هل هناك سرديّة جديدة عن فلسطين في الإعلام؟


قام ناشطون وصحفيون فلسطينيون، بالإضافة إلى مجموعة من الجهات الفاعلة على المستوى الدولي، في أيار الماضي، بتحدي الروايات المؤيدة لإسرائيل، بشكل لم يسبق له مثيل، مما أدى إلى تغيير في سرديّة "الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي".

08 تموز 2021

انريكو دي انجيليس

باحث مستقل متخصص بالاعلام في العالم العربي. يحمل شهادة الدكتوراه من جامعة سالرنو، ايطاليا. لديه العديد من المقالات في مجال الاعلام والتواصل في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا بالاضافة إلى كتاب عن الاعلام والنزاعات. هو أحد مؤسسي حكاية ما انحكت وعمل كباحث مستقل مع عدد من المنظمات غير الحكومية. يعمل حاليا كباحث مع مؤسسة Free Press Unlimited ويقيم في برلين.

عبير قبطي

صحفية وكاتبة فلسطينية، مقيمة في برلين حيث تحضّر لرسالة الدكتوراة في قسم الاعلام والاتصالات في جامعة برلين الحرّة. عملت في السابق كمنسقة إعلاميّة أو ناطقة بلسان عدة مؤسسات فلسطينيّة. تكتب في عدد من وسائل الإعلام كما وأعدّت وقدّمت الموسم الثالث من بودكاست “عيب” والموسم الأول من بودكاست “المستجد”.

Translated By: دلير يوسف

نُشر هذا المقال أولًا باللغة الإنجليزيّة وهذه ترجمته العربيّة.

لا يمكننا التقليل من شأن معركة السرديّات حول الأحداث الجاريّة في فلسطين. من المرجح أن يكون لنتائج هذه المعركة، بما في ذلك تلك التي تدور في وسائل التواصل الاجتماعي، تداعيات عميقة على كيفيّة صياغة القضايا المتعلقة بفلسطين في المستقبل.

من المؤكد أنّ بعض السياسات لها اليد العليا دائمًا في وسائل الإعلام، لكن ومع ذلك، فإنّ كيفيّة تأطير وسائل الإعلام لحدث ما، يمكن أن يفتح طرقًا جديدة للتفكير في ذلك الحدث، وبالتالي يمكن أن يُمهّد الطريق لمقاربات سياسيّة مختلفة.

في هذا المقال، نقدّم منظورًا أوسع حول كيفيّة سرد الأحداث في فلسطين، في الأسابيع الأخيرة، ما بين التحديات القديمة من ناحية، و"ربما" الاتجاهات الجديدة من ناحية أخرى. في الواقع، إذا ما نظرنا إلى الوضع الحالي من منظور إعلامي، فإنّ الصورة تبدو مشوّشة، تجمع ما بين القديم والجديد.

تفعيل الاستراتيجيات القديمة

بمجرد أن أطلقت حماس الصواريخ على إسرائيل في شهر أيار الماضي، تمّ تفعيل سلسلة من وسائل الإعلام التقليديّة واستراتيجيات العلاقات العامة على الفور. كانت مشاهدة الكثير من التغطيات الإعلاميّة ومن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين والغربيين بمثابة تجربة وهم سبق الرؤية (ديجا فو).

بين التطوير الإعلامي والدعاية السرية: اختلاف ممكن وضروري

27 حزيران 2020
"على الرغم من إدراكنا للشكوك المحيطة بمصادر التمويل الأجنبي، لا يمكننا أن ننكر الدور الأساسي للصحافة عموما، ومنها صحافة المواطن، في أزمنة الحرب". هذا كان ردّنا على سلسلة من تحقيقات...

تمّ تأطير القضية بأغلبيّة ساحقة على إنّها "صراع" ذو جانبين بين حماس وإسرائيل، وكثيرًا ما أُلقي اللوم على الفلسطينيين في الاعتداءات الإسرائيليّة، في حين أنّ الصمت الشديد قابل الأفعال الإسرائيلية في افتقار واضح لمبادئ المساءلة. في بعض الأحيان، بدت المصطلحات الواقعيّة مثل "الاحتلال" أو "الأراضي المحتلة"، مرة أخرى، من المحرمات الصحافيّة.

استراتيجيات وسائل الإعلام هذه لها تاريخ طويل. يشير المؤرخ الفلسطيني الأمريكي رشيد الخالدي، إلى أنّ تعريف الهويّة الفلسطينيّة كان دائمًا في صميم صراع السرديّات، فبعد إنشاء دولة إسرائيل في العام 1948، تمّ محو الشعب الفلسطيني كأمة متميزة تمامًا، وذلك وفقًا للأسطورة الصهيونيّة التي اعتبرت فلسطين "أرضًا بلا شعب لشعب بلا أرض"، وبذلك أصبح الشعب الفلسطيني غير مرئي في وسائل الإعلام.

نادرًا ما تمّ ذكر الفلسطينيين في وسائل الإعلام وفي الخطابات السياسيّة، خلال الحروب العربيّة الإسرائيليّة، حيث استغرق الأمر سنوات من النضال لدفع وسائل الإعلام والمجتمع الدولي تدريجيًا للتوقف عن إنكار وجود "شعب فلسطيني"، وخلال مرحلة نضال منظمة التحرير الفلسطينيّة المُسلّح ضدّ اسرائيل، تمّ تأطير الفلسطينيين بصورة "إرهابيين".

شكّلت الانتفاضة الأولى (1987) نقطة تحول -تقريبًا شكّلت حدثًا فريدًا من وجهة نظر إعلاميّة- حيث فرض الفلسطينيون أنفسهم كأبطال في التغطيّة الإخباريّة، وبذلك تمّ الاعتراف بنضالهم على أنّه نضال شرعي بشكل متزايد، بعد عشرين سنة من تصويرهم على شكل "إرهابيين".

غالبًا ما كان يُصنف الفلسطينيون الذين يحملون الجنسية الإسرائيليّة على أنّهم "عرب"، على عكس "اليهود"، ممّا يشير إلى مشكلة ثقافيّة أو عرقيّة بدلًا من مشكلة سياسيّة.

لكن، وفي العقدين التاليين لاتفاقيات أوسلو، تحوّلت التغطية مرة أخرى ضدّ الفلسطينيين، وبالطبع لعبت أحداث الحادي عشر من أيلول دورًا حاسمًا، حيث خُلقت بيئة ثقافيّة جعلت من السهل جدًا على إسرائيل تقديم نفسها كموقع أمامي في مواجهة "الإرهاب الإسلامي".

من نواحٍ عديدة، مالت تغطية الجولة الأخيرة من سلب البيوت والتهجير والقصف والقتل في أيار الماضي إلى الالتزام بالمنطق والاتجاهات نفسها.

ينبع إنكار الفلسطينيين كشعب موحّد من خلال فصل إسرائيل لهم عن طريق التقسيمات الجغرافيّة المصنّعة، حيث يتم  التعامل مع الفلسطينيين في القدس وغزّة والضفة الغربية وفي الداخل على أنّهم كيانات مختلفة، وليسوا شعبًا واحدًا.

بالنسبة للفلسطينيين في القدس، كانت السرديّة تدور حول "عمليات الإخلاء" بدلًا من التهجير القسري وسلب منازل العائلات، والتي هي مسألة "نزاعات عقاريّة" يتم البت بها في  المحاكم. وما حصل في المسجد الأقصى "اشتباكات"، وفي غزة، كان الأمر يتعلق بـ "الصراع" بين إسرائيل وحماس، وبالنسبة لفلسطينيي الداخل، تمّ تحويل الاحتجاجات الجماهيريّة إلى مسألة "أعمال شغب" ومشكلة "القانون والنظام" و"تحدي للتعايش".

غالبًا ما كان يُصنف الفلسطينيون الذين يحملون الجنسية الإسرائيليّة على أنّهم "عرب"، على عكس "اليهود"، ممّا يشير إلى مشكلة ثقافيّة أو عرقيّة بدلًا من مشكلة سياسيّة.

في حالة غزة، أدى تأطير القضيّة على أنّها صراع ثنائي الجانب إلى إعفاء وسائل الإعلام من معالجة الظروف المعيشيّة اليوميّة للفلسطينيين في ظل خمس عشرة عامًا من الحصار الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي. الناس العاديون يتحولون، في أحسن الأحوال، إلى "دروع بشريّة". في إطار هذه السرديّة، وغالبًا ما كان هناك ميل للتأكيد على أنّ الجيش الإسرائيلي يستهدف حماس فقط، وليس الفلسطينيين، كما لو أن حماس ليست مكونًا من مكونات المجتمع الفلسطيني.

في النهاية، تمّ تقليص الموضوع إلى مسألة تتعلق بأمن إسرائيل، بما يتماشى مع الفكرة المهيمنة المتمثلة في أنّ "لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها"، والتي سرعان ما تكررت حتى أصبحت شعارًا للمتحدثين الرسميين وللمحللين السياسيين، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة.

اتهامات قديمة وتغطية سيئة

بدت هذه الاستراتيجيات القديمة، على الأقل في المرحلة الأولى، فعّالة للغاية. لم يعتمد هذا النجاح فقط على آليات العلاقات العامة الجيدة أو على الخلفيّات الثقافيّة المحدّدة مسبقًا، ولكن أيضًا على المزيد من العيوب الهيكليّة المُلازمة لآليات إنتاج الأخبار.

مالت وسائل الإعلام إلى تغطية الأحداث الأخيرة، دون تقديم سياق أوسع. عند إطلاق النار، يهبط  المراسلون/ات كالمظلة لتغطية القتال، وغالبًا ما يظل سردهم للأحداث سطحيًا ومرتكزًا على الوقت الحاضر.

لكن هذا الافتقار إلى السياق يمثّل مشكلة خاصة عندما يتعلق الأمر بفلسطين، حيث تُترك الحقائق اليوميّة المُعاشة تحت الاحتلال، والظروف المعيشيّة في غزة، وممارسات الاستعمار عبر فلسطين التاريخيّة خارج الصورة، فيتم تجاهل السياق التاريخي بشكل واضح، وذلك لأنّه "معقد للغاية".

بدون هذا السياق، يُترك الجمهور مع مجرد "صراع"، ممّا يشير إلى وجود جانبين يتمتعان بقوة متكافئة.

ومع ذلك، فإنّ توفير السياق ليس بالأمر الصعب للغاية. على سبيل المثال ، تمكنت صانعة محتوى مصريّة أمريكيّة من شرح هذه المشكلة "المعقدة" وتقديم خلفية تاريخيّة من خلال مقطع فيديو مدته دقيقة ونصف، نشرته على حسابيها على موقعي تيك توك وانستغرام، وحقّق انتشارًا واسعًا.

عرّف إدوارد سعيد القضية الإسرائيليّة الفلسطينيّة على أنّها "أكثر الصراعات جغرافيّة". ومع ذلك، غالبًا ما تكون الخرائط (وبكلّ بساطة) مفقودة خلال تغطية أحداث فلسطين. من دون تصوّر جغرافي، يستحيل فهم مدى تجزئة الأرض الفلسطينيّة بشكل كامل، ومدى نهب أراضيها، والظلم الواقع على  شعبها بسبب سياسات الاستعمار الإسرائيليّة على الأرض.

يساهم هذا "الغياب" أيضًا في تقديم جذور القصة على أنّها "معقدة" بشكل كبير، وهي حجة تُترجم إلى "درع" يمنع أيّ تساؤل حول هياكل القوة.

بدون هذا السياق، يُترك الجمهور مع مجرد "صراع"، ممّا يشير إلى وجود جانبين يتمتعان بقوة متكافئة.

في كثير من الحالات، انقلب هذا التماثل، وصُوِّر الفلسطينيون على أنّهم المعتدون، ووصفت وسائل إعلام مثل "أسوشيتد برس" و"بي بي سي" الفلسطينيين بأنهم "يموتون" فيما كان الإسرائيليون "يُقتلون"، كما تمّ نسخ عنوان وكالة أستوشيتد برس من قبل العديد من المنافذ الإخباريّة دون مساءلة.

هل تغيّر الزمن؟

في هذا السياق، بدأت حملة شعبيّة ضخمة على وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من المنصات، حيث قام الناشطون/ات والصحفيون/ات الفلسطينيون/ات، وكذلك مجموعة من الجهات الفاعلة على المستوى الدولي، في شهر أيار الماضي بتحدي الروايات المؤيدة لإسرائيل بشكل لم يسبق له مثيل.

في البداية بدت المهمة مربكة، حيث ظهرت منصات التواصل الاجتماعي كمساحات مُعادية تمامًا، مما أدى إلى اتهام منصات فيسبوك وإنستغرام وتويتر بإخفاء أو حتى إسكات الأصوات الناقدة.

عندما يتعلق الأمر بالمجال الإعلامي، يقبع الفلسطينيون في وضع مجحف، فَهُم يعانون من فجوة رقميّة بسبب نقص في البنية التحتيّة وبسبب أشكال الرقابة والتحكم التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، غالبًا بتواطؤ من عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين مثل جوجل ومنصات الرقابة المجتمعيّة.

قام ناشطون/ات إعلاميون/ات فلسطينيون/ات وآخرون بتطبيق استراتيجيات مختلفة لمحاربة هذه البيئة الافتراضيّة المعادية. لقد هاجموا عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مباشر وبطرق مختلفة: حملات لتخفيض تقييم هذه الشركات، والتغطية الإعلاميّة التي تنتقد سياساتهم، وفضح أوجه  الرقابة. كما قدمت مجموعات من موظفي فيسبوك وجوجل عرائض محتجة ومطالبة بالشفافيّة وتغيير سياسات المنصات. قام المستخدمون بتغيير الكلمات والمصطلحات باللغة العربيّة لتعطيل الخوارزميات والتشويش عليها. قدّمت مبادرة "الكتابة بلا تنقيط" حلاً آخر، الكتابة باللغة العربيّة  دون استعمال النقاط. كذلك نشر النشطاء صورًا شخصيّة على منشورات سياسيّة بهدف الالتفاف على خوارزميات منصات معينة.

أحدث كلام السياسيين/ات الأمريكيين والعديد من المشاهير عن القضية وتحدي السرديّات المؤيدة لإسرائيل تأثيرًا مباشرًا على وسائل الإعلام الأمريكيّة.

والأهم من ذلك، عندما نمت الحملة الإعلاميّة، أصبح من الصعب على المنصات مراقبة وإسكات كلّ المحتوى. هناك حدود لقدرة فريق المراقبة على مراقبة المحتوى والتعامل معه.

بدأت التغريدات والمنشورات تتراكم ككرة ثلج إعلاميّة، وبدا أنّ المد ربما، ولأول مرة، يتحول. أصبح عدد من مشاهير التلفزيون أكثر صراحة، فاتهم الممثل الكوميدي البريطاني الأمريكي جون أوليفر إسرائيل بارتكاب "جرائم حرب" في جزء من برنامجه، وقال مضيف قناة MSNBC التلفيزيونيّة، آلي فيلشي، إنّ ما تفعله إسرائيل هو "فصل عنصري" (أبارتايد). حتى داخل الكونجرس الأمريكي، بدا أن نهج التعامل مع هذه القضية يتغير، حيث تحدّث بيرني ساندرز وإلهان عمر بصوت أعلى من المعتاد  بشأن ما يحدث، وكذلك الأمر بالنسبة إلى رشيدة طليب وكوري بوش وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، حيث غردت كل منهن على موقع تويتر هذه العبارة: "دول الفصل العنصري ليست ديمقراطيّة".

أحدث كلام السياسيين/ات الأمريكيين والعديد من المشاهير عن القضية وتحدي السرديّات المؤيدة لإسرائيل تأثيرًا مباشرًا على وسائل الإعلام الأمريكيّة، وكما يصف عالم الاتصالات دانيال هالين في سياق حرب فيتنام، فإنّ النموذج "الموضوعي" للصحافة الأمريكيّة يظهر عندما تنقسم النخب، حيث ينعكس هذا الانقسام على وسائل الإعلام.

لذلك، ليس من المذهل أن نشاهد اليوم، الآراء السياسيّة التي كانت مغيبة عن وسائل إعلام مثل الواشنطن بوست أو نيوزويك قد بدأت فجأة في الحصول على مساحة.

مع ذلك، وعلى الرغم من أنّ صحيفة نيويورك تايمز قررت للمرة الأولى تخصيص صفحتها الأولى لصور وأسماء الأطفال الفلسطينيين ضحايا القصف على غزة، فلا ينبغي لنا أن نتوهم أن تغييرًا جوهريًا في الخط التحريري قد حدث. أولاً، تقديم الضحايا دون شرح  السياق، كيف قتلوا ومن قتلهم ولماذا، لا يزال يمثل مشكلة للأسباب التي شرحناها أعلاه. ثانيًا، كما أشار كل من بيلين فيرنانديز وفادي جودة، فإنّ نيويورك تايمز، مثل معظم وسائل الإعلام الأمريكيّة، تواصل تخصيص الكثير من مساحتها للسرديّات المؤيدة لإسرائيل والمدافعة عنها.

في الوقت نفسه، تظهر أيضًا داخل المؤسسات الإعلاميّة بعض التطورات الجديدة. ففي رسالة مفتوحة، دعا مئات الصحفيين والصحفيات، بما فيهم مراسلون/ات من واشنطن بوست، ومن وول ستريت جورنال ومن لوس أنجلوس تايمز، إلى إنهاء التعتيم على اضطهاد الفلسطينيين في الصحافة.

الصحافة في روجافا (1)

29 آذار 2019
تتناول هذه السلسلة المكونة من أربعة أجزاء، والتي يكتبها الباحثان والأكاديميان، الإيطالي أنريكو دي إنجليس، والسوري يزن بدران، بيئة الإعلام في شمال شرق سوريا. وستركز المقالات الثلاث الأولى على تحليل...

لا يمكننا أيضًا تجاهل تأثير تقريرين مهمين، نشرتهما مؤخرًا منظمة غير حكوميّة إسرائيليّة (بتسيلم) ومنظمة هيومن رايتس ووتش، يصفان  الممارسات الإسرائيليّة في فلسطين بـ"الفصل العنصري"، وهي كلمة كانت تستخدم من قبل فقط بين دوائر محددة من الناشطين/ات والأكاديميين/ات المعنيين/ات بفلسطين.

نهج جديد للفلسطينيين في طرح رسالتهم 

على كلّ حال، لم يكن أيّ من هذه التحولات ممكنًا لولا ظهور أصوات فلسطينيّة جديدة تتحدى السرديّات التقليديّة باستمرار، ومن هنا بدأت التغيرات الرئيسيّة تحدث.

نشهد في هذه الفترة، ظهور جيل أصغر سنًا من الفلسطينيين/ات على الشاشات، يستعيد الحيز العام كي يشرح السياق والتاريخ والمنظور بوضوح وصراحة غير مسبوقين.

نحن نشهد الآن المزيد والمزيد من الأصوات التي ترفض أن يتم حصرها في  موقع دفاعي، وترفض أن تكون مهذّبة إرضاءً لجماهير غربيّة. المتحدّثون/ات الفلسطينيون/ات أكثر استعدادًا اليوم للتحدث دون اعتذار ولتحدي الأسئلة بدلًا عن مجرد الإجابة عليها، ولهذا السبب تلقّوا دعمًا متزايدًا عبر الإنترنت.

عندما تتوقف الأسلحة الثقيلة عن إطلاق النار، تميل وسائل الإعلام إلى التوجه نحو مكان آخر.

لحظةٌ مميّزة مثّلت هذا التحول خلال مقابلة الكاتب الفلسطيني محمد الكرد مع شبكة سي إن إن، حين سألته المُضيفة "هل تؤيد الاحتجاجات؟ الاحتجاجات العنيفة التي اندلعت تضامنًا معك ومع أسرتك؟" وعوضًا عن الإجابة، سأل الكرد ببساطة ردًا على المُضيفة: "هل تؤيدين تهجيري أنا وعائلتي؟"

حدّدت هذه المقابلة نمط ظهور العديد من الفلسطينيين/ات في وسائل الإعلام. الآن صرنا نرى أصواتًا لأشخاص أصغر سنًا، من بينهم العديد من النساء، قادرين/ات على التواصل مع وسائل الإعلام كما لم يكن أسلافهم/ن قادرين/ات على ذلك.

علاوة على ذلك، فإنّ هذه الأصوات الجديدة حريصة جدًا على تقديم نضالها على أنّه كفاح موحد، متحديّة تجزئة القضايا الفلسطينيّة. يؤكد المتحدثون الفلسطينيون من غزة والقدس والضفة الغربيّة والداخل في وسائل الإعلام على أنّ جذور القضية واحدة، حتى لو كانوا يعيشون في ظروف مفكّكة ومختلفة. نتائج هذه الجهود هي أن كلمات مثل "الفصل العنصري" و"التطهير العرقي" و"الاضطهاد" و"الاستعمار الاستيطاني" تنتشر اليوم أكثر فأكثر، وصولًا إلى وسائل الإعلام الرئيسيّة.

حرب المواقع

بدأ اهتمام وسائل الإعلام الخارجيّة بفلسطين بالتلاشي منذ الشهر الماضي. كان هذا متوقعًا ولا مفر منه، فعندما تتوقف الأسلحة الثقيلة عن إطلاق النار، تميل وسائل الإعلام إلى التوجه نحو مكان آخر.

الحياة اليوميّة تحت الاحتلال، والحصار المفروض على غزّة ، وقضايا التهجير في حيّ الشيخ جراح أو حيّ سلوان في القدس، والاعتقالات الجماعيّة للفلسطينيين، لا تستحق المتابعة والنشر مثل الصواريخ التي تعبر السماء.

لكن، لا يمكننا محو ما تم تحقيقه في الأسابيع الأخيرة: تحول ملحوظ في السرديّات واللغة المستخدمة في الحديث عن فلسطين. لقد صارت الأدوات المفاهيميّة الجديدة للتعامل مع هذه القضية متاحة الآن على نطاق أوسع بكثير.

حصل جيل جديد من الأصوات، ذكورًا وإناثًا، على مساحات في وسائل الإعلام المركزيّة، والتي نأمل ألا يتم استبعادهم/ن منها بعد الآن. أولئك الفلسطينيون/ات يعرفون كيفيّة التواصل مع جمهور أصغر سنًا، ومع وسائل الإعلام الدوليّة. سيكون من الصعب، وإن لم يكن مستحيلًا، أن يتم إخراجهم/ن من الصورة مرة أخرى.

التغيير الذي يحدث في الولايات المتحدة، الداعم الدبلوماسي والمادي الرئيسي للاحتلال الإسرائيلي، له أهميته الخاصة، فبعد سنوات من العمل والتنظيم من قبل الحركات الفلسطينيّة قد بدأت ثمار هذا العمل تظهر. مجموعات مثل مؤسسة فهم الشرق الأوسط (IMEU) والحملة الأمريكيّة من أجل حقوق الفلسطينيين، تقود توجهًا متقاطعًا مع المجتمعات المضطهدة الأخرى في الولايات المتحدة. 

لطالما أعرب إدوارد سعيد عن أسفه لأنّ الفلسطينيون/ات في الولايات المتحدة لا يستطيعون تنظيم أنفسهم للتواصل بشكل أكثر فاعليّة وأن يكونوا أكثر صراحة، كما فعلت الجماعات الموالية لإسرائيل لفترة طويلة. الآن هذا يتغير.

لعبت حركة "حياة السود مهمة" (Black Lives Matter) أيضًا دورًا حاسمًا. روجت الحركة للخطابات والمفردات السياسيّة التي أعطت الجمهور الأمريكي أدوات جديدة لفهم الواقع الفلسطيني والتواصل معه. يساهم هذا التطور في تقديم بُعد آخر، أكثر شمولًا من الهويات اليساريّة المعاديّة للإمبرياليّة التقليديّة التي ميزته في الماضي. هذا هو بُعد من التقاطع الذي يربط فلسطين اليوم بالنضالات المناهضة للاستعمار والعنصريّة في جميع أنحاء العالم.

يوجد الكثير لفعله. نحن نشهد اليوم، إعادة صياغة مقولة غرامشي، "حرب المواقع". لا يزال الطريق طويلًا قبل أن تصبح سرديّات معينة أكثر هيمنة، مما يؤدي بالتالي إلى المزيد من المساءلة والمزيد من التغيير المادي على الأرض.

مقالات متعلقة

النظام السوري وتشتيت الفضاء العمومي

11 تموز 2020
في ظل سعي النظام المستمر لنقل معركة الخارج إلى ساحة الداخل،  أنشأ لنا منهجاً للتفكير وحولنا إلى ذوات متسلحة بأكبر قدر من أجهزة الأقصاء والمفرغة جسدياً من كل الأدوات المناعية،...
الثورة السورية والقضية الفلسطينية

15 أيار 2021
الحق يقال، فرض نظام الأسد المساواة بين الفلسطيين والسوريين، وهو ما تجلى باعتقال كل فلسطيني لا يغزل على منواله، والتنكيل بهم كما يفعل بالمعارضة السورية، حتى  لشدة عشقه للقضية الفلسطينية،...
الحكاية السوريّة: من الوحدة إلى التشظي

12 نيسان 2021
مع انكشاف كذبة الإصلاح عبر المراهنة على رأس النظام الذي توّسع عنفه وتمدّد طردًا مع توّسع الاحتجاجات وتمدّدها معتمدًا الحل الأمني نهجًا له، ومع بدء دخول القوى الخارجيّة على الخط...
منظمة الصحة العالميّة تكافئ النظام السوري على جرائمه

02 حزيران 2021
لم يختر أعضاء الجمعية العامة لمنظمة الصحة العالميّة حكومة مجرمة فحسب بل اختاروا أنموذجًا برع في هدم نظامه الصحي وتهجير كوادره وإضعاف استجابته، والتلاعب بموارده حتى أعاد النظام الصحي في...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد