انعدام خصوصية النساء في المخيّمات

أي أثر للعادات والتقاليد والتغيّر المناخي؟


تخبرنا السيدة فاتن (33 عاما) وهي تبتسم أنّ معظم قاطني المخيّم يعرفون ماذا تطبخ، ومتى يستحم أطفالها، ومتى تغسل أطباقها… ما يمنعها من الخصوصية التي تفتقدها النساء اللواتي اضطررن للسكن في المخيّمات، وهذا ما تعالجه هذه المادة.

24 كانون الثاني 2024

غاردينيا الإسماعيل

كاتبة وصحفية سورية

"تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع «تمكين الجيل القادم من الصحفيات السوريات» بالشراكة بين مؤسستي «شبكة الصحفيات السوريات» و «حكاية ما انحكت». أُنتجت هذه المادة بإشراف الصحافية آلاء محمد"

"للسكن في المخيّمات طقوس معينة تفرضها البيئة الاجتماعية المحيطة بها، وتحكم النساء بأدق تفاصيل حياتهن، دون قدرة على الاعتراض أو التغيير"، تقول السيدة عليا، وهي نازحة من مدينة اللطامنة في ريف حماه الشمالي، إلى منطقة عقربات شمال إدلب. 

تضيف السيدة الثلاثينية أنّها فقدت معنى الخصوصية في حياتها الأسرية بسبب طبيعة السكن ضمن خيام عشوائية ضيّقة ومتلاصقة. تقول إنّ أحاديث جيرانها تصل إليها دون حواجز، "كأنّهم في منزل مشترك". تضحك وهي تخبرنا من خيمتها أنّها وزوجها كثيراً ما تدخلوا في فضّ مشكلات جيرانها بسبب اطلاعهم على مشاكلهم اليومية دون قصد، وذلك بسبب طبيعة الحياة هنا. "لا أشعر أنّي امرأة لها حريتها واستقلالها في منزلها، أو أنّها بعيدة عن مراقبة الآخرين لها في كلّ وقت"، تقول عليا.

هذه الحال تعيشها آلاف النساء في المخيّمات، دون القدرة على البوح بها أحياناً، منهن من تأقلمت مع هذا النمط من الحياة، ومنهن من تحلم بتغيير هذه الحال إلى الأفضل والعودة إلى منزلها السابق. 

ليس بعيداً عن عليا تعيش السيدة فاتن (٣٣ عاماً)، وهي أرملة وأم معيلة لأربعة أطفال، أصغرهم خمس سنوات. تقول بنبرة هادئة وهي تحتسي كأساً من الشاي داخل خيمتها إنّها لم تحصل سوى على "خيمة واحدة صغيرة بالكاد تتسع لأطفالها"، ما جعلها تستبيح فسحة سماوية ضيّقة أمام خيمتها لجعلها مطبخاً. تقول لنا وهي تشعر بغصّة على منزلها الذي تركته في ريف دمشق إنّ مساحة مطبخها الذي تركته تساوي أضعاف مساحة الخيمة التي تسكنها، فهي مضطرة للطبخ والعمل ضمن هذه المساحة الضيّقة المكشوفة لأمطار الشتاء وحرّ الصيف.

تقضي فاتن معظم وقتها خارج الخيمة، في فسحتها الصغيرة، بعد أن صنعت فيها موقداً طينياً للطهي، لتحضّر الطعام لأطفالها، وتسخّن مياه الحمام. تخبرنا وهي تبتسم أنّ معظم قاطني المخيّم يعرفون ماذا تطبخ، ومتى يستحم أطفالها، ومتى تغسل أطباقها، فهي تمارس جميع تلك الأعمال في هذه الفسحة الصغيرة. تختتم حديثها والدمعة تسبق كلامها "لا خصوصية للنساء الوحيدات مثلي، ولا معيل لهن يغيّر هذه الحال حتى في مطابخهن، وفي أوقات الذهاب إلى الحمام". 

سعاد العلي، عاملة الدعم النفسي والاجتماعي في إحدى المنظمات الإنسانية في شمال غربي سوريا، تقول إنّها عاينت  خلال عملها في التوعية ضدّ العنف كثيراً من حالات النساء اللواتي شكلت لهن بيئة الحياة في المخيمات رضّاً نفسياً ناتجًا عن ضغطٍ نفسي، "وهذا يعد أصعب درجات العنف التي تمارس ضد النساء في المنطقة". 

تشرح لنا أنّ "انعدام الخصوصية في المخيّمات، فضلاً عن ضيق المساحة السكنية، وعدم شعور المرأة بالأمان والاستقرار والراحة، إضافة إلى خوفها من انتشار الأمراض والأوبئة نتيجة وجود كتل حمامات عامة وانعدام النظافة فيها، شكلت هاجساً لدى غالبية نساء المخيمات". 

عادات وتقاليد تحكم النساء

وسط مخيّم الوفاق في مدينة كللي في ريف إدلب الشمالي تعيش المرأة الأربعينية، أم منصور، وذلك بعد نزوحها من قرية اللطامنة الواقعة في ريف حماة. تقول إنّها منذ تهجيرها لم تعرف معنى الأمان والاستقرار. تظهر تأثيرات الحياة القاسية طاغية على ألفاظها ونبرة صوتها وهي تشير إلى يديها المتشقّقتين من أثر المياه الباردة: "أن تعيش في خيمة يعني أن تموت ببطء قبل أوانك، فالحياة هنا لاتعرف طعم الهدوء والراحة، أما الخصوصية فقد فقدناها منذ غادرنا منازلنا قبل سنوات". 

بحسب النساء اللاتي التقينا بهنّ فإنّ العادات والتقاليد التي تحكم الشمال السوري تؤثر على حياتهن بشكل سلبي، وتُعرضهن لمشكلات مع العائلة والوسط المحيط. تقول أم عمار (٤٠ عاماً وأم لستة أولاد. تقيم في مخيم المقبرة التابع لمدينة معرة مصرين): "يوجد بعض العادات الدينية والمجتمعية التي تحكمُ المجتمع من ناحية اللباس والاختلاط، فمعظم النساء اللواتي يعشنَّ في الشمال السوري يرتدين الحجاب وقسم منهن يرتدي الخمار بسبب الالتزام الديني".

العادات والتقاليد التي تحكم الشمال السوري تؤثر على حياة النساء القاطنات في المخيّمات بشكل سلبي، وتُعرضهن لمشكلات مع العائلة والوسط المحيط، وذلك وفقا للنساء اللواتي التقينا بهنّ.

يكون الأثر مضاعفاً على النازحات المقيمات في المخيمات القماشية وسط مكان يعجُ بالخيم القريبة من بعضها، دون أن يوجد بين واحدة وأخرى سوى بضعة أمتار قليلة، أو في المنازل المسقوفة بعوازل ألواح التوتياء أو "الشوادر" التي تقدّم ضمن المساعدات الإغاثية. بحسب الصحفية والباحثة النسوية، رولا أسد، فإنّ "أغلب المخيمات تفتقد لوجود سكن يلائم الكرامة الإنسانية، وبالتالي ترتفع المخاطر المتعلّقة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، والعنف الجنسي، الذي تواجهه النساء والفتيات والأطفال الصغار الذكور".

كما تؤكد أسد على ضرورة وجود سياسات شاملة تأخذ بعين الاعتبار احتياجات النساء، والتفكير فيها على مستوى العدالة الاجتماعيّة، على أمل أن "يكون هناك على المدى البعيد أثر بأن تكون الحكومات والمنظمات لديها سياسة تراعي احتياجات النساء والفتيات".

في خيمة لا تتجاوز مساحتها  بضعة أمتار في إحدى خيّمات بلدة قاح شمال إدلب تعيش وفاء محمد مع فتاتين وثلاثة صبية. تحكي لنا وهي تنظف الأطباق بالقرب من خيمتها عن معاناتها في السكن في المخيمات العشوائية مذ نزحت من غوطة دمشق قبل ست سنوات، ولا سيما في الخروج إلى كتل الحمامات العامة، حيث كان أطفالها يشعرون بخوفٍ كبير أثناء ذهابهم ليلاً وسط ظلام دامس، وقد حُلّت المشكلة عندما اقتطعت حماماً خاصاً داخل خيمتها رغم ضيق المساحة: "كنت أشعر بالحرج والخوف أيضاً، عندما  أذهب إلى الحمام، أو أرافق أطفالي  لقضاء حاجتهم". 

حلول متاحة للرجال وممنوعة على النساء

"اخفضي صوتك كي لا يسمعه أحد، انتبهي لحجابك، كاحلك ظاهر، ابقِ بثياب طويلة، ربما يأتينا أحد ما"، هذه عينة من العبارات اليومية التي تسمعها أروى (٢٥ عاماً)، والتي تقيم في إحدى المخيمات التابعة لمدينة أطمة في ريف إدلب الشمالي. 

تقول إنّ زوجها يخاف من كلام الناس، ويُسمعها دوماً تلك العبارات بنبرة حادة، يقول لها "لا تجعليني علكة في فم الناس". ويبرّر ذلك بخوفه عليها، ويقول إنها لست الوحيدة التي لا تتمتع بحريتها في منزلها، "بل هناك آلاف النساء مثلي في باقي المخيمات".

حسب إحصائية لفريق "منسقو استجابة سوريا" بلغ عدد الأهالي النازحين قرابة ٢.١ مليون نازح، من أصل أكثر من أربعة ملايين سوري/ة، مليون و٤٣ ألف و٨٦٩ نازحاً منهم يسكنون المخيمات، على توّزع ١٢٩٣ مخيماً، من بينها ٢٨٢ مخيماً عشوائياً أقيم في أرض زراعية. 

تقول سمر المحمد (٣٣ عاماً، مقيمة في مخيم المطار التابع لمدينة حارم) إنّ "هناك أزواج لا يشعرون بمعاناة النساء سواء في فصل الصيف أو الشتاء مع تغيّرات الطقس". تخبرنا أنّ زوجها في أوقات الصيف يذهب مع أصدقائه إلى المسبح، يقضون وقتاً ممتعاً، ويمضي ساعات طويلة في السهر معهم خارج الخيمة، بينما تعاني هي من ارتفاع درجة الحرارة دون القدرة على فتح بابها لدخول القليل من الهواء بسبب قرب الخيام من بعضها وانكشافها على الشارع أيضاً.

هذه العادات والتقاليد لا تحكم النسوة في المخيّم فحسب، بل حتى الفتيات الصغيرات واليافعات ممنوعات من ممارسة بعض الأنشطة، سواء التفسّح أو الذهاب إلى المسبح. يقولُ عامر الجواد (٣٧ عاماً، مقيم في مخيم الجب التابع لمدينة كفريحمول) إنّ لديه "مسبح صغير من النايلون، أخرج أولادي الذكور من الخيمة، واملأه بالمياه كي يلعبوا ويسبحوا، أما بناتي فلا يمكنني أن أسمح لهن بذلك".

يضيف أنّ عادات أسرته المتعارف عليها لا تسمح للفتاة، حتى وإن كانت صغيرة، بالسباحة أو اللعب في مكان بعيد عن سكنهم.

مدفأة واحدة والبرد من نصيب النساء

بسبب تلك العادات المجتمعية، تكون المعاناة مضاعفة في فصل الشتاء. تحكي السيدة وداد ذات الثلاثين عاماً والمقيمة في مخيّم الحمراء بمدينة كللي شمال إدلب، عن عدم القدرة على إشعال أكثر من مدفأة واحدة في الخيمة، ما يعني أنّ وجود أيّ ضيف من أصدقاء ومعارف زوجها تعني بقاءها مع بناتها لساعات دون مدفأة.

تقول إنّها عانت من هذا الأمر كثيراً، حالها كحال باقي النسوة في مخيّمها، حيث أنّ "الرجال يمضون أوقاتهم خارج منازلهم يتسامرون مع أصدقائهم لمدّة طويلة بجانب المدفأة، ونحن النسوة ندفع الضريبة". هذه التفاصيل اليومية المتبعة حسب قول وداد، جعلت منها امرأة عصبية سريعة الغضب بسبب الضغوط التي تمارس عليها وتُسبّب لها مشكلات عائلية كبيرة، كادت أن تصل إلى الطلاق. 

 العادات والتقاليد لا تحكم النسوة في المخيّم فحسب، بل حتى الفتيات الصغيرات واليافعات ممنوعات من ممارسة بعض الأنشطة

بحسب الأخصائية النفسيّة العاملة مع منصة peace therapist للدعم النفسي، أسيمة مرشد، فإنّ "النساء يواجهن مشكلات نفسية نتيجة القهر اليومي، وقد يؤدي إلى إصابتهن بحالات اكتئاب"، هذا ما لاحظتْه خلال عملها مع النساء في المخيمات. 

كما أشارت مرشد إلى أنّ أكثر مشكلة تواجه السيدة هي وقوعها في دائرة العنف، أي أن تمارس العنف على أطفالها، نتيجة عدم قدرتها على تفريغ الضغوطات بطريقة صحيحة، فيظهر ذلك "إمّا على شكل أمراض جسدية أو مشاكل أو اضطرابات نفسية أو تفريغ بطرق سيئة أخرى مثل الشجار مع زوجها أو ضرب أطفالها وعدم الاعتناء بهم بشكل كافي".

تحكي سلمى محمد (٣٥ عامًا،  مقيمة في مخيم البركات في مدينة كللي بريف إدلب الشمالي) عن نساء يعانين في حياتهم اليوميّة بسبب تحكم أزواجهن أو أخوانهن في حياتهم اليوميّة "بحكم العادات والتقاليد الاجتماعية والضوابط الدينية، سواء من ناحية اللباس أو الخروج من الخيمة أو ممارسة العمل أو زيارة الجيران".

تقول وهي جالسة على كرسي أمام الخيمة مع بعض النسوة في المخيم، إنّ "النساء محكومات بظروف صعبة، زادت الحياة في المخيمات من تضييقها عليهن، سواء داخل أو خارج الخيمة، لافرق. هؤلاء النسوة يمثلن حال كثير من السيدات النازحات في الشمال السوري".ت

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد