محاولة لفك "شيفرة" الاتفاق النفطي بين الإدارة الذاتية وشركة "دلتا" الأمريكية (جزء 2)

في شمال شرق سوريا


مرّ عام كامل على الإعلان عن اتفاقٍ نفطي بين شركة دلتا الأمريكية والإدارة الذاتية (الكردية) في شمال شرق سوريا، ذهبت خلاله إدارة ترامب الراعية للاتفاق وجاءت إدارة جديدة أبطلته مؤخراً. لكن الغموض مازال يحيط ببنود الاتفاق حتى هذه اللحظة. هذا ما يحاول هذا التحقيق فك شيفرته، عبر محاولة الإجابة عن الأسئلة التالية: من هي شركة دلتا هذه ومن هم مالكوها؟ كيف حصلت شركة ناشئة لا تمتلك سجلاً ونشاطات سابقة في مجال النفط، على استثناء من العقوبات المفروضة على سائر الشركات العاملة في سوريا؟ ومن هي الأطراف الموقّعة على الاتفاق والأطراف المستفيدة منه؟ وهل للاتفاق تداعيات سياسية أم أنه اقتصادي بالدرجة الأولى؟

19 تموز 2021

(ينشر هذا التحقيق بالتعاون والشراكة مع شبكة نيريج)

الجزء الثاني (يمكن قراءة الجزء الأول من هذا التحقيق على هذا الرابط)

بعد أن استعرضنا في الجزء الأول، السياق الذي حصلت فيه شركة دلتا على رخصة OFAC للعمل في شمال شرق سورية، يتناول الجزء الثاني من التحقيق الأبعاد السياسية والاقتصادية للصفقة ليس فقط في الداخل السوري  فحسب، بل أيضا على الصعيد الإقليمي،  وبالأخص فيما يتعلق بالدور العراقي والكردي العراقي والتركي.

صمت في بغداد

في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي صرح قائد قوات "قسد" مظلوم عبدي في مقابلته مع موقع "المونيتور" أن "شركة "دلتا" تبذل الجهود من أجل تسويق النفط عبر كردستان العراق.

محاولة لفك "شيفرة" الاتفاق النفطي بين الإدارة الذاتية وشركة "دلتا" الأمريكية (جزء 1)

12 تموز 2021
مرّ عام كامل على الإعلان عن اتفاقٍ نفطي بين شركة دلتا الأمريكية والإدارة الذاتية (الكردية) في شمال شرق سوريا، ذهبت خلاله إدارة ترامب الراعية للاتفاق وجاءت إدارة جديدة أبطلته مؤخراً....

قال لنا "رامي" في هذا السياق، أنّ الشركة لم توّضح كيف ستفك عقدة تصدير الخام إلى تركيا عبر كردستان-العراق بطريقة قانونية ومتجانسة مع قواعد رخص الخزانة الأمريكية.

وأثار تحقيق نُشر على موقع "ذي نيو ريبوبلك" الأمريكي قبل حوالي سنة جدلاً، إذ ذكر نقلاً عن مصادر، أنّ الخطة الأولية لشركة "دلتا" كانت خلط النفط الخام السوري بالعراقي في الأنبوب الذي يربط كركوك ومرفأ جيهان التركي، بغرض حجب مصدر إنتاجه.

وبالأساس، يشكل أنبوب كركوك-جيهان قضية شائكة في العلاقات بين بغداد وأربيل بسبب ملكيته العراقية -التركية، وكانت بغداد قد اعترضت قانونياً أكثر من مرة على استعمال الأنبوب من قبل إقليم كردستان لضخ النفط نحو تركيا.

ويرى "رامي" أن بغداد لن تسمح بتصدير النفط السوري إلى تركيا عبر كردستان العراق.

يقول أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة العراقية، عدنان الجوراني، في رسالة موجهة إلى معد التحقيق عبر تطبيق واتساب: "يجب أن تكون الحكومة العراقية على اطلاع (على أيّ خطة لتصدير النفط عبر كردستان العراق)". ويعتقد أنه "كان عليها إصدار بيان" بصدد اتفاقية "دلتا".

ولكن، وفي موقف يمكن أن يحتمل أكثر من تفسير، لم تعلّق الحكومة الاتحادية العراقية على الصفقة حتى اليوم، على عكس دمشق التي اعتبرتها على الفور "سرقة واعتداء" و"نهب" للنفط السوري، وأنقرة أيضاً نددت بالاتفاق ووصفته بـ "غير المقبول" واعتبرته "دليل واضح على الأجندة الانفصالية" لـ "قسد".

لم تعلّق الحكومة الاتحادية العراقية على الصفقة حتى اليوم، على عكس دمشق التي اعتبرتها على الفور "سرقة واعتداء" و"نهب" للنفط السوري، وأنقرة أيضاً نددت بالاتفاق ووصفته بـ "غير المقبول" واعتبرته "دليل واضح على الأجندة الانفصالية" لـ "قسد".

ووصف كريستان (اسم مستعار لمقاول يعمل أحياناً بعقود مع الحكومة الأمريكية في سوريا) في مقابلة أجراها معه معد التحقيق في أذار (مارس) 2021، صمت بغداد عن خطة "دلتا" للتصدير بـ "سياسة الأمر الواقع" نظراً لعجز الحكومة العراقية عن القيام بأيّ رد فعل في الوقت الحالي.

وقال لحكاية ما انحكت : "ليس لديهم (في بغداد) غطاءً سياسياً كي يسيطروا على معبر فيشخابور (معبر سمالكا الحدودي الذي يربط مناطق الإدارة الذاتية بإقليم كردستان العراق ويُعتبر الشريان التجاري بين الطرفين) (...). ولن يقدموا على ذلك، لأن هذا سوف يفسد الخطة الأمريكية لحماية شمال شرق سورية و(يقطع) خط الإمدادات الإنساني تجاه شمال شرق سورية. (...)".

ويمتلك إقليم كردستان العراق استقلالية كبيرة في القرار عن حكومة بغداد، ولا توجد في مناطقه قوات أمنية اتحادية عراقية، إنما تخضع المنطقة من الناحية العسكرية لسيطرة قوات البيشمركة.

يضيف كريستان: "دعونا نتذكر أنه عندما كان الحشد (الشعبي العراقي، المدعوم إيرانياً) يهاجم مناطق تسيطر عليها قوات البشمركة في شمال العراق (...)، كان الأمريكيون واضحين جداً بأن (معبر) فيشخابور منطقة محظور الاقتراب منها.. وبغداد لم تتجاوز هذا الخط الأحمر".

على كل حال، ليس موقف بغداد هو العقبة القانونية الوحيدة التي قد تواجهها "دلتا"، إنما يعتقد خبراء في القانون الدولي أنّ "نهب" النفط السوري يمكن أن يشكل "جريمة حرب"، مع أنّ تطبيق "مبدأ ملكية الشعب" (وليس الحكومة السورية) على النفط قد يعطي شرعية ما للاتفاقية، لبيع الذهب الأسود من أجل دعم طموحات الفصائل الكردية في استقلال إداري واقتصادي أكبر، لكنها على حد رأي محللين "شرعية مشكوك بها".

دور أربيل

تتراوح التقديرات حول حجم تهريب النفط من سوريا إلى إقليم كردستان عبر عدّة قرى حدودية، بين 6 آلاف برميل يومياً في 2019 )حسب محلل نفطي مقيم في العراق) و30 ألف برميل يومياً في 2020، حسب ما قاله لنا صحفي متخصّص مقيم في أربيل، مع العلم أنّ تجارة السوق السوداء يصعب تحديد حجمها في جميع الحالات.

وتستفيد الأطراف الكردية العراقية من  شراء النفط السوري الخام بأسعار رخيصة من دون اللجوء إلى وساطة "دلتا"، وبالتالي تتوقف التعاملات التجارية بين هذه الأطراف والشركة الأمريكية على الحوافز المتاحة للإقليم، وخصوصاً على وجود رخصة OFAC. فهذه الرخصة قد تشكل دافعاً لأربيل لدعم الاتفاق، لأنها تسمح لها بالوصول إلى الأسواق الدولية لبيع النفط السوري بطريقة شرعية.

ليست "دلتا" الشركة الوحيدة التي تصوّرت دوراً لمسؤولي الإقليم في تصدير النفط السوري. فعلى سبيل المثال أشار "موتي كهانا" لمعدّ التحقيق أنه وخلال تراسله مع الخزانة الأمريكية للحصول على رخصة OFAC، ذكر في الطلب أنه سوف يبيع النفط السوري لمصفاة "لناز" المتواجدة في محافظة أربيل، وهي جزء من مجموعة rainfloods" المملوكة من قبل منصور بارزاني، وهو قائد مجموعات من القوات الخاصة في البشمركة الكردية وشقيق رئيس وزراء الإقليم مسرور بارزاني.

ويدلّ ذكر مجموعة "rainfloods" على أهمية دور القادة الحزبيين والأمنيين في الإقليم في أي مشروع يتعلّق بنقل النفط السوري عبر أراضي كردستان العراق.

أما فيما يخص "دلتا" فحسب الصور التي نشرها "جيمس ريس" من شركة "دلتا" على عدد من حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد التقى مؤسسو الشركة، ريس وكاين ودورير، مع مسؤولي إقليم كردستان العراق، ويبدو أنّ هذه اللقاءات تعود إلى فترة ما بين حزيران (يونيو) 2018 ومايو (أيار) 2019 حسب تواريخ نشر الصور.

تستفيد الأطراف الكردية العراقية من شراء النفط السوري الخام بأسعار رخيصة من دون اللجوء إلى وساطة "دلتا"، وبالتالي تتوقف التعاملات التجارية بين هذه الأطراف والشركة الأمريكية على الحوافز المتاحة للإقليم

وظهر في الصور كل من رئيس الإقليم نجيرفان برزاني والمحافظ السابق لدهوك فرهاد اتروشي ومسؤولي شركة "powergate" للبناء ومقرها في دهوك وهي تضم أقارب اتروشي.

فرهاد اتروشي مقرّب من نيجيرفان، وتم إبعاده في العام الماضي عن موقعه في إطار صراع الأجنحة بين مسرور ونيجيرفان وكلّف محله "علي تتر"  وهو مقرّب من مسرور وجاء من السلك الأمني،  مع العلم أن المصالح الاقتصادية تتداخل أحيانا  بين الجناحين.  وفي كانون الثاني/ يناير 2021 تم تعيين كمال أتروشي، أحد أقارب فرهاد، على رأس وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم. كمال قريب من مسرور، وجاء به لإنهاء أو تقليل دور اشتي هورامي، الوزير السابق الماسك الأوحد بملف النفط وفق رغبة نيجيرفان. لكن يبدو وبحسب بعض المصادر أن المفاتيح ماتزال جلها ب جناح نيجيرفان حتى بعد تعيين كمال.

هذه اللقاءات قد تشير أنّ شركة "دلتا" انحاز لجناح نيجيرفان لحزب "البارتي"  في المباحثات النفطية.

كما ظهر أيضاً في اللقاءات المصوّرة، فوزي حريري رئيس ديوان رئاسة الإقليم، وهو بمرافقة شركاء "دلتا" في مكان يوجد فيه العلم السعودي.

وبعد التدقيق في الصور المنشورة على عدد من وسائل التواصل الاجتماعي تبيّن لمعد التحقيق أن اللقاء جرى في مطعم "مطعم "سيسونس" لفندق ديفان في أربيل الذي يستضيف القنصلية السعودية، ما قد يحمل إشارة لم يتم التحقّق منها إلى دور سعودي في المناقشات بين "دلتا"ومسؤولي الإقليم.

تلك الإشارة يمكن ربطها مع قيام الرياض بإرسال مندوبيها إلى شمال شرق سوريا في الماضي لمناقشة خطط إعادة الإعمار والدور المحتمل السعودي فيها، كما طوّرت الرياض علاقتها بإقليم كردستان العراق خلال السنوات الأخيرة.

لكن مسؤول منشق عن الحكومة السورية استبعد أيّ دور للرياض في الاتفاقية النفطية، وقال في رسالة موجهة إلى معد التحقيق عبر واتساب في كانون الأول (ديسمبر) 2020 إن السعودية "انسحبت" من ملف شمال شرق سوريا في أواخر 2019.

وأضاف أن "السعودية فكّرت لفترة أن التعاون مع الولايات المتحدة في شمال شرق سورية قد يحسّن العلاقات بينهما. السعوديون لديهم 150 مليون دولار لمشاريع "الاستقرار" وحاولوا العمل مع العشائر العربية ولكنهم اكتشفوا أن البيت الأبيض (في عهد دونالد ترامب) ليس مهتماً في الشأن السوري بتاتاً و(لذلك) انسحبوا من ملف شمال شرق سورية منذ حوالي السنة".

وتبدو العلاقات بين الإدارة الجديدة الأمريكية والرياض في الوقت الحالي متوترة للغاية مما لا يوفر أيّ أرضية لدور سعودي في ملف شمال شرق سورية.

الأبعاد السياسية للصفقة

لا يمكن فهم المحادثات بين "دلتا" ومسؤولي إقليم كردستان من دون ربطها بالمفاوضات الكردية - الكردية التي تتحرك ببطء حالياً في شمال شرق سوريا وعلاقة المجلس الوطني الكردي في سوريا (وهو الطرف الأضعف في المفاوضات الكردية في سوريا) بحزب "البارتي" الكردستاني العراقي الذي يقوده آل بارزاني منذ عقود.

بين ناري العقوبات والأزمة الاقتصادية

21 شباط 2020
يهدّد قانون قيصر بفرض عقوبات واسعة النطاق على قطاعات كاملة من الاقتصاد السوري وعلى الأشخاص الذين يساعدون الحكومة السورية وحلفاءها أو يشاركون في التحريض من أجلها. ولكن هذا قد ينعكس...

وتهدف جهود الوساطة التي يقودها نيجيرفان بارزاني إلى إشراك "المجلس الوطني الكردي" في الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، إلى جانب "حزب الاتحاد الديمقراطي" الذي يقود الإدارة حالياً.

ويتمتع نيجيرفان بارزاني بعلاقة جيدة بمظلوم "كوباني" حسب مصادر متقاطعة، وبالتالي أي نوع من الشراكة السياسية لصالح المجلس الوطني الكردي في مؤسسات الإدارة الذاتية قد تحرز تقدماً في المحادثات النفطية بين "دلتا" وحزب "البارتي".

وكتب بسام برابندي، وهو دبلوماسي سوري سابق مقيم في واشنطن، في رسالة موجهة إلى معدّ التحقيق عبر تطبيق واتساب في كانون الثاني (يناير) 2021 أن "هذه الصفقة سياسية مئة بالمئة، وهي تخدم تركيا والكرد وتُبعد الكرد عن (بشار) الأسد وروسيا. لكن إذا لم تتحرك العملية السياسية بين الكرد فإن هذا المشروع لن ينجح".

وأضاف بربندي أن الاتفاق الكردي- الكردي قد يجلب تركيا إلى الطاولة (نظراً لعلاقاتها الجيدة بـ"البارتي" الكردستاني العراقي)، مما يجعل الصفقة النفطية حافزاً للكرد".

لكن التصعيد العسكري الأخير بين حزب "البارتي" العراقي و"البي كي كي" في كردستان العراق قد يؤثر سلباً على المفاوضات بين الأطراف الكردية السورية، كما أكد مظلوم "كوباني" في مقابلته مع "المونيتور" في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

وربما هناك مؤشرات بأن قيادة "البي كي كي" في جبال قنديل في كردستان العراق ليست راضية عن الاتفاقية النفطية بين "دلتا" والإدارة الذاتية، كما تبيّن في مقابلة أجرتها قناة "ستيرك" الكردية مع القيادي جميل بايق في آب (أغسطس)2020 .

تبدو هذه الاتفاقية النفطية بين "دلتا" والإدارة الذاتية سياسيةً أكثر مما هي اقتصادية أو قادرة على تحقيق أرباح مضمونة نظراً للعقبات التي تواجهها أي شركة أجنبية تريد أن تستثمر في المنطقة نتيجة العقوبات الغربية واستمرار الصراع السوري، وفي ظل عدم وضوح مستقبل المنطقة والإدارة "الكردية"

وردّد بايق في هذا اللقاء موقف دمشق السيادي المندّد بالاتفاقية وانتقد من يريد الاستفادة من النفط السوري على حساب الشعب، في إشارة ضمنية إلى الإدارة الذاتية والشركة الأميركية.

وأتت مقابلة جميل بايق عقب تقارير عن طرد مسؤولين كبار من "البي كي كي" من شمال شرق سوريا تلبيةً لضغوطات أميركية لفصل الإدارة الذاتية عن تأثير "حزب العمال الكردستاني".

ولكن رحلت إدارة ترامب ومعها، على ما يبدو، اتفاق دلتا ودوره المحتمل في مصالحة بين تركيا والإدارة الذاتية، تزامناً مع المصالحة الكردية - الكردية في سورية ومحاولات لفصل العلاقة بين الإدارة الذاتية و"البي كي كي" (مع العلم أن أنقرة تستطيع استيراد النفط السوري من كردستان العراق من دون توسّط الشركات الأجنبية). ومن الواضح أن العلاقة بين تركيا وواشنطن أصبحت أكثر توترا مما كانت في عهد دونالد ترامب.

وأبعاد اقتصادية..

أما بالنسبة لأبعاد الصفقة الاقتصادية وتقاسم العائدات النفطية، فقال رياض درار، الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديموقراطي، أن "قسم خاص في الإدارة يدير مستخرجات النفط والاتفاقيات تكون عن طريق هذا القسم" وتوزيع العائدات يتم عن طريق المجالس المحلية فيما بعد.

لكن معد التحقيق والمشاركين به تواصلوا مع هيئة الطاقة وهيئة الاقتصاد لدى الإدارة الذاتية ولم يدلوا بأيّة معلومة حول الاتفاق وكيفية توزيع العائدات، مما يُعتبر مؤشرا على عدم وجود خطة فعلية وغياب التنسيق أو انعدام الشفافية لدى مؤسسات الإدارة الذاتية.

وأكد مصدر داخل هيئة الاقتصاد أن هذه الاتفاقيات تجري في العادة "وراء الكواليس" في إشارة ضمنية الى ما يصفه البعض بـ"إدارة الظل".

خيارات محدودة أمام الإدارة الذاتية

لم يتوفر لدى السلطات "الكردية" خلال الحرب مع "داعش" وجولات المعارك المتقطعة مع تركيا الكثير من الفرص لتسويق النفط في ظل الحصار الاقتصادي والعسكري التركي، هذا باستثناء البيع عبر وسطاء إلى مناطق الحكومة السورية والمعارضة وإقليم كردستان العراق وصولاً إلى تركيا عن طريق أربيل. ومع ذلك، ظلّت علاقات الإدارة الذاتية مع جميع الأطراف تتراوح بين التوتر والعدائية.

دفعة العقوبات الأمريكية الأخيرة على دمشق، أو ما يسمى بقانون "قيصر" الذي تم إصداره في كانون الأول (ديسمبر) 2019 وبدأ تنفيذه في حزيران (يونيو) 2020، قلّص نطاق التبادل بين دمشق والإدارة الذاتية وأجبر الأخيرة على التركيز على خط التصدير عبر إقليم كردستان العراق، وهذا ما أكده أيضاً لنا المهندس قاسم الذي يقدّر بأنّ الصادرات باتجاه أربيل تجاوزت الكميات المُباعة لدمشق في الفترة الأخيرة.

لكن موقع "عنب بلدي" السوري نقل في أحد تقاريره أنّ الادارة الذاتية، أعادت توريد النفط إلى مناطق الحكومة السورية في يوم 7 آذار (مارس ٢٠٢١) بعد انقطاع دام 37 يوماً. وفي 21 آذار (مارس) 2021 أكد لنا مسؤول من مديرية حقول الحسكة في رسالة موجهة عبر تطبيق واتساب أنه "بالنسبة للشحن باتجاه مناطق النظام.. اليوم كان يوجد قافلة من الصهاريج". وعلى ما يبدو تبقى مسألة بيع النفط لدمشق مرهونة بمعاناة الإدارة الذاتية الاقتصادية.

أما بما يخص توريد النفط إلى مناطق المعارضة، ففي الأشهر الأخيرة استُهدفت تكراراً "الحراقات" البدائية التي يتم تكرير النفط "الكردي" فيها في ريف حلب الشمالي. وتتجه أصابع الاتهام الى دمشق أو موسكو، رغم أن تلك الاستهدافات قد تخدم تركيا بالدرجة الأولى.

وتواصل معد التحقيق في 20 آذار (مارس ٢٠٢١) الماضي مع مصدرين عسكرين من "الجيش الوطني السوري" المدعوم من أنقرة، وهما متواجدان في المنطقة التي شهدت الضربات. وأشار المصدران في رسائل صوتية عبر تطبيق واتساب إلى وجود اتفاق ضمني تركي-روسي على "محاصرة الأكراد اقتصادياً".

ورأى المصدر الأول أن "المستفيد الأول (من عمليات الاستهداف تلك) هو الأتراك (...) لأن البديل سوف يأتي من تركيا، المازوت والبنزين والغاز".

وأضاف المصدر الثاني أن المشتقات المكرّرة من النفط الوارد من مناطق "قسد" تُباع في مناطق "الجيش الوطني" بأسعار أرخص بحوالي 25 - 30 دولار للبرميل مقارنةً مع المشتقات الأوروبية الواردة من تركيا.

وتستفيد دمشق من هذه الهجمات على "الحراقات" كورقة ضغط على الإدارة الذاتية حتى تحصر صادراتها بالحكومة السورية. ولذلك تبقى استدامة الإدارة الذاتية الاقتصادية مرتبطة بمناورات سياسية متعدّدة الأطراف.

تبقى دمشق معارضة لاتفاقية "دلتا"، وبغداد ساكتة مع علامات استفهام كثيرة حول موقفها الصامت، ويمكن لأنقرة أن تكون موافقة ضمنياً على الاتفاقية ومعارضة علناً لها، لكنها في نفس الوقت تهدّد عسكرياً بشكل يومي مستقبل الإدارة الذاتية

أخيرا، تبدو هذه الاتفاقية النفطية بين "دلتا" والإدارة الذاتية سياسيةً أكثر مما هي اقتصادية أو قادرة على تحقيق أرباح مضمونة نظراً للعقبات التي تواجهها أي شركة أجنبية تريد أن تستثمر في المنطقة نتيجة العقوبات الغربية واستمرار الصراع السوري، وفي ظل عدم وضوح مستقبل المنطقة والإدارة "الكردية"، بالإضافة إلى عدم استقرار المشهد السياسي الأمريكي عند حصول الشركة على الرخصة - أي في سنة الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

العديد من المصادر التي تواصلنا معها في هذا التحقيق، ترى أن مستقبل شركة "دلتا" في سوريا غير مضمون سياسياً في ظل إدارة "بايدن" وهذا ما أكده مؤخراً عدم تجديد رخصة OFAC.

ويشير خبراء إلى حاجة الادارة الذاتية "الكردية" إلى شريك تجاري دولي لتضمن مستقبل اقتصادها ولتلبية احتياجات أهالي المنطقة ولكسب المزيد من الشرعية على الصعيد السياسي الدولي. وليس من السهل أن ترضي شركة غير مجرّبة مثل "دلتا" جميع الأطراف المستفيدة من التجارة النفطية السورية، سواء كانت دولا أو شبكات التهريب أو مجموعات تتقاطع بينهما.

وتبقى دمشق معارضة لاتفاقية "دلتا"، وبغداد ساكتة مع علامات استفهام كثيرة حول موقفها الصامت، ويمكن لأنقرة أن تكون موافقة ضمنياً على الاتفاقية ومعارضة علناً لها، لكنها في نفس الوقت تهدّد عسكرياً بشكل يومي مستقبل الإدارة الذاتية.

والأهم من ذلك أنّ الأوضاع المعيشية في شمال شرق سورية، بعد عقد من الحرب وسنوات من الحرمان نتيجة العقوبات، تبقى سيئة ومرهونة بتفاهمات دولية من دون أيّة شفافية من قبل السلطات الحاكمة والشركات المتعاقدة معها بصدد صفقات تخص المصلحة العامة.

(ساهم بهزاد حاج حمو في المراحل الأولى من هذا التحقيق)

 

مقالات متعلقة

النخبة الاقتصادية السورية: شبكات الحظوة واقتصاد الحرب

16 تشرين الثاني 2016
استراتيجية اقتصادية مسؤولة اجتماعيا هي أمر أساسي للانتقال السوري، علماً أنّ عدم بدء المعارضة السورية بعد بالدخول بنقاشات جدية حول مستقبل الاقتصاد السياسي السوري قد هدّد شرعيتها وحرم النخبة الاقتصادية...
اقتصاد الحرب السورية

03 أيلول 2019
عمل النظام السوري منذ البداية ببراغماتية كبيرة، فكان سريع التأقلم مع التطورات الكبيرة التي هزت المجتمع السوري، وهزت مؤسساته، وهددت كيانه. واستطاع تجيير موارد الدولة لصالحه فيما يدعم موقفه عسكريًا،...
حرب الغاز وعلاقتها بالأزمة السورية

02 تشرين الثاني 2019
كتب الكثير عن العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والداخلية المتعلقة بالأزمة السورية، إلا أن جانبا من جوانب هذه المواجهة لم ينل القدر ذاته من الاهتمام، على الأقل حتى الأزمة الأخيرة بين قطر...
الشراكة بين القطاعين العام والخاص في سورية

19 تشرين الثاني 2019
بدأت الحكومة السورية الترويج لنموذج تنمية اقتصادية مبني على مبادئ الشراكة بين القطاعين العام والخاص وخصخصة المنفعة العامة كأساس لإعادة إعمار البلاد وللتجدّد الاقتصادي. الباحث القدير، جوزيف ضاهر، يناقش في...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد