليومية التي تصلني عن الحرب والموت العبثي كفيلة بتدمير كل دفاعاتي النفسية. أصبت بانهيار، ولم أعد قادرة على الضحك أو الابتسام أو التفكير الإيجابي. وبعد مراجعة الطبيب النفسي وصف لي عقاراً نفسياً وبعض المهدئات. أذكر أنني أصبحت منفصلة عن جسدي، كمن تناول مادة مخدرة. لم أعد أشعر بأي شيء، ولم يرق لي ذلك أبداً. ليس من المنطقي ألا أشعر بالحزن لما يحدث في سوريا، أو لفقداني عملي. الحزن ضروري ليدفعنا إلى العمل من أجل التغيير. صحيح أنّ الحزن أحياناً يبلغ حداً يصيبنا بالشلل والعجز، لكن الحل لا يكمن في أن نطفئ شعورنا بالمطلق. لربما كنت أكثر حساسية تجاه الدواء من غيري، لكنني اتخذت قراراً بإيقافه. وبذلت مجهودا كي أتعامل مع المشاكل بنفسي. أقمت عند بعض الاصدقاء، وبحثت عن عمل آخر، وبعد جهد جهيد حصلت على فرصة أخرى. حاولت الابتعاد عن الأخبار، خاصة وأنني لم أكن أملك القدرة على المساهمة بأي حل للقضية السورية. قد يبدو قراراً أنانياً وقاسياً، لكنني كنت بحاجة ماسة للابتعاد عن مسببات الألم كي أستطيع النهوض من عطالتي. أعتقد أنّ الناس مختلفون جداً فيما يتعلق بالتعامل مع الاكتئاب، بعضهم أكثر هشاشة من بعضهم الآخر. بالنسبة لي فقد سلبني العلاج الدوائي أكثر مما كان يمكن أن يقدمه. لقد سلبني القدرة على الإحساس والاهتمام والتصرف، لذلك حاولت البحث عن حل في مكان آخر".

هشام... قناع الأوكسجين في جو ملوث

بالنسبة للذكور، ثمة صعوبة إضافية بالاعتراف بالحاجة إلى العلاج النفسي، أو بوجود أزمة نفسية أصلاً. وفي الحقيقة، على الرغم من تزايد عدد المراجعين في عيادات الأطباء النفسيين، إلا أنّ هناك تفاوتاً واضحاً في النسبة بين الجنسين لصالح الإناث. النساء أكثر قدرة على البوح، ولا يجدن في الأمر مسبّباً للشعور بالخجل أو العار بعكس الذكور في المجتمع السوري. ومع ذلك، ثمة شجاعة أكبر في الآونة الأخيرة من قبل الرجال في الاعتراف بالحاجة إلى تدخل ما لمواجهة استعصاء نفسي. ومع أنّ بعض الأدوية النفسية قد تسبّب بعض الآثار الجانبية التي تظهر في جوانب ذات حساسية عالية بالنسبة للذكور، كالأداء الجنسي مثلاً، فهناك إقبال أكبر من ذي قبل على شراء وتناول العقاقير المضادة للقلق والاكتئاب من قبلهم.

النساء أكثر قدرة على البوح، ولا يجدن في الأمر مسبّباً للشعور بالخجل أو العار بعكس الذكور في المجتمع السوري

لا يجد هشام ضيراً من استخدام الدواء، طالما أنّ ذلك بإشراف طبي. وفي الحقيقة فقد ساعده الدواء بشكل كبير على التفكير الإيجابي والعملي لإيجاد حلول في قضايا ضاغطة في حياته.

"راجعت أكثر من طبيب ومعالج نفسي، وقد أجمعوا على أنني في حاجة إلى دواء، طالما أنني لا أزال أعيش ضمن ظروفي الحالية، كحاجة الإنسان إلى قناع أوكسجين في بيئة ملوثة. وفي الحقيقة، شعرت بالخوف والقلق في بداية الأمر عندما لاقيت إجماعاً على ضرورة خضوعي لعلاج دوائي، لكنني في الوقت نفسه أيقنت أن إجماعهم نابع من فكرة أنّ مسببات الاكتئاب خارجية ومتغيرة، وأنني سأتخلص من حاجتي إلى الدواء في اللحظة التي تتغيّر فيها الظروف، والتي لن تتغير، طالما لا أستطيع التفكير بتوازن لإيجاد حلول جذرية.

هشام: شعرت بعجز وسلبية لم أشعر بهما في حياتي. لكنني بعد أن بدأت تناول الدواء أصبحت قادراً على البحث عن فرص محتملة هنا وهناك

تعرضت لخسارة لا تعوض، فقدت زوجتي في تفجير إرهابي في حي عكرمة في مدينة حمص، كان ابني لا يزال رضيعاً، وبعد عامين تم تشخيص إصابته بمرض التوحد. لم أفكر في السفر خارج سوريا يوماً، حتى في أحلك الظروف والأيام التي مرت خلال الحرب، وحتى عندما توفيت زوجتي. لكنني بعد أن علمت بمرض ابني تملكني هاجس السفر. وصلت إلى هذه القناعة متأخراً على ما يبدو، بعد أن أصبح سفر السوريين بالطرق النظامية وغيرها شبه مستحيل، ومع توارد الأخبار عن توقف استقبال اللاجئين وعن احتمال إعادتهم إلى سوريا. أصبت بالقلق والاكتئاب، وشعرت بعجز وسلبية لم أشعر بهما في حياتي. لكنني بعد أن بدأت تناول الدواء أصبحت قادراً على البحث عن فرص محتملة هنا وهناك. وأصبح السفر وتأمين بيئة داعمة لابني مصدر أمل وطموح بدلاً من أن يكون هاجساً ضاغطاً. أنا شبه متأكد من أنني لن أحتاج إلى الدواء في اللحظة التي أضع فيها قدمي في مكان جديد أستطيع تأمين الدعم والأمان والفرص لابني. وحتى ذلك الحين، لا بأس من الاعتراف بأنني كائن يحتاج إلى بعض المساعدة في مواجهة آلامه ومخاوفه".

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد