الخائن... فصل من رواية لمحمد ديبو


للوهلة الأولى لم يصدّق الشبان بدورهم ما يسمعون، اتسعت حدقات أعينهم وانتفضت أجسادهم في رفض ورد فعل أوليان. وحين جاءهم التأكيد بعد أن استفسروا مجدّدًا عمّا إذا كان ما فهموه صحيحًا، اعتلى الغضب وجوههم وبدأت الشتائم تخرج من أفواههم وهم ينزعون العلم الوطني عن سطح المنزل ويشطبون العبارات واللافتات التي كتبوها ورفعوها قبل ساعة من الآن. انتقلت وجوههم من الفخر إلى عدوانيّة مطلقة مع نظرات شرسة، حادة ولئيمة، مستعدة للقتل والفتك، مترافقة مع كلمات وعبارات قاسية وفاجرة، لم تسمعها القرية في كلّ تاريخها.

20 آب 2021

محمد ديبو

رئيس تحرير موقع حكاية ما انحكت (النسخة العربية). باحث وشاعر سوري. آخر أعماله: كمن يشهد موته (بيت المواطن، ٢٠١٤)، خطأ انتخابي (دار الساقي، ٢٠٠٨). له أبحاث في الاقتصاد والطائفية وغيرها.

لم تكن نائمة حين جاءت أمها لتوقظها فجرًا كي تذهب معها وتساعدها في قطف أوراق الدخان. استيقظت قبل ساعة من الآن على وقع ضربات متتالية ومتتابعة من ألم تعرفه جيدًا، ألم يأتيها كرسول ينذر بما هو قادم، مع فارق أن رسولها لا ينبئ إلا بالكوارث؟

"ثمّة كارثة على وشك الحدوث"، حدّثت نفسها، وكلّها رجاء أن يكذب حدسها الذي لا يكذب أبدًا.

- كفاح.. قومي بقا، طلع الفجر بدنا نلحق نقطف الدخان قبل ما يطير الندى وتحمى الشمس.

هربت من ألمها نحو كلمات أمها التي لم تنتبه قبل الآن إلى كميّة الشعر والمجاز المخزّنة داخلها، متسائلة: كيف يطير الندى؟ كيف تُحمى الشمس؟

إرهاصات التجديد في الرواية السوريّة

19 كانون الثاني 2021
ضمن ملف "الرواية السوريّة" الذي تعدّه وتحرره الروائيّة روزا ياسين حسن لصالح حكاية ما انحكت، تناقش المقالة الأولى للدكتورة نوال الحلح التغييرات التي طرأت على الرواية السوريّة خلال سنوات السبعينيات...

رغم أنّها تسمع ذات المفردات مذ ولدت قبل أربعين عامًا، إلا أنّها لم تنتبه إلا الآن للحبق والياسمين المقطّر من كلماتها الشاعريّة والبسيطة. ألأنّ الألم يجعل المرء شفافًا ويدفعه للانتباه لما لم ينتبه له سابقًا من جمال حاد أفقده التكرار والاعتياد دهشته؟ أم لأنّنا، فقط، حين نُهدّد بفقدان من نحب، ننتبه إلى حجم ما يمكن أن نفقده، فنرى، حينها، الجمال الكامن فيه، والذي كان في متناول أيدينا طوال الوقت دون أن ننتبه له أو نعره اهتمامًا، فنصبح لحظتها، أكثر إحساسًا وتمسّكًا به، خوف فقدانه؟

مطّطت ومدّدت جسدها في الفراش ثم حرّكت ذراعيها في الهواء، محاولة إيهام أمها بأنّها استيقظت للتو، وهي تتجاهل وتكبت صيحات الألم المتسارعة والموغلة في قلبها. عليها أن تتماسك وتبدو طبيعيّة، كيلا تشعر أمها أو تحسّ بشيء. "فلتعرف حين يعرف الجميع، من الآخرين وليس مني"، قالت وهي تفكر إنّ المرء قد يتصالح يومًا مع مصابه ويستسلم لقدره، لكنه لا ينسى أبدًا وجه من أخبره أسوأ وأفجع خبر في حياته، لذا عليها أن تتحايل جيدًا على جيوش الألم التي بدأت أقدام جنودها تستبيح شوارع روحها، وتعرّش على جسدها محاولة تحطيمه وكسره، مثلما تتسلّق نبتة دوالي حائط منزلهم، معرّشة عليه وضاغطة بأغصانها على زجاج النافذة أمام عينيها المفتوحتين على فضاء هذا الفجر القاتم. لكنها لم تكن، ولم تعد، متأكدة من قدرتها على ذلك.

صفعت وجهها أُولى خيوط الشمس القويّة والحادة، وما إن أغمضت عينيها لتفادي أشعتها، حتى التمعت تحت جفنيها أمواج برتقاليّة وبراقة اللون، موقظة داخلها ذكرى موغلة وبعيدة ومغرقة في الزمن. أنّت مجدّدًا من قسوة الذكرى التي ومضت أمامها مثل ضيف ثقيل يأتي في لحظة غير متوقعة. تمنّت لو لم تغمضهما، وهي عالقة بين براثن ألوانها الطفوليّة، تلك التي تُولد فجأة أمام العيون المغمضة حين نوجهها نحو الشمس، فيختفي اللون الأزرق لصالح سماء برتقاليّة مزيّنة بنجوم كريستاليّة وكائنات متخيّلة، لم يكن يراها أحدا غيرها مذ سمّتها "قارة البرتقال" حين اكتشفتها لأول مرة وهي تلهو مع أخيها وبكر وعائشة على ضفاف نهر العاصي في مدينة حماة حيث قضت وأخيها، شطرًا من طفولتها قبل هرب عائلتها من زمن أسود فتك بالمدينة وأهلها فيما مضى، نحو قريتها الساحليّة "جبل الزيتون"، حيث تستلقي الآن مستسلمة لهجوم الذكريات.

هربت من ألمها نحو كلمات أمها التي لم تنتبه قبل الآن إلى كمية الشعر والمجاز المخزّنة داخلها، متسائلة: كيف يطير الندى؟ كيف تحمى الشمس؟

كانت هي وبكر وعائشة وأخيها علي، بعد انتهائهم من مشاهدة المبارزات بين الفتيان الذين يرمون بأجسادهم من أعلى النواعير إلى باطن النهر، يستلقون على ظهورهم فوق أعشاب خضراء، وهم يحدقون نحو الشمس، إيذانًا ببدء المبارزة: من يستطيع التحديق في الشمس لأطول مدة ممكنة؟

بعد أن فشلت وأغلقت عينيها، سطع لون أنساها المبارزة وجذبها نحو متاهاته. تفتح العينين ثم تغلقهما لتتأكد مما ترى، تغلقهما مجددًا ثم تضع يديها أمام عينيها فيختفي الضوء أو يتحوّل. قالت لهم وهي تنهي اللعبة:

-أنا بشوف بس غمّض عيوني مين منكم بيشوف إذا غمض عيونو متلي؟

-ما حدا بيشوف إذا غمّض عيونو؟ قال علي، أخوها الصغير.

-أنا بشوف

- كفاح. كيف بتشوفي، وشو بتشوفي؟ قال بكر.

-هاد سر ما رح قلكم.

"سوريات صُغرى" في العالم الكبير

26 تموز 2021
في مقدمة ملف "سوريّات صغرى" يكتب رئيس تحرير حكاية ما انحكت، محمد ديبو، عن الهجرات السوريّة المتتاليّة منذ قرن مضى وعن "المجتمعات السوريّة" التي بنوها في بلادهم الجديدة، وعن انتظار...

حين ذهب أخوها لسؤال والديه الجالسين مع عائلة بكر وعائشة عمّا إذا كان بإمكان المرء أن يرى وهو مغمّض العينين، كان "بكر" يستعطفها لتقول له كيف وماذا ترى. أخبرته كمن يبوح بسر لا يجوز أن يعرفه أحد، أنّها وهي تنظر إلى الشمس اكتشفت قارة برتقاليّة اللون، تتلوى داخلها حلوى وحيوانات وأرانب وجنيّات جميلات، ثم طلبت منه أن ينظر إلى الشمس وهو يغلق عينيه. وفعلًا، ما إن أغمض عينيه حتى ارتسم على شعاع وجهه الطفولي وتحت جفنيه، اللون الأحمر البرتقالي المتوهج، إنّما دون أن يرى الكائنات التي حدّثته عنها للتو. وفيما هي تهم بأن تريه إياها، عاد "علي" الصغير بإجابته المستمدة من الكبار، والقائلة بأنّ المرء لا يمكن أن يرى إذا أغمض عينيه، ليقول له "بكر" مبتسمًا: "ولكن نحن رأينا يا حوراني يا أكحل!".

مذّاك، كلّما جلسوا تحت شمس العاصي التي لا يغيب عنها أنين وعنين النواعير، حوّلت كفاح هذا الفضاء البرتقالي المرسوم على أهداب العيون المغلقة إلى عالم خيالي براق، مشحون بحكايات لا تنضب. تطلب منهم إغلاق أعينهم والتحديق في الشمس، ثم تحكي لهم عن كائنات تراها وحدها في قارة البرتقال هذه، وهي ذات الكائنات التي سطعت اليوم تحت جفنيها الحزينين، مذكرة إياها، ورغمًا عنها، بما ظنّت أنّها دفنته وتخلّصت منه إلى الأبد: هي و"بكر"، طفلان يتمددان على بساط الغيم، يشاهدان وحدهما على شاشة سينما لا مرئيّة الكائنات البرتقاليّة بعد إشغال وإبعاد "عائشة" و"علي"، يسبحان في عالم من ضباب وحبق وعاصي ونواعير وغبش منعش، يدًا بيد، يغيبان في أحياء الباروديّة والزنبقيّة، أبو الفداء، الأميريّة، الدباغة، الحاضر، حيث تصل مسامعهما أصوات الحدادين وتزكم أنفيهما رائحة البرازق قبل دخولهما سوق الطويل بسقفه الذي تتأمله مندهشة وهي تمشي بجانب محلات برناوي وأبو ياسين الدقاق وعابدين وأبو حسين وقيطاز وأفاميا وحمام الأسعدي، تعبق في أنفها رائحة البهارات وتستطعم تحت لسانها طعم المغطوط وحلاوة الجبن والشعيبيات قبل أن يدخلا أحياء وأحياء يدخلونها بحجة اكتشافها، فيما لا وعيهما يدفعهما لإطالة الطريق ما أمكن، قبل الوصول إلى حيّهم القديم "حي الحوارنة"، يدخلانه من جانب فرن عيدو وصولًا إلى جامع الحوارنة، فالكنيسة، فبيت أكرم الحوراني... يعبران هذا الفضاء اللا متناهي، فيما قلوبهما مستسلمة لتلك اللحظة القادمة من كتاب الحكايات المعشعشة بين صناديق الجدّة وقطرميزات المونة، تحت حبال البامياء والباذنجان في مغارة البيت التي كانت ملاذهما وعش حبهما قبل أن تصبح مكانًا تمنّى كلاهما اختفاؤه من الواقع والذاكرة أيضًا.

بهزّة رأس عصبيّة مصحوبة بغضب من الذات، أبعدت "بكر" من مجال تفكيرها وهي تستغرب من حضوره وبقائه حيًّا في ذاكرتها طيلة هذه السنوات. لماذا جاء اليوم بالذات؟ ماذا يريد؟ ماذا يفعل هنا؟ هل أتى كي يلوّث حزني، هل يتشفّى بي؟

أخبرته كمن يبوح بسرٍ لا يجوز أن يعرفه أحد، أنها وهي تنظر إلى الشمس اكتشفت قارة برتقاليّة اللون، تتلوى داخلها حلوى وحيوانات وأرانب وجنيّات جميلات، ثم طلبت منه أن ينظر إلى الشمس وهو يغلق عينيه.

هربًا من طيفه، نهضت مكابرة على جرحها وألمها، اتجهت نحو أمها في المطبخ، صبّحتها بالخير مع قبلة: "صباح الخير يامو". لم تجرؤ على النظر في عينيها خوف أن تقرأ نبوءتها الكارثيّة. أخذت الأقمشة التي يضعون عليها أوراق التبغ بعد قطفها، واتجهت نحو الحقل.

استنشقت رائحة ما تفعله خيوط الشمس الأولى في النبات والتراب ولامست يديها أوراق الدخان ونقاط الندى المتعلّقة بها والشفافة مثل حلمات مراهقة قرويّة. نظرت إلى أشجار الزيتون وشتلات التبغ بغربة لم تشعر بحدّتها وثقلها يومًا كما الآن. لوهلة، وكما لو أنّها في نبوءة جديدة، شعرت بأنّها لم تعد تنتمي إلى هذا المكان.

"كم من الأمكنة عليّ أن أبدل؟"، تساءلت ثم طردت الأفكار من رأسها وبدأت بقطف أوراق التبغ. تحضن الورقة من أسفلها بحنان كما علّمتها جدتها منذ زمن بعيد، وهي تقول لها: "الأوراق تحتاج الحب والرعاية مثلنا نحن البشر، لذا علينا أن نقطفها بحنان ونحن نفصلها عن ساق أمها، مثلما نرعى طفلًا لحظة الفطام".

تستعيد كلام جدتها وهي تقطف الورقة بدفعها برقة للأسفل وكأنّها تعتذر لها، ثم تضعها في يدها الثانية وتقطف الورقة الثانية وتضعها فوق الأولى ثم الثالثة فوق الثانية، وهكذا إلى أن تصبح يدها عاجزة عن حمل كامل المجموعة، تضع الكلّ على القماش المفروش على الأرض، لتنقلها الأم لاحقًا إلى بلكون المنزل حيث يبدؤون عملية الشك من خلال وضع خيط في ثقب مسلة طويلة مخصّصّة لهذا الأمر، ثم يربط الخيط في النهاية بعقدة تمنع خروج وانسلال الأوراق الخضراء منه بعد شك المسلّة في ضلوعها وإدخالها إلى الخيط واحدة واحدة، لتشكل في النهاية ما يشبه العقد أو التنورة كما كان أخوها يسميها في طفولته وهو يضع خيط الدخان الأخضر حول عنقه كعقد أو يزنّر خصره به وهو يقلّد مشية البنات.

أسئلة التوثيق وأشكاله في الرواية السوريّة المعاصرة

01 آذار 2021
ما الأسباب التي دفعت الفن الروائي السوري لغاية التوثيق؟ وما الأحداث السياسيّة والإجتماعيّة التي رغبت الرواية السوريّة في توثيقها؟ وما هي التقنيات السرديّة التي استعملت للقيام بمهمة التوثيق؟ أسئلة يحاول...

بعد أن شبّا، وحين يكون أخوها في البيت، لم يكن يدعها تذهب إلى حقل التبغ، يستيقظ قبلها، يقطف الدخان ويضعه على البلكون، ثم يصنع القهوة التي ما إن تصلها رائحتها وهي تتمطط في فراشها مستمتعة بلسعات أشعة الشمس الأولى حتى تستيقظ وتجلس بجانبه. يشربان القهوة التي ما إن تنتهي منها، حتى تقول له ساخرة:

- يلا رح بلش اشتغل بالعقد تبعك.... بس تتجوز إلك مني أحلى عقد دخان.

- إلك عمر بتصنعي عقود وما شفنا منك شي. انتي تزوجي يا دكتورة وإلك مني عقد دهب مش عقد دخان.

- شو قاعدة على قلبك؟ من هلا بدك ترتاح مني؟ كيف لتجيب ست الحسن بكرا، إذا من هلا بدك تقلعني. خلص خيو لا تتجوز ولا من يحزنون بطلنا نهديك عقود.

هاجمت ضحكته البعيدة صباحها هذا، ودفعت بأمواج الألم نحو مساحات بُكر لم تطأها بعد، فعرفت أنّ وقت إعلان الكارثة قد حلّ. اصفّر وجهها وارتجفت يداها وتعرّق جسدها ولم تعد قادرة على إدخال ورق التبغ في المسلة. أجبرت نفسها على النهوض خوفًا من قراءة أمها لتضاريس ألمها، وهربًا من قدر لم يعد من الممكن تفاديه.

-أمي أنا تعبانة، حاسة جسمي تقيل، رح ارجع نام شوي. لأن عندي دوام صباحي بالمستوصف اليوم بلكي لحق ارتاح شوي قبل ما روح.

بعد ساعة، انتهت الأم التي لم تفطن للنار المشتعلة في قلب ابنتها من شك جميع أوراق التبغ في خيوط خضراء زاهية، وبدأت بنقلها إلى الغرفة الداخليّة في المنزل المكوّن من ثلاث غرف مع بلكون يحيطه من كلّ الجهات، ويطل على بساتين زيتون وحقول تبغ كثيرة. وفيما هي تنقل خيطها الأخير، توافدت الجارات إلى المنزل، واحدة تلو الأخرى، صامتات، حزينات، قلقات، متشحات بسواد لم يعدن ينزعنه عن أجسادهن لكثرة الموت الذي استوطن القرية كوباء سقيم. في فمهن كلام لا يُقال، وعليهن قوله دون أن يعرفن كيف ومن أين عليهن البدء.

حين رأتهن الأم، قالت وخيط التبغ الأخضر بين يديها: "خير يا رب دخيلك، والله شبعنا موت... خير مين استشهد اليوم؟".

من سواد ثيابهن ومنظرهن الحزين، عرفت أنّ الموت خطف شابًا جديدًا من أهل قريتهم "جبل الزيتون" بعد أن أصبح عزرائيل مقيمًا في تلك القرى المتشبثة بالجبال كفرد من أهلها، يتقبلونه كالمطر والأقدار التي تأتي بها السماء، يعاندونه حينًا ويستسلمون له زمنًا طويلًا، كحالهم اليوم. كان الموت منزعجًا بشدّة من استسلامهم هذا، لشعوره أنّه في معركة غير متكافئة، وهو ككلّ الفرسان الشجعان يحب المنازلات الشريفة، تلك التي ينتصر بها بمشقة وشرف بعد أن يُظهر كلا الطرفين قوته ومكره. ولأنّه لا يحب كثيرًا منازلة الأطفال والضعفاء والمستسلمين، عاقبهم بمزيد من الموت، وكأنّه ينتقم من حرمانه متعة النصر بمتعة رؤيتهم في موتهم وذلّهم يعمهون، علّهم يستفيقون ويعيدون لمعركته معناها وجدواها. وحين لم يجد أيّ رد فعل منهم، تفاجئ من عمق الاستسلام الذي عشعش في أرواحهم، وهو أمر لم يعهده بقوم مرّ بهم من قبل، فأدرك أنّهم موتى قبل أن يأخذ أرواحهم، لذا ضاعف من وتيرة عمله ليعيدهم إلى قبورهم قبل أن تتفسخ رائحة جثثهم الحيّة في الحياة فيفسدوها. ولأنّهم موتى لم يدركوا موتهم، ردّوا على معركة الموت معهم بتجميله وتأليهه، وكأنّهم دخلوا ميدان الحداثة عبر هذا الموت، حيث أصبح لكلّ قرية صفحة خاصة بشهدائها على وسائل التواصل الاجتماعي، يتنافسون فيما بينهم على من يتصدّر العدد الأكبر من الشهداء الذين كان نصيب قرية "جبل الزيتون" منهم خمسون شهيدًا حتى الآن، فيما الواحد والخمسون يُنعى اليوم، وهو الذي تتردّد النساء في نطق اسمه، إذ كيف يمكن إخبار أمّ بمقتل ابنها؟

فيما الأم هي تنقل خيطها الأخير، توافدت الجارات إلى المنزل، واحدة تلو الأخرى، صامتات، حزينات، قلقات، متشحات بسواد لم يعدن ينزعنه عن أجسادهن لكثرة الموت الذي استوطن القرية كوباء سقيم. في فمهن كلام لا يقال، وعليهن قوله دون أن يعرفن كيف ومن أين عليهن البدء.

حين لم ترد أيّ من النسوة على كلام الأم التي أنبأها قلبها بما ترفض تصديقه ولا تود سماعه، ردّدت السؤال للمرة الثانية في رجاء يائس وجسد بدأت قدماه تخونها وتتداعى. ولمّا لم تلقَ أيّ جواب سوى دموع النساء الواقفات والمجلّلات بالسواد والصمت والحزن العميق، سمع كلّ من في الحيّ صوتًا يشبه جعير الحيوان حين يتلقّى ضربة السكين الأولى، صوت هو مزيج من نحيب وذهول ورفض، عدم تصديق وفجيعة وأسئلة لا أجوبة لها، عتب وغضب على الله والبشر، الأحياء منهم والأموات، يأس لا أمل له انتهى إلى نشيج زلزل الأشجار والحيطان والشوارع وقلوب الأطفال والرجال والنسوة اللاتي توّقف تدفق الدم في شرايينهن وهنّ يتشرّبن دفقة الألم في رجفة وانكسار صوتها الرافض تقبّل الفقدان والمصيبة التي تنبأت بها كفاح منذ استيقظت فجر هذا اليوم على لسعات النار في قلبها: "يا ويلي يا ضناي.. يا شحار عمرك يا سلمى كنوا صحيح.. لا حدا يقلي علي مات.. لا حدا يقلي علي استشهد.. علي ما مات علي ما مات. وينك يا علي؟ تعال يا علي لا تروح... تعال يا ضنا أمك يا حبيبي.... وين رحت يا علييييييي. يا ضناي يا علي".

ومن الداخل، ردّت كفاح على صوت أمها بصوت ضعيف وشحيح ومتعب، مشحون بالحزن والندم أيضا، كما لو أنّ تنبأها هو السبب فيما حصل: "مات خييي يا أمي... مات علي الغالي، راح الغالي وتركنا يا أمي..". وبدأ النحيب يتعالى...

بلمح البصر، رُفع العلم السوري فوق سطح المنزل، كُتبت لافتة كبرى على مدخل المنزل تقول "نهنئ عائلة الحكيم باستشهاد ابنها علي فداء للوطن والسيد الرئيس"، تبعتها لافتات وعبارات على جدران المنزل والبيوت المجاورة في الحارة، تزف "عريس الوطن" كما قالت إحداها. أيضًا، ثمّة لافتات كبرى عُلّقت على مداخل القرية من جهاتها الأربع، فيما تولّى بعض الشبان المتضامنين والمتحمسين صناعة باقات الورد وتجهيز البيت ليكون لائقًا باستقبال جنازة الشهيد الذي أشعرهم بالفخر، إذ بفضله، تقدّمت قريتهم بشهيدين على القرى المجاورة، والمنافسِة لهم في ماراتون الموت هذا. ولأنّ هذا رأسمال لا يستهان به، كان أول الحاضرين لتقبّل التعزية بالشهيد رؤساء البلديّة والمدرسة والدوائر الحكوميّة ومسؤول الفرقة الحزبيّة الذين تصرّفوا كما لو أنّهم أهل الشهيد، ساعين لأن ينالهم شيءٌ من الفخر والمجد ورضى القيادات عنهم، وهم يستقبلون المعزين الذين يهنئونهم قائلين: "مات شهيد... الله يهنيه لهي الموتة"، "يارب كلّنا نموت هيك، فدا الوطن والسيد الرئيس"، "يا هيك الموت يا بلا"، "مكلّل بالعز والغار".

هكذا كانت كلّ جنازة تتحوّل طقسًا وطنيًا، يأتي النعش في سيارة مزينة بالورود والغار وصور الرئيس، على رأسها ميكرفون يبث كلام الله ويزرع الخشية في النفوس، وتسير أمامها ببطء متعمّد مئات الدراجات الناريّة الحاملة في مقدمتها باقات الورد المحيطة بصور تم تركيبها على عجل، تجمع الرئيس والشهيد معًا. وحين تصل السيارة أمام المنزل، يتعالى الصراخ والبكاء ممزوجًا بالتكبير ورشقات الرصاص المرحّبة بقدومه على وقع عبارة "لا إله إلا الله" التي يردّدها شيخ القرية، تتبعها أصوات "والشهيد حبيب الله" خارجة من أفواه الجموع المخدّرة والمنتشية، حزينة وفخورة، حادة وعالية، مستسلمة ومشبعة بروح الانتقام، حتى بالكاد يُسمع صوت الرصاص الذي يُطلق بكثافة احترامًا وتبجيلًا للشهيد.

سؤال السياسة، تأثّرها وتأثيرها على الرواية السوريّة

16 شباط 2021
تبحث الكاتبة والباحثة ميسون شقير ضمن مقالتها في ملف الرواية السوريّة، الذي تعدّه وتحرره الروائيّة روزا ياسين حسن، في الروايات السوريّة الصادرة بين عامي 2000 و2020 وموضوعاتها، وتصل إلى استنتاجات...

يزور النعش منزل الأهل مع عدم السماح بفتح التابوت الذي ترافقه قوات الأمن لمنع الحماس وقوة الحزن الذي يترافق عادة مع الجنائز من عرقلة خططهم، ثمّ يغادر محمولًا على أكف الجنود بلباسهم العسكري مع طلقات ناريّة، يتبعه رفاق السلاح والمسؤولون وأهل القرية الذين يتقدمهم ضابط برتبة عالية ليسلّم الأب عند المقبرة علم البلاد كهديّة من "السيد الرئيس" الذي يشاركهم فخرهم بابنهم، هذا الفخر الذي يشعر كلّ واحد منهم أنّه معني به، ينتظرونه مع كلّ جنازة، لينتشوا به وهم يستمعون لصوت الضابط الملعلع في الفضاء، فيشعرون بالخشية والجلال والكبرياء إلى درجة تمنّي كلّ منهم لو يزوره الموت الآن. وهي اللحظة التي ينتظرها اليوم أهالي "جبل الزيتون" لينتشوا بصوت يخبرهم بفخر السيد الرئيس بابن قريتهم: "علي الحكيم". ورغم أنّ رتبة الضابط أصبحت تقل يومًا بعد يوم بسبب كثرة الجنازات العائدة من المعارك، فإنّ المنتشين بهذا الصوت لا زالوا صامدين، وإن بات عددهم يقل جنازة بعد أخرى، مترافقًا مع وجوه متململة لا تجرؤ على البوح بما يعتمل داخل قلوبها من رفض، خوفًا من مجهول يجهلونه، ومن خوف طالما حذرت الجدّة "كفاح" من الوقوع أسيرة له في زمن مضى.

كانت تُمسك بيد أمها منتظرة وصول جثمان أخيها وهي تحدّق في لافتة جديدة زرعت أمام المنزل، تهنئ أخيها "الشهيد علي.. شهيد الوطن والأمة العربيّة.. عريس جبل الزيتون"، حين بدأ رجل يتقدم بين الحشود، يرتدي طقمًا رسميًا حاد اللون كوجهه الداكن، ملامحه قاسيّة، متجهمة. انقبض قلبها، وبرد فعل لا إرادي سدّت أنفها بأصابع يديها كما لو أنّ رائحة خراء كريهة وجدت طريقها فجأة إلى فتحتي أنفها. أفرغت زفيرها بهدوء وهي تغمض عينيها، علّها بذلك تبدّد الطاقة السلبيّة التي رأتها كامنة في وجهه، مستشعرة خطرًا ما يقترب منها.

راقبته من بعيد، كان الجميع يهابه ويخاف منه، يتذلّلون أمامه وهم يفسحون له الطريق ليخترق حشدهم، مستمتعًا بذلّهم وانكسارهم وسطوة سلطته عليهم. وصل إلى جانب أمين الفرقة الحزبيّة ومدراء البلديّة والمؤسسات الرسميّة، همس في آذانهم شيئًا ما، دفعهم لأن يوّسعوا حدقات أعينهم ويرفرفوا حواجبهم وهم في ذهول ممّا يخبرهم إياه، ثم أشار لهم بأن يتبعوه، ليتجهوا مع أبيها وأقاربها نحو غرفة أغلقوا بابها خلفهم.

بعد حوالي نصف ساعة خرج الجميع دون الأب. يرقد على وجوههم تجهم وغضب وتعابير لا يمكن تفسيرها أو شرحها، هي مزيج من الاحتقان والاحتقار، الذهول والغضب، القلق والذل. انسحبت من الوجوه تعابير الحزن والفخر مفسحة مكانها لشحوب هلامي وغيوم سوداء غاضبة تسلّلت إلى جميع المعزين الذين تحوّلوا فجأة من منتظرين وصول الجنازة لتشييعها إلى مراقبين ومترقبين لما يحصل، كذئاب مستعدة للفتك بفريسة خدعتهم.

غادر المسؤولون المنزل بعد أن همسوا بكلمات ما في آذان الشبان الذين أشرفوا قبل قليل على صناعة وإخراج مشهد الموت هذا. للوهلة الأولى لم يصدّق الشبان بدورهم ما يسمعون، اتسعت حدقات أعينهم وانتفضت أجسادهم في رفض ورد فعل أوليان. وحين جاءهم التأكيد بعد أن استفسروا مجدّدًا عمّا إذا كان ما فهموه صحيحًا، اعتلى الغضب وجوههم وبدأت الشتائم تخرج من أفواههم وهم ينزعون العلم الوطني عن سطح المنزل ويشطبون العبارات واللافتات التي كتبوها ورفعوها قبل ساعة من الآن. انتقلت وجوههم من الفخر إلى عدوانيّة مطلقة مع نظرات شرسة، حادة ولئيمة، مستعدة للقتل والفتك، مترافقة مع كلمات وعبارات قاسية وفاجرة، لم تسمعها القرية في كلّ تاريخها، ولم تتوقع يومًا أن تُطلق في فضائها: "دود الخل منه وفيه"، "العمى الوطاوة والحقارة لوين بتوصل بالبني الأدم"، "هدول لازم الواحد يقتلن ويشرب من دمن".

انفض المعزّون، ولم يبق في المنزل سوى بعض الجارات والأقارب الذين وجدوا أنفسهم في حيرة فيما عليهم فعله، فهم من جهة يتعاطفون مع حزن الأم وابنتها الذي يكوي خيوط القلب، ويجتاحهم من جهة ثانية الخوف مما قد يتعرّضون له من إهانات ومسآلات، إن هم خالفوا الجموع.

وحين انتبهت كفاح إلى تناقص عدد المعزين واحدًا تلو الآخر، ظنّت أنّهم خرجوا لملاقاة جنازة أخيها التي حان موعد وصولها. تركت يد أمها وذهبت لتتأكد. وما إن وصلت بالقرب منهم حتى تناهى إلى سمعها أصوات غاضبة تصرخ بكلمة لم تصدقها بادئ الأمر، وحين تأكدت منها، اقتربت منهم وسألتهم: من هذا "الخائن" الذي تتحدثون عنه؟

مرّت لحظة صمت حادة وثقيلة وطويلة، قبل أن تسمع صوتا لئيمًا وغاضبًا ومجروحًا في آن، يصرخ بها بحدّة وحقد:

-أخوك يا دكتورة ما طلع شهيد، طلع خاين.. خاين.. خاين.. الله لا يرحمه ولا يرحم الخونة..

وقبل أن تتمكن من الرد، انهارت وأغمي عليها.

مقالات متعلقة

الرواية السوريّة: أسئلة الضوء في مواجهة العتمة

23 شباط 2021
"التحدّي أمام الأدباء المناهضين للفساد والظلم والدكتاتوريّة والقمع والقهر تجسّد في سرد الحكاية المعتّم عليها؛ حكاية أريد تناسيها وتجاهلها، والالتزام بتعرية الخراب الذي يراد له أن يتشكّل كهوية رئيسة من...
سؤال الزمن في اختبارات الفن والواقع

09 شباط 2021
يناقش الروائي السوري ممدوح عزام الرواية السوريّة من زاوية الزمن، فيذهب للقول إنّنا أمام فترة زمنيّة في غاية القصر، على الرغم من أنّها شهدت أحداثًا تاريخيّة كبرى، وسوف يكون من...
في شهوات السرد السوري!

02 شباط 2021
في ثالث مقالات ملف الرواية السوريّة، الذي تعدّه وتحرّره الروائيّة السوريّة روزا ياسين حسن، يحكي الكاتب عمر قدور عن شهوة السرد السوري الذي صار بارزًا منذ مطلع الألفيّة وصولًا إلى...
السرديّات السوريّة في مرآة الآخر. ما الذي غيّرته المنافي في سردياتنا؟

26 كانون الثاني 2021
ضمن ملف الرواية السوريّة تحاور معدّة الملف ومحررته روزا ياسين حسن المترجمين والمستشرقين "لاريسا بندر" و"شتيفان ميليش" وتتحدثه معهما في موضوعات السرد الروائي السوريّ والأدب السوريّ وعلاقته بالمنفى وتغيّره بعد...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد