من موقعه "التاريخي" كما يسميه، على صخور شاطئ البحوث البحرية، وبصنارةٍ قوية نجح أحمد عيسى (55 عاماً) الصياد المتمرس بخبرة ثلاثة عقود في التقاط سمكةٍ مطلع هذا الشهر أعادت إليه ذكريات الماضي: إنها سمكة اللقز الرملي. لم يكن هذا الحدث عادياً، فالسمكة التي يزيد طولها عن ثلاثين سنتمتراً، بوزنٍ يقارب الكيلو، وتحمل على جانبيها الأشرطة الداكنة المميزة، لم يرها 'أبو مريم' ـ كما يُنادى بين زملائه ـ منذ سنواتٍ هنا. لحظاتٌ من التردد والدهشة انتهت بفرحةٍ عارمة، فيما كان يرفعها بين يديه وتلمع حراشفها الفضية تحت أشعة الشمس.
هذه "الصيدة"، اعتبرها أحمد فأل خير، ولم تكن برأيه رزقاً ليوم واحد، بل كانت رسالةً من البحر أنه إذا ما "حلّ البشر عن ممارساتهم الوسخة تجاهه لهو قادر على العطاء مرةً ومراتٍ أخرى". انتشر خبر السمكة التي حسب كثيرون أنها انقرضت بين جموع الصيادين المداومين كل يوم على المكْسر (الحاجز الصخري على الشاطئ) بفرحٍ غامر.
ورغم أن اصطياد سمكة اللقز الرملي في المياه الضحلة خلال تشرين الثاني يُعتبر حدثاً غير مألوف، إذ أن هذه الأسماك تبتعد في العادة إلى المياه الأعمق مع حلول الخريف، كما يقول أحمد، فإن هذا اللامألوف نفسه يجعل الظاهرة مثيرةً للاهتمام. هذا الحضور غير المتوقع قد يكون إشارةً مبكرة على تعافي النظام البيئي في هذه المنطقة وربما مناطق أخرى.
دلائل عودة الحياة البحرية هنا
دمار الغابات في الساحل السوري
16 كانون الثاني 2025
لم تكن سمكة اللقز الرملي التي اصطادها أحمد سوى البداية في مراقبة ظاهرة عودة الحياة إلى البحر السوري. وبعد أكثر من عقدٍ على التدمير المنظم للثروة السمكية، وبعد عامٍ على سقوط النظام السابق واختفاء ممارساتٍ مجحفة بحق البحر والكائنات الحية فيه، بدأت تظهر دلائل ملموسةٌ على تعافٍ محتمل في السواحل السورية.
بدأ المشهد بالتغير في الأشهر العشرة الماضية. فبعد توقف الممارسات المدمرة وبدء تنظيم عمليات الصيد، لوحظت علامات تعافٍ ملموسة. يقول عيسى: "بدأنا نرى أنواعاً من الأسماك لم نكن نشاهدها منذ سنوات". ومن بين هذه الأنواع التي عادت للظهور: الغريفة، المليفة، الغبص، العفي، والبزر، كما عاد سمك السردين ليظهر قرب الشاطئ بعد غيابٍ طويل.
ويلاحظ الصيادون ظواهر جديدة تدل على تعافي النظام البيئي البحري، منها ظهور أنواع نادرةٍ مثل سمكة الببغاء وسمك التونة، والعوائم العائمة التي تسمى محلياً "العابرات"، إضافة إلى عودة أنواع من الرخويات التي تشكل غذاءً أساسياً للكائنات البحرية، وسمك (الزليق) الذي كان غائباً سابقاً.
ويؤكد عيسى أن "غياب الديناميت أدى إلى اقتراب أنواع من الأسماك التي كانت تتجنب منطقتنا سابقاً"، مما ساهم في تعزيز تنوع الثروة السمكية. كما يشير إلى أن تنظيم عمليات الصيد من قبل الحكومة الجديدة والثروة السمكية عبر تخصيص بطاقاتٍ للصيادين ساعد في تقليل الفوضى ومنع الصيد العشوائي، خاصةً من قبل الصيادين غير المرخصين، الذين كانوا يستخدمون أساليب الجرف والديناميت. كذلك فإن منع الصيد باستخدام الدواليب العائمة، التي تُسمّى (شمبرينات) قرب الشواطئ، ساهم في التعافي.
عمليات الصيد المدمرة سابقاً كانت تجري عبر قوارب مدعومةٍ من السلطة الأمنية السابقة، عبر شباك في الموانئ، ووضع قيود على استخدام القوارب التقليدية، مما أدى إلى تراجع الصيد التجاري الشرعي. لكن الصيادين اليوم يلمسون التحسن من خلال الصور التي يلتقطونها لأسماك تم اصطيادها في يوم واحد، تضم أنواعاً لم تكن تظهر من قبل، مثل حبات (البوق)، في مؤشرٍ محتمل على بداية تعافي البيئة البحرية بعد سنوات من التدهور.
توقف الديناميت والفرقة الرابعة
يرى أحمد أنّ السبب الرئيسي الذي توقعه لظهور اللقس الرملي، والأنواع الأخرى، من جديد على الشواطئ السورية هو توقف عمليات الصيد بالديناميت، فيما يرى آخرون ـ في سياق التحقيق ـ أسباباً مختلفة. يقول عيسى وهو يقف بثباتٍ أمام أمواج البحر على صخور شاطئ البحوث البحرية: "البحر كان يموت أمام أعيننا، طيلة سنوات عمري هنا، وقد تجاوزت العقدين والثلاثة، لم تتوقف عائلاتٌ مقربة من النظام السابق عن رمي البحر بالمتفجرات." وبحسب أحمد كانت (الفرقة الرابعة) تستخدم أساليب مدمرة منهجية، من رمي كمياتٍ هائلة من المتفجرات (الديناميت) في حوض المرفأ وخارجه، إلى عمليات الجرف غير المنظم، وبمجملها حولت قاع البحر إلى بيئة عقيمة، وأدت إلى تدهور نوعية الأسماك وتراجعٍ حادّ في الثروة السمكية.
يقول: "كانوا يملأون عبواتٍ فارغة من التنك بسعة ما لا يقل عن عشرة كيلوات من الأسمدة الزراعية، التي تتحوّل إلى مادةٍ متفجرة مع إضافة صاعق، ويرمونها في المنطقة الممتدة من محمية ابن هاني إلى آخر طرطوس، والزلمي يسترجي يحكي معاهم. الديناميت يقتل البذرة وهي أنواع متعددة مثل أم حنك، الجادوم، البلموط والغريبة، والسردين البلدي الصغيروهذا يجلب الأسماك الأكبر. أتوقع أنّ انحسار الصيد الجائر بالديناميت أتاح للأسماك العودة إلى موائلها الساحلية في أوقات كانت تتجنبها سابقاً بسبب الاضطراب المستمر".
في خضم الأزمات البيئية الكثيرة التي تضرب البحر المتوسط، أصبح أي خبرٍ عن تعافٍ صغير أو محتمل للبيئة البحرية ضرباً من المعجزة. الشهادات السابقة تقدم بصيص أملٍ بحدوث تعافٍ محدود للبيئة البحرية السورية ظهر في كميات ونوعيات الأسماك المصادة وعودة بعض الأحياء البحرية الأخرى إلى المنطقة.
عمليات التفجير بالديناميت عادةً ما كانت قريبةً من الشواطئ حيث يصطاد أغلب صيادي السنارة. يقول أحمد: "لدينا السردين الملكي يظهر للمرة الأولى بوزن أوقية وأوقية نصف، وهو من أنواع البذرة العائمة يعيش على عمق متر إلى مترين، بسببٍ أكيد هو توقف الديناميت" وعلى هذه الشواطئ فإنّ التنوع البحري هو في درجته العالية، حيث تشير منظمة الفاو إلى أنّ غالبية هذا التنوع في المتوسط يتركز أساساً بين عمق مترٍ واحد إلى خمسين متراً أي في منطقة التفجير بالديناميت. يضاف إلى ذلك أن متوسط عرض الجرف البحري القاري، حيث تقع غالبية التفجيرات، هو بين 2-16 كم، أي في حدود مواقع انتشار الأسماك القابلة للصيد بالصنارة والجاروفة.
في تحقيق استقصائي سابق لـ حكاية ما انحكت عن هذه القضية شرح أحمد وقتها كيف أنّ عناصر الأمن مع شبكات فسادٍ أخرى عملت على تدمير البيئة البحرية والقاع المرجاني المتميز في هذه المنطقة فيما كان مدير المحمية أحد ضحايا هذه الشبكات، وقد تعرض لمحاولة قتلٍ ونجا. "اليوم الحال تغير" يقول أحمد، ولكن هل اختفاء الصيد بالديناميت هو حقيقةٌ واقعة؟
يؤكد أحمد مع عددٍ آخر من الصيادين في منطقة البحوث ومناطق أخرى مثل المينا اليوغسلافي ومينا الصيد ومرفأ جبلة وغيرها أنه لم تسجّل طيلة العام التالي لسقوط نظام الأسد عملياتٌ ملحوظة للصيد بالديناميت، قريبةٌ من الشاطئ. سألنا على الأقل سبعة صيادين من مناطق مختلفة فقالوا الكلام نفسه مشيرين إلى احتمال رمي الديناميت في مناطق داخل البحر، بعيدةٍ عن الشاطئ.
يقدّم الصياد محمد حميشة (45 عاماً) وهو أستاذ رياضيات في مدارس اللاذقية ولكنه يمارس الصيد منذ عقدين على الأقل، تفسيراً لغياب الرمي بالديناميت فيقول: "لا يتعلق التوقف عن رمي المتفجرات بالرقابة أو الوعي، بل بانقطاع شريان الدعم الذي سمح بهذه الممارسة وحمى فاعليها. الشبكات التي كانت تمارس الصيد بالمتفجرات عملت في الماضي تحت غطاءٍ أمني، مما جعلها فوق المحاسبة. أما اليوم، فقد سقط ذلك الغطاء".
يشير محمد إلى البحر موضحاً: "في الوضع الراهن، أصبحت حيازة الديناميت أو استخدامه تهمةً جاهزة، حيث أن أيّ عملية تفجير في البحر ستُعرض منفذيها للاتهام الفوري بالانتماء إلى (فلول) نظام الرئيس المخلوع والعمل لصالحه. لم يعد أحد يتجرأ على رمي الديناميت والمخاطرة بأن يضبّه الأمن العام أو الفصائل، خاصةً في المناطق الساحلية العلوية التي تشهد رقابةً مشددة وتوجساً أمنياً من أي نشاطٍ مريب. لقد جفَّ المصدر الذي كان يمدهم بالحماية والمواد، فانقطعت الظاهرة من جذورها".
منع الجرف القاعي .. نتائج بعد عشرين عاماً؟
غياب أصابع الديناميت لعب دوراً كبيراً في انتعاش الثروة السمكية ولكن هناك عوامل أخرى على الدرجة نفسها من الخطورة والأهمية، وعلى رأسها منع الجرف القاعي بأنواعه الثلاثة (البري والقاري والأقفاص). يقوم هذا النوع من الصيد المعروف عالمياً، وفق صيادين بينهم رُؤساء مراكب مخضرمون التقينا بهم في اللاذقية، على استخدام مراكب مزودةٍ بشباك طويلة وقوية للحصول عبر التجريف على أكبر كمية ممكنة من الأسماك، وكلما اختلف العمق الذي تصل إليه الشباك وقطرها اختلفت الأنواع المصطادة. ولكن منع هذا الجرف القاري ونتائج منعه تشهد جدالاً حاداً بين صيادين مؤيدين لعودته وآخرين معارضين، ولا يبدو أن حسم هذا الجدل متاح حالياً.
في سوريا أصدرت وزارة الزراعة القرار رقم 5 العام 2004 القاضي بمنع الصيد بأسلوب الجرف القاعي داخل المياه الإقليمية، في خطوةٍ وصفت آنذاك بـ "التاريخية" للمحافظة على الثروة البحرية. استمر القرار مع تنفيذٍ ومراقبةٍ شديدة حتى الفترة بين 2017 إلى 2020، حين سمحت السلطات بشكلٍ استثنائي بعودة هذا النمط من الصيد. يقول الصياد خالد زنجرلي (42 عاماً) من اللاذقية، صياد شبكة: "خلال تلك السنوات، شهدنا تغيراً طفيفاً في المردود السمكي. كنا نلاحظ أن مراكبنا كانت تجني أنواعاً مختلفة ولكن التحسن لم يكن كبيراً".
وبعد مداولاتٍ واسعة بين الوزارة وصيادي مراكب الجرف، استمرت من العام 2018 حتى 2021، أعادت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي في نيسان 2021 العملَ بمنع الجرف بشكلٍ نهائي، متسلحةً بـ القانون رقم 11 لسنة 2021 الذي قضى بإحداث الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية، وحدد ضوابط صارمة لعملية الصيد، مع عقوباتٍ رادعة لكل من يلحق ضرراً بالبيئة المائية.
كان لهذا القرار تأثيرٌ ميداني فوري، حيث أوقف عمل 44 مركب جرف (من أصل 818 مركب) كانت تعمل على مساحة 180 كيلومتراً مربعاً من المياه الإقليمية السورية، كما فرض القرار فترة راحةٍ بيولوجية تمنع الصيد بين 15 حزيران و15 أيلول من كل عام، لحماية موسم التكاثر. "القرار أصابنا بصدمة ولليوم لم نشف منه"، يعترف الصياد محمود جابر، أبو فاروق (50 عاماً) من اللاذقية، أحد المتضررين من المنع: "كنت أعيل أسرتي من هذا العمل منذ أكثر من عشرين عاماً. فجأة وجدت نفسي بلا مصدر رزق ولم أعد أجرؤ على الذهاب في رحلات الجرف البري رغم قناعتي أن هذا النوع الذي نتوارثه أباً عن جد، لا يضر كما يشاع، وكما تقول الوزارة".
يؤيده في الكلام الريّس "أبو العبد" (52 عاماً) من كبار صيادي اللاذقية ومالك مراكب جرف في المنطقة القارية: "الجرف يسمح بتجدد قاع البحر وتحريك الأسماك التي هي في الأصل من الأنواع المهاجرة لا المحلية. ثم أنّ من يريد منع الجرف عليه أن يمنع الصيد بشباك الصيد ذات القطر 16 ملم التي تأكل فعلياً كل أنواع السمك وهو أمر لا يفعله الجرف الذي يصطاد أنواع محددة".
يشير الصيادون السابقون من مالكي مراكب الجرف إلى وجود آلاف مراكب الجرف المماثلة في البحر المتوسط وحده، مؤكدين أن الصيد القاري يظل عملاً قانونياً في العديد من الدول المجاورة (لبنان وتركيا وقبرص)، حيث تُفرض عليه ضوابط صارمة. ويطالبون بالسماح بصيد الجاروفة في سوريا مستندين إلى تجارب تلك الدول ويربطون بين السماح بصيد الجرف وتقدم تلك الدول في إنتاج وتصدير الأسماك، لافتين إلى أن جزءاً من الأسماك المجمدة التي "تغزو" الأسواق السورية بأسعار منافسة، مصدرها هذه الدول التي تتبنى أنظمة حصصٍ صارمة وتراقب مواسم التكاثر.
غابة الفرنلق: حكاية إنقاذ شبه مستحيلة في ظلّ ظروف صعبة
11 آب 2025
على عكس كلام مؤيدي الجاروفة، يُحذّر خبراء بيئيون من عدم إغفال الفروق الجوهرية في التطبيق. فمن جهة، تؤكد هذه الدول على مبدأ "الصيد المسؤول" الذي يسمح بالجرف فقط في المياه الدولية ومنعه في المياه الإقليمية، بينما تشير تقارير إلى ممارسة الجرف في المياه الإقليمية السورية. يوضح الدكتور فراس الشاوي، الخبير البيئي في المعهد العالي للبحوث البحرية (اللاذقية) أن "الجرف بصورته الحالية - جاروفة البر وجاروفة القاع - يؤدي إلى تحطيمٍ كامل للبيئة خلال سحب الشبكة، مما يتسبب في تدمير الموائل الطبيعية للكائنات البحرية وصيد أسماك غير اقتصادية، تُعاد إلى البحر ميتة، وإحداث خلل في الشبكة الغذائية البحرية".
ويلفت الدكتور الشاوي إلى أن "الأقفاص السمكية، رغم أنها لا تُعد شكلاً من أشكال الجرف، تساهم هي الأخرى في الإضرار بالبيئة البحرية من خلال تكسير المرجان وتدمير الكهوف الصغيرة التي تشكل موائل طبيعية للكائنات البحرية". أما الأسماك المجمدة المستوردة، فيرى الخبير البيئي أنها في الغالب "منتجة في مزارع سمكية بحرية، وليست ناتجة عن عمليات الجرف"، مما يفتح الباب أمام حلول بديلة تلبي حاجة السوق من دون الإضرار بالبيئة.
وبينما تشهد شواطئ مدينة اللاذقية، مثل البحوث البحرية والرمل والصنوبر، حيث تُطبَّق قرارات منع الصيد الجائر، بداياتٍ ملحوظة للتعافي البيئي، تكشف تقارير مناقضة من مدينة جبلة (جنوب اللاذقية) عن استمرار الممارسات المدمرة في بعض المناطق وبالتحديد عمليات الجرف، التي يشاهدها السكان هنا بوضوح ليلاً.
التفاوت بين ساحل جبلة وساحل اللاذقية يؤكد أن التعافي البيئي ليس حتمياً، بل هو نتيجةٌ مباشرة لوجود إرادةٍ رقابية. فحيثما وُجِدت الرقابة، كما في ساحل اللاذقية، عادت الأسماك وتنشّطت الحياة البحرية. وحيثما غابت، كما في بعض شواطئ جبلة، استمرت قلة الإنتاج. يوضح هذا التناقض الجغرافي حقيقة أنّ الحلول موجودة، والمطلوب إرادة رسمية لإكمال التعافي وتنظيم قطاع الصيد بطريقةٍ عاقلة تحقق الاستدامة.
أرقام رسمية ومؤشرات تعافٍ محدودة
تكشف الأرقام الرسمية للهيئة العامة للثروة السمكية عن صورة متشابكة وأرقام متضاربة لإنتاج القطاع السمكي البحري ولكن هناك مؤشرات طفيفة على تحسن في الإنتاج.
حسب بعض الدراسات الأكاديمية المعتمدة على النشرات الرسمية للهيئة العامة للثروة السمكية وعلى مراجع ميدانية أخرى، فإنّه بعد انخفاض الإنتاج البحري إلى أدنى مستوى له العام 2017 ليبلغ 1513 طناً فقط، بدأ منحنى التعافي في الصعود، عام 2021، بلغ صيد الأسماك البحرية في سوريا 2003 أطنان فيما كان المؤشر الأبرز بين العامي 2022 و2024، حيث قفز الإنتاج من 2522 طناً إلى 2787 طناً فيما لا تتوفر بيانات رسمية عن العام الحالي 2025، هذه الطفرة التي تجاوزت 200 طن في عامين، بناءً على الأرقام الرسمية، هي نتيجةٌ لانحسار ممارسات التدمير. واصلت السلطات الجديدة حملاتها ضد الصيد الجائر، حيث أعلنت المديرية العامة للموانئ في تموز 2025 عن إيقاف مجموعةٍ من الصيادين لاستخدامهم الديناميت قبالة الساحل السوري، في انتهاكٍ يهدد من جديد البحر السوري.
تأثير التعافي على الأسواق والأسعار: بصيص أملٍ للمستهلك
بدأت آثار هذا التعافي البيئي المحدود تصل تدريجياً إلى أسواق السمك في اللاذقية وطرطوس. فبعد سنواتٍ من ارتفاع الأسعار وشحّ المعروض أو غلاء أسعاره، بدأ المستهلكون يلاحظون تحسناً طفيفاً لكنه ملموس. يقول أبو أنس (محمود سوسي)، تاجر سمك في سوق أوغاريت (قلب مدينة اللاذقية): "الإنتاج هذا العام جيد مقارنةً بالسنوات الماضية، لكنه ليس كافياً. فالسوق يبتلع أيّة زيادة بسرعة، والإنتاج المحلي لا يزال أقل من حاجة الاستهلاك". يضيف: "في موسم السردين الأخير، لاحظنا انخفاضاً في السعر بنسبة 20% تقريباً مقارنةً بالعام الماضي. الكميات كانت أكبر، وكان السردين يصل يومياً من المرفأ. لكن الأسعار لم تنخفض كثيراً بسبب ارتفاع تكاليف النقل والطاقة".
وبحسب نشرة الأسعار الحالية لمسمكة في منطقة سقوبين (اللاذقية) فإن سمك سفرنة وقجاج للشوي حافظ على سعره بين 100 - 130 ألف، أما العصيفري يتراوح بين 20 و30 ألف ليرة، بعدما كان يتراوح بين 40 و60 ألف ليرة، في حين هبط سعر البلميدا من 80 ألفاً إلى 20 ألف ليرة فقط. يشير صاحب المسمكة إلى أنّ هناك طيفاً واسعاً من الأسماك يناسب جميع الجيوب.
يقول الصياد أحمد عيسى: 'البحر يرد الجميل عندما نتركه في حاله'. هذه العبارة تختزل جوهر القضية: الحماية الفعالة والرقابة الجادة كفيلتان بإعادة الحياة إلى بحرٍ كاد أن يتحول إلى مقبرةٍ مائية.
في المؤشرات السورية لاستهلاك الأسماك فإن النسبة ما تزال ضعيفة مقارنةً بالاستهلاك العالمي. يقول رئيس قسم الإنتاج الحيواني في كلية الهندسة الزراعية بجامعة اللاذقية، الدكتور مالك علي، أن معدل استهلاك الفرد من لحوم الأسماك في سوريا لا يتجاوز 1 كيلوغرام سنوياً، مقارنةً بـ 9 كيلوغرام كمعدل عالمي، و24 إلى 25 كيلوغرام في الدول المتقدمة. وأرجع عليّ هذا الانخفاض إلى ضيق الرصيف القاري على الساحل السوري، الذي لا يتجاوز في بعض المناطق 200 إلى 300 متر، مقابل امتداده إلى 15 أو 20 كيلومتراً في بعض الدول.
من جهة المستهلكين، تؤكد فاطمة علي (38 عاماً) وهي ربة منزل من حي الشاطئ الأزرق: "ألاحظ هذا الموسم تنوعاً أكبر في أنواع السمك، خاصة السردين والبوري والغبص. الأسعار ما زالت مرتفعة بالنسبة لسمك القاروس والدنيس، لكن على الأقل صار فيه خياراتٌ أكثر". بينما يعلق المهندس باسل (42 عاماً) من سكان حي الفاروس في اللاذقية: "صرت أرى في السوق أنواعاً من السمك لم أعتد رؤيتها سابقاً. الجودة تحسنت بشكلٍ ملحوظ، لكن الفارق في الأسعار لا يزال طفيفاً. أتمنى أن يستمر هذا التحسن".
لكن هذه الصورة لا تخلو من تعقيدات. فمن جهة، تسبب تدفق الأسماك المستوردة المجمدة (حوالي خمسة آلاف طن من تركيا بالدرجة الأولى وفيتنام) بضغطٍ على الأسعار، مما أثر على هوامش ربح الصيادين المحليين. ومن جهةٍ أخرى، فإن التحسن في الإنتاج لا يزال محدوداً أمام حجم الطلب الكبير، حيث أن الزيادة في الإنتاج المحلي لا تكفي لمواكبة حاجة السوق المتزايدة.
نحو تعافٍ مستدام
في خضم الأزمات البيئية الكثيرة التي تضرب البحر المتوسط، أصبح أي خبرٍ عن تعافٍ صغير أو محتمل للبيئة البحرية ضرباً من المعجزة. الشهادات السابقة تقدم بصيص أملٍ بحدوث تعافٍ محدود للبيئة البحرية السورية ظهر في كميات ونوعيات الأسماك المصادة وعودة بعض الأحياء البحرية الأخرى إلى المنطقة.
وفيما تبقى أرقام الإنتاج السوري من السمك البحري متواضعةً قياساً بالجوار، والإمكانات التي يتيحها البحر نفسه فيما لو كانت هناك إدارةٌ مستدامة لموارده، فإنّ عودة سمكة اللقز قد تكون حدثاً مساعداً على التفكير بابتكار حلولٍ بيئية وإنسانية تعيد لهذا القطاع قدرته على المساهمة في بناء اقتصادٍ جديد في سوريا.
يقول الصياد أحمد عيسى: 'البحر يرد الجميل عندما نتركه في حاله'. هذه العبارة تختزل جوهر القضية: الحماية الفعالة والرقابة الجادة كفيلتان بإعادة الحياة إلى بحرٍ كاد أن يتحول إلى مقبرةٍ مائية. والتحدي الآن هو تحويل هذه اللحظة الفارقة إلى استدامةٍ حقيقية. عودة الأسماك فصلٌ أول في قصةٍ أطول لاستعادة كنز سوريا البحري، يقول الصياد عليّ ابراهيم (60 عاماً صياد بالقصبة): "إنّ البحر مريّح (غلّته كبيرة) هذه الأيام وهذه بداية طيبة لنا جميعاً".





