أم عزباء تحت سقف واطئ

حكاية أم عدنان


لكن لماذا أم عدنان، من بين عشرات النساء اللواتي عرفت قصصهن، هي من تفرض حكايتها عليّ بإلحاح وتدفعني للتفكير بكتابة ما تبقى منها في ذاكرتي ولملمة تفاصيل ونتف ما تبقى من حكايتها؟

15 شباط 2022

محمد ديبو

باحث وشاعر سوري. آخر أعماله: كمن يشهد موته (بيت المواطن، ٢٠١٤)، خطأ انتخابي (دار الساقي، ٢٠٠٨). له أبحاث في الاقتصاد والطائفية وغيرها، يعمل محرّرا في صحيفة العربي الجديد.

منذ أكثر من ثلاث سنوات وهي تفرض نفسها عليّ، تأتيني على هيئة مقاطع سينمائيّة صغيرة، وإن كانت لا تمت إلى السينما بصلة، بل هي أقرب إلى الحياة من أي شيء آخر، تلك الحياة التي لم تعطها أيّ شيء، لا الحب ولا المال، لا العطف ولا الاهتمام، أو ربّما أعطتها النكران والذلّ والاستهجان، ما دفعها وأجبرها إلى الانسحاب المبكّر من الحياة، لتعيش في غرفة بائسة وصغيرة وذات سقف واطئ.

لا أتذكرها إلّا عجوزًا بظهرها المحني والحجاب القروي على رأسها، أحاول الآن استعادة وجهها، فيأتيني على هيئة ضباب لا أمسك بين أمواجه أيّة ملامح لها، أنفض رأسي من الماضي وأتساءل: علام يهاجمني طيفها منذ ثلاث سنوات في حين أنّها لم تخطر على بالي طوال عشرين عامًا قبل ذلك؟ أبسبب طبيعة حياتها القاسية، أم لأنّي الآن، والآن فقط، أدرك أيّ ظلم وإجحاف تعرّضت له تلك المرأة بعد أن تغيّر وعيي وتطوّر حول مفاهيم الجسد والحريّة الجنسيّة وحق الأمومة من دون زواج، أم لأسباب أخرى متعلقة بالنفس ودهاليزها السريّة، أم لأنّني كنت خلال السنوات الماضيّة أحرّر الكثير من القصص المتعلّقة بالظلم الذي تتعرّض له النساء، وبالتالي بدأ وعيي يستعيد تلقائيًا كلّ ما عرفت من نساء مظلومات سكتن على ظلمهّن، أم أنّني لم أعر هذا الظلم أيّ اهتمام حينها، فبدأ ينتقم منّي على طريقته؟

لكن لماذا أم عدنان، من بين عشرات النساء اللواتي عرفت قصصهن، هي من تفرض حكايتها عليّ بإلحاح وتدفعني للتفكير بكتابة ما تبقى منها في ذاكرتي ولملمة تفاصيل ونتف ما تبقى من حكايتها؟ أبسبب طبيعة حكايتها، وهي التي حملت وأنجبت ذات يوم طفلًا خارج أُطر الزواج التقليدي في قرية صغيرة ومنسيّة في الساحل السوري؟ وماذا تعني لها العدالة اليوم بعد أن أصبحت بين طيّات التراب؟

رحلة الزيت والشتاء

06 تشرين الثاني 2020
لا يمكن لأي نص يتحدث عن عفرين، وإن كان موضوعه الزيت وأشجار الزيتون وطقوس مواسم القطاف، أن يتجاهل احتلال المدينة الذي يستفز الحاضر، مثلما يوقظ الذاكرة ويتسلّح بها. ولهذا، هذه...

لا أعرفها، إلّا باسمها المعروف "أم عدنان"، وعدنان هو ابنها الوحيد الذي أنجبته من علاقة عاشتها، لا أحد يعرف عنها شيئًا، لا إن كانت علاقة حب أو علاقة عابرة مرّت بها، أو ربّما لم يعد أحد ممن حولي في ذلك الزمان قبل أكثر من عشرين عامًا يتحدث عنها أو يروي تفاصيلها، وكأنّ اتفاقًا سريًّا أُبرم بينهم على الكتمان والتناسي، لكن دون نسيان الذي لم يحصل لأيّ منهم قط. وعلى أثر هذا الحمل، تحوّلت أم عدنان من امرأة كان من المقدّر  لها أن تعيش حياتها بشكل "طبيعي" مثل ملايين النساء اللواتي يولدن في القرى النائية والبعيدة، يتزوجن وينجن ويخدمن أزواجهن إلى نهاية العمر، إلى امرأة منبوذة ومهانة، تحمل العار في كلّ خطوة من خطوات حياتها اللاتي لم تتعدى مربعًا محدّدا من الأمتار لم يصدف أن رأيتها خارجه على الإطلاق. منذ تلك اللحظة، لم يعد يسمع صوتها أحد، حتى هي لم تعد تطلب شيئا من الحياة سوى "السترة" وتجنب نظرات المحيط وظلمهم، هكذا بدت لي في طفولتي وأنا ألملم تفاصيل ونتف حكايتها من زوايا ذاكرتي وذواكر الآخرين والأخريات التي/ اللاتي عرفوا/ن حكايتها ولامسنها.

عشت حوالي عشرين عامًا متصلة على مقربة من الحيّ الذي كانت تقطنه في القرية، أتذكر جيدًا أنّه قلّما كنّا نراها، رغم أنّنا كنّا نحتل الشوارع للعب وتقطيع الوقت. كنت أراها فقط حين أمر من تلك الجادة الضيّقة الواصل بين شارعين، حيث تقطن في قبو معتم، هو عبارة عن غرفة بسقف واطئ، منحها إياها أصحاب البيت "لتنستر" فيها بعد أن تجرّأت على الإنجاب خارج منظومة الأسرة، رفضها الجميع، أهلها وأقاربها، وحنّ عليها هؤلاء بغرفة سقفها واطئ، أمامها فسحة صغيرة من تراب، أو رّبما كانت شرفة صغيرة (لم أعد أذكر). كانت تجلس هناك، وكنتُ أراها جالسة، فأرمي عليها سلامي دون أن توقفني معاناتها اليوميّة من صدّ الناس ورفضهم لها، إذ قلمها رأيتها تزور أحدًا أو تزار، ركنتْ للصمت، أو ابتلعها الصمت خوفًا ممّا هو أفدح.

ولكنّا، نحن الرجال لدينا الكثير من الفرص لإصلاح لحظات طيشنا وأخطائنا وأكثر من ذلك، فيما لا تملك ملايين النساء في العالم إمكانيّة تجاوز لحظة من حياتهن.

مرة واحدة فقط حصل العكس، أتذكر تلك الحادثة كأنّها حدثت للتو، فجأة أصبح اسمها على لسان كلّ نسوة الحيّ، ومنهنّ أمي، يتحدثن عنها بشفقة وحب وتعاطف ورثاء ودون أيّ تبرير لما فعلت بطبيعة الحال. حدث هذا بعد زمن طويل من حملها، وبعد أن أصبحت عجوزًا آلت حياتها للنسيان. يومها، تناقلت نسوة الحيّ أنّها بكت وقالت بما معناه "مرّ عمري تحت هذا السقف الواطئ ولم أرَ لحظة جميلة، لا عنب ولا فواكه ولا برتقال، لا طعام ولا اهتمام، ولا أحد..." يومها تعاطفت نسوة الحيّ معها أو انتبهن إلى تلك الجارة الفقيرة والمعترة، فزُرنها وحملنَ إليها الفواكه والطعام والكثير من الحب والتعاطف الذي كانت تفتقده أكثر من أيّ شيء.

كان ذنب أم عدنان أنّها حملت وأنجبت طفلًا، لا أحد يعرف إن كان نتاج علاقة حبّ أو علاقة عابرة، لم يعرف أحدا من جيلنا أب الطفل، ولم يفكر أحدٌ أن يسأل عنه، فالجاني دائمًا امرأة ودليل جريمتها موجود ومتوفر في "ابن الحرام" المولود هذا، هذا المولود الذي دفعت ثمن ولادته، بأن أُجبرت على دفن حياتها ورغباتها وجسدها في غرفة بائسة تحت سقف واطئ. 

كم تتحمل النساء في مجتمعاتنا؟ لحظة واحدة قادرة على تغيير حياة امرأة من النقيض إلى النقيض، فلنتخيّل أن تحكم لحظة واحدة على حياتنا كلها؟ لحظة ارتكبناها في لحظة حب أو صدق أو طيش حتى؟ من منّا لم يرتكب الأخطاء؟ ولكنّا، نحن الرجال لدينا الكثير من الفرص لإصلاح لحظات طيشنا وأخطائنا وأكثر من ذلك، فيما لا تملك ملايين النساء في العالم إمكانيّة تجاوز لحظة من حياتهن. لحظة، هي حتمًا، مهما كان عبثها، لا تستحق كلّ هذا الثمن المدفوع، فما بالك حين تكون لحظة حب أو جنس جميلة من لحظات الصبا؟

أفكر الآن بأم عدنان التي رحلت عن عالمنا منذ زمن بعيد، أفكر بما كانت تحلم حين كانت شابة؟ بمَ فكرت؟ أيّة حياة رسمت لنفسها قبل أن تنجب طفلها ويجبرها المجتمع للركون إلى الصمت درءًا للعار والفضيحة، وهي التي لم ترتكب أيّ عار أو فضيحة أصلًا؟ أفكر ماذا لو وُلدت أم عدنان ابنها في بلد يسمح قانونه للأم بأن تكون عزباء وأن تنجب خارج إطار الزواج، هل كانت تحقّقت أحلامها وأحلام ابنها؟ هل كانت تحرّرت من وطأة "الخطيئة" التي عاشت طيلة حياتها في ظلّ وهمها الكاذب؟ كم من الصعب أن تعيش حياتك تحت ظل "خطيئة" لم ترتبكها أساسًا؟ "خطيئة"، لم تعش في ظلّها وحدها، بل شملت أيضًا ابنها الذي نادرًا ما كنّا نراه في القرية.

من حلب إلى بيروت، مدن تحترق وأزهار للقاتل

22 شباط 2021
عبر أحداث حقيقية، عاش بعضها وكان شاهدًا على بعضها الآخر، يروي المخرج السوري "عروة المقداد" ذاكرة مثقلة بالأحلام المجهَضة والآمال المهزومة كنتاج لحياة عاشها بين ثورتين (الثورة السورية وثورة ١٧...

أتذكره الآن، يعبر شارعنا الصغير وهو يسوق طرطيرة علّق عليها الكثير من الأشياء التي يبيعها في أماكن بعيدة عن قريتنا، لم يكن يسكن القرية مذ كبر وشبّ، ولم يبع يومًا فيها أيّ شيء على ما أتذكر. حمل معه "عاره" و"عار" أمه أينما حلّ وارتحل، لم تكن لحظاته في القرية طويلة، يأتي في نهاية الأسبوع، أو مرة خلال شهور، وأحيانًا في الأعياد فقط، يسلّم على أمه ثم يعود للنسيان، لأمكنة أخرى لا أحد يعرفه فيها أو يعرف تفاصيل حكايته. لا أذكر أنّني رأيته يومًا في منزل من منازل حينا أو ضيفًا عند أحد، وإن حدث فهو مجرّد زائر سريع، يشرب قهوة تعدّ له على عجل ثم يغادر مسافرًا نحو النسيان الذي يراه أرحم من نظرات يراها في عيون من يعرف حكايته. أيضًا، لا أتذكر أنّني رأيت زوجته أو أبناءه يومًا في القرية، لا أعرف إن كانت أمه لامست أحفادها يومًا، كانوا حكاية أشبه بالخيال الذي يمرّ دون أن يراه أحد أو يعرفه أحد.

يوم ماتت أم عدنان، دُفنت على عجل بعد أن حكوا مع ابنها الذي حضر على عجل أيضًا، حضر الأيام الثلاثة من عزاءها ثم رحل ولم يعد إطلاقًا إلى القرية التي تعرف حكايته، تلك الحكاية التي نحاول روي ما تبقى من تفاصيلها إنصافًا له ولأمه، وقد تحمّلا آثار ذنب لم يرتكبه أيٌّ منهم، وإنصافًا لملايين النساء في العالم، اللواتي يدفعهن هذا الظلم لدفن حيواتهن في النسيان، على أمل أن تدفع هذه الحكاية صوتهن وحكايتهن نحو الضوء، ولو قليلًا، وأملًا بعالم لا مكان فيه للأحكام المسبقة، وإنّما للخيارات المستقلة.

مقالات متعلقة

حين أصبحت "مثقَّفًا"

26 آب 2021
اليوم، إذ أستعيد ما سبق بخجل، أتساءل: لم فعلتُ ذلك؟ ما الذي كان يحكم وعيي آنذاك حول مفهوم المثقف؟ وكيف تشكّلت هذه الرؤية في ذهني عن صورة المثقف، وهي صورة...
ملحمة الحزن الكامن فينا

08 نيسان 2021
تتسع الذاكرة لتكوّن هذا العالم، لتسكن تفاصيله، كلّ مدينة وكلّ شارع مررنا به في هروبنا. توسمنا في هذا الهروب الخلاص.. عبثًا. الذاكرة تمعن في حفر المشاهد أمامنا، لتصبح شواهد عليها.
يزداد البطش كلّما ازداد جهلهم

15 نيسان 2021
الكثيرون لا يعرفون كيف وصل الدكتاتور وحاشيته إلى السلطة، كيف استلم الحكم، ليس من المسموح معرفة كيف تمّ هذا لما يرافقه من أجواء قتل وتآمر على الدكتاتور السابق، ثمّ على...
المجدّرة هي الأمة، أمّا الباقي طوائف

17 أيلول 2021
أمّا في زمنا الحالي البائس الحزين، فإنّ أسعار البرغل تتساوى مع أسعار الأرز، إن لم تكن أغلى في بعض البلاد، لكن ورغم ذلك، يُمكن ملاحظة انتشار المجدّرة ببرغل بشكل أكبر...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد