البحث عن السعادة

الحب في الخمسين


ماذا تفعل حين يداهمك الحب في الخمسين من العمر؟ وماذا تفعل حين يكون من تحبه رجل أمن فيما ابنك الأول قتل في المعارك بعد سحبه إلى الجيش فيما الثاني قتل تحت التعذيب؟ هل ترضخ لنداء القلب أم؟

05 كانون الثاني 2020

أليس الشامي

كاتبة سورية (الاسم مستعار)

(دمشق)، "لربما كان إيماني بالله، وبأن كل ما حصل هو ابتلاء وامتحان لقوتي وصبري، ولربما لأنني كنت متمسكة بالحياة بنفسي، كلما شعرت بذلك اليأس الكاوي الذي كان يعذبني في كل لحظة، كان ثمة شيء ما في داخلي يشدني من القاع، ويشعرني بأنني لا أستحق كل هذا الألم، وأنني أستحق أن أكون سعيدة على الرغم من كل شيء".

هذا ما تقوله أم علاء لحكاية ما انحكت وهي تدير اللبن على النار في ورشة الطبخ التي تديرها المرأة الخمسينية في منزلها الذي تستأجره في منطقة دمر البلد، تعمل مجموعة من ثمانية نساء دون كلل أو ملل لإنجاز طلبيات المأكولات والحلويات لعدة عائلات ثرية في دمشق ولمناسبات مختلفة: خطبة، عيد ميلاد، وليمة غداء عائلية وغيرها.

كثيرات هن النساء اللواتي امتهن الطبخ في منازلهن واستلام الطلبيات معتمدات على علاقاتهن ومعارفهن وعلى سمعتهن الطيبة من جودة الطبخ ونظافته وتسليمهن المواد المطلوبة على الموعد وبأسعار مقبولة. لكن ورشة الطبخ البيتي التي تديرها أم علاء، تتميز بكونها أيضاً، أمنت فرص عمل لمجموعة من السيدات النازحات من الريف الدمشقي، وكلهن زوجات لمفقودين وقتلى. كذلك هن المعيلات الوحيدات لأسرهن ومقيمات في بيوت بالأجرة في مناطق مختلفة من دمشق.

نزوح أم علاء

أم علاء نفسها عانت ما عانته في السنوات الماضية، فبعد أن نزحت مع ابنيها الشابين من داريا في عام 2012، وتركت زوجها يقاتل مع المعارضة المسلحة، كان آخر تواصل بينها وبين زوجها عام 2013.

اعتقل ابنها علاء على أحد الحواجز الامنية عام 2013، وفي نفس الفترة سحب ابنها الآخر علي، إلى خدمة العلم، وقتل في حلب بعد ذلك بعام واحد، ثم استلمت هوية ابنها علاء الذي قتل تحت التعذيب في أحد فروع الأمن العسكري حسب ما تعتقد عام 2015. لم يبق لدى أم علاء ما تعيش لأجله، وفكرت بالانتحار أكثر من مرة، لكن شيئاً ما كان يمنعها، وفق ما تقول لحكاية ما انحكت.

على موعد مع الحب

عام 2013 بدأت أم علاء تطبخ في منزلها وتبيع ما تطبخه على نطاق ضيق لتسد قيمة الأجار واحتياجاتها واحتياجات ابنها العسكري الذي كان لا يزال على قيد الحياة في ذلك الوقت. واستمرت بالعمل وحدها حتى عام 2015، عندما قرر صاحب المنزل رفع الأجرة، دون أن يلقي بالاً لكل ما كانت تمر به في ذلك الوقت من فجيعة بمقتل ابنيها. وفي خضم كل ذلك البؤس، كان جارها، وهو مساعد أول في الأمن السياسي، من جيرود، يعيش قصة حب صامتة كانت هي بطلتها.

أبو مضر، رجل في الخمسينات أيضاً، مطلق ويعيش وحده في بيت في دمر البلد، صادف أن بابه مواجه لباب منزل أم علاء، كان ينتظرها كل صباح عندما تخرج من بيتها لتشتري أغراضها من لوازم الطبخ، كان يراقبها بهدوء، واستغرق منه وقتاً طويلاً قبل أن يعرض عليها خدماته في مساعدتها بحمل حاجياتها في طريق عودتها إلى البيت. كانت أم علاء خمسينية، ممتلئة الجسم، ورغم كل ما مرت به كان وجهها بالكاد يحوي على التجاعيد، ابتسامتها الطيبة الخجولة ودعواتها له بالتوفيق كانت ترفع مزاجه لأيام، وهو الأعزب الذي لا يوجد من يؤنسه في وحدته.

أم علاء بدورها كانت منشغلة بما يجري في حياتها ومنهمكة في التعامل مع الخسارة والألم، فلم تلحظ اهتمامه، وفي حقيقة الأمر كانت تنتابها مشاعر مختلطة تجاهه، وكان يشوب امتنانها الحذر والخوف، كونه رجل أمن في النهاية، ولو بدا أنه رجل طيب وشهم. لكن ذلك لم يمنعها أن تهديه وجبة طعام من طبخها بين الحين والآخر.

رب ضارة نافعة

لكن العلاقة توطدت بين الاثنين عندما واجهت مشكلة زيادة الأجرة، فأم علاء، كانت في أشد حالات يأسها من الحياة، عندها تدخل الرجل بالإقناع وببعض الترهيب ليتوصل إلى تسوية مقبولة مع صاحب المنزل الذي زاد الأجرة زيادة رمزية، وأبقى على أم علاء مستأجرة لديه.

استضافت أم علاء جار الرضا على الغداء، متحدية في ذلك كل قناعاتها السابقة في إدخال رجل غريب إلى المنزل، ومتحدية جيرانها الذين شعرت باستهجان مبطّن في نظراتهم، فالمرأة لا تزال متزوجة في نظر العرف والقانون، وهي أم ثكلى لا داعي لكي تضع نفسها في موقع يجعلها عرضة للقيل والقال.

تضحك أم علاء وهي تعطي تعليماتها لإحدى السيدات التي تعمل في لف اليبرق: "لا تخليها تخينة كتير، ما بيحبوها هيك.. المهم.. سبحان الله قسمة ونصيب. ما كانت فارقة معنا لا أنا ولا أبو مضر. كنا مرتاحين ومبسوطين. وهو آدمي ودرويش ووحداني. كنا نقعد ناكل ونحكي وما نحس بالوقت. بعدين بيوم من الأيام قلي تتجوزيني يا أم علاء. وقلتلو إي. بصراحة أنا ما تجوزت جوزي عن حب. الله يسهلو إذا كان عايش ويرحمو إذا كان ميت. بس أنا عايشة ومن حقي إني ارتاح وانبسط بالوقت البقيان من عمري".

وبما أن قانون الأحوال الشخصية في سوريا يسمح بتفريق الزوجة وزواجها من آخر في حال غاب زوجها عنها أكثر من سنة دون أن تعرف عنه شيئاً، فقد كان الخيار متاحاً أمام الحبيبين بالارتباط، فتزوجا عام 2016، ويعيشان معاً في منزل أم علاء، بعد أن انتقل أبو مضر وغير عقد الأجار ليصير باسمه وسلم منزله.

الماضي الذي لا يمضي

أما أم علاء فقد تصالحت مع الماضي وتتطلع إلى مستقبل آمن ومستقر مع زوجها الجديد: "أحياناً بتذكر أولادي وببكي، بس الانسان لازم يقدر يستمر، ويحس بقيمة وجودو بالحياة، شو طالع بالإيد غير إنو نتأقلم وننسى ونعيش. الله يرحمهم ويقدرني شي يوم آخد بحقهم من اللي أذاهم. بس كمان أنا عايشة مشان أبو مضر ومشان هالستات اللي عم يصرفوا على عيلهم. بتمنى انو يتعلموا من اللي صار معي ويفكروا بحالهم أكتر".

وفي الحقيقة فتجربة أم علاء ألهمت عدة نساء من العاملات لديها في ورشة الطبخ على اتخاذ قرارات جريئة لم تكن مقبولة في وسطهن الاجتماعي قبل تعرفهن عليها.

الحب يعدي أم التجربة؟

تقول رحاب لحكاية ما انحكت: "عندما تعرفت على أم علاء ودعتني للعمل معها كنت أرملة جديدة، زوجي توفي في المعتقل وتركني مع ثلاثة أطفال، كان ابني الأكبر يبلغ الخامسة وكنت قد أنجبت توأم إناث قبل شهور قليلة من اعتقال زوجي. مضى على خبر وفاته الآن خمسة أعوام. خلالها تعرفت على رجل لطيف يعمل نجاراً وهو كسيب ويحب أطفالي كثيراً. فكرنا بالزواج، لكن القانون السوري يلزمني إذا تزوجت أن أسلم أطفالي لشخص آخر من عائلتي، والدتي متوفية وليس لدي إلا أختي، هل يعقل أن يكون زوج أختي أحن على أولادي مني ومن زوجي الذي يحبهم كأنهم أطفاله؟ على كل حال، نحاول أن نجد منفذاً ولو شكلياً لهذه القضية، وألا تتسبب هذه الخطوة بأي أذى لأطفالي الذين يحبون هذا الرجل ويثقون به. على الرغم من أن ابني الاكبر كان ممتعضاً في البداية، لكنه متقبل لفكرة زواج أمه ثانية. لقد عانينا كثيراً نحن النساء، من أرامل وزوجات معتقلين ومفقودين، ولا أحد يرحمنا. من حقنا أن نبحث عن حلول لحياتنا القاسية".

طعم الحرية

أم فارس لديها رأي آخر لكنه لا يقل جرأة. تقول لحكاية ما انحكت وهي تضرب العجين بقبضتها: "أنا رفعت دعوى تفريق وكسبتها، زوجي بالسجن ألو 5 سنين مو مبين. بس ما عملت هيك لأتزوج مرة تانية. أنا عم اشتغل وعيل ولادي. كنت قاعدة بمركز إيواء ومن شغلي قدرت اطلع واستأجر بيت لحالي أنا وولادي. حاسة بطعم الحرية لأول مرة بحياتي. وحاسة حالي مستقلة وقادرة. مو ضروري اتجوز إلا إذا لقيت مين يقدرني ويحترمني. والأكيد أنو ما عاد بدي وقف شغل وخلي حدا يصرف عليي. هالمحنة قوتني كتير وخلتني أعرف شو بقدر اعمل لحالي، بعد ما كان زوجي هو المسؤول عني".

عنايت، أيضاً فتاة عشرينية تزوجت مبكراً قبل أن تنزح مع أطفالها من الغوطة الشرقية ويقتل زوجها في إحدى المعارك مع الجيش النظامي، تبدو متحفظة قليلاً تجاه تجارب قريناتها. ولكنها تقول لحكاية ما انحكت: "والدي بيوصلني لعند أم علاء وبيرجع بياخدني، لأنو بيخاف على سمعتي وسمعة أولادي. عم اجي اشتغل وساهم بأجرة ومصروف البيت. عايشين أنا وأختي وأولادنا، وأختي كمان زوجها مو معروف وينو، وأبي وأمي بغرفتين ومنتفعاتون بوادي بردى. أحياناً كتير بيعرضوا عليه انو يزوجني مرة تانية بس أنا عم ارفض مشان أولادي. وبصراحة أنا اكتفيت من الزواج كلو، ما اجاني من هالقصة غير التعتير ووجع الراس. بس بدي ولادي يكبروا ويتعلموا وما يشتهوا شي".

تقول أم علاء مخاطبة عنايت: "لساتك صغيرة يا بنتي، بس أهم شي ما تخلي حدا يقرر عنك شو بدك. ولا تخلي حالك بآخر القائمة. ولادك وأبوكي ورضاهن مهمين، بس مو أهم منك. بعرف اللي عم احكيه هلأ صعب تفهميه. بس بيوم من الأيام رح تطلعي وراكي وتشوفي عمرك مرق وما عشتي يوم واحد متل ما بدك. لا تعملي هيك بحالك".

الحب في الخمسين

تنظر النساء لأم علاء بهيبة واحترام، وهن يسلمنها عمل أيدهن، وتحاسبهن وهن يخرجن من الباب، ثم ترتب المأكولات وتفرزها في أكياس كتبت عليها أسماء أصحاب الطلبيات. تغير ثيابها وتضع بعض أحمر الشفاه، وهي تنتظر أبا مضر الذي اقترب موعد وصوله إلى المنزل.

تضحك أم علاء، وهي تقول: "حدا بيحب بالخمسين غيرنا؟ الله لا يحرم حدا من المحبة!".

(جميع الأسماء مستعارة حسب رغبة الأشخاص)

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد