في الطريق إلى قرية "الخوّارات" شمال شرق صلنفة، وعلى ارتفاع أكثر من ألفٍ ومئتي متر، تنساب شجيرات العنب البريّ فوق سفوح أعلى جبال الساحل السوري مغلّفةً أغلب أشهر السنة بالندى والضباب. تحت هذه السفوح بيوتٌ بسيطة اكتشفت منذ مئات السنين أنّ ثمرات العنب البري هذه تنتج واحداً من أطيب أنواع النبيذ في العالم كما يعتقدون.
لم يعد العنب البريّ كثير الانتشار بعد أن هجّنه إنسان المنطقة بصبرٍ وحبّ. اليوم تغطي الحقول شجيرات عنبٍ مُهجّنة. قرب بداية الشتاء، وقبل أن يصبح ارتفاع الثلج مترين، تكون المواسم في انتظار تحويلها إلى نبيذ، ضمن طقوس تشاركية يقوم بها السكان الذين ينتمون إلى الطائفة العلوية أو يدينون بالمسيحية محاولين الحفاظ على إرثٍ يمتدّ قروناً.
بين العنب البري ونظيره المُهجّن مرّت آلاف السنوات التي سمحت بإنتاج عصيرٍ تحوّل إلى تجارةٍ عبرت البحر المتوسط في سفن الفينيقيين والأوغاريتيين، مسجّلةً وفق موسوعة الكرمة الروسية إنتاج أوّل نبيذٍ في التاريخ صدّرته سوريا إلى أنحاء العالم عبر الفينيقيين وحمل الاسمين "شالبون" و"ألبون" وفق الدكتور المهندس عماد بلال، اختصاصي العنب في مركز البحوث الزراعية في اللاذقية.
حقبة المجد المُندثر.. تقريباً
مآسي عاملات الريجي في الساحل السوري
22 تشرين الثاني 2025
حسب الدكتور عماد، "تقع سوريا في قلب الموطن الأصلي الأوّل لنشوء الكرمة، وهي أوّل من دجّن الكرمة البرية في العالم -عبر عمليات الانتخاب والتهجين- وزرعها منذ أقدم العصور". يعمل عماد حالياً على توثيق وتسجيل أنواع العنب البريّ المُنتشر هنا، في أوّل "أطلس أصناف العنب في سوريا" الذي يعمل عليه ليضمّ أكثر من 270 صنفاً.
يعود مجد صناعة النبيذ في سوريا إلى عهودٍ سحيقة. في القرن الأول الميلادي سجّل المؤرخ أثينايوس في عمله "مأدبة الحكماء"، أنّ نبيذ اللاذقية الساحلي، والمعروف باسم "بامفيلوس"، كان مُدرجاً بين أشهر أنواع النبيذ المرغوبة في العالم القديم. كما يذكر الجغرافي الروماني (بليني الأكبر) في كتابه "التاريخ الطبيعي" أنّ من بين أفضل أنواع النبيذ في العالم الروماني، ما يأتي من منطقة "لاوديكيا" (اللاذقية)، لم يبقَ من حقبة المجد هذه سوى شواهد أثرية، آخرها اكتشف في تل السمهانة في ريف اللاذقية أظهر أساسات معاصر نبيذٍ عمرها خمسة عشر قرناً.
خريطة النبيذ السوري
تغطّي عرائش العنب ريف اللاذقية وساحلها وجميع المحافظات الأخرى بإجمالي إنتاج وصل إلى ربع مليون طن سنوياً، مزروعاً في 43 ألف هكتار من مختلف الأصناف (حلواني وسلطي ودوماني وبلدي وزيني) حسب إحصاءات 2023.
تنتج سوريا سنوياً كمياتٍ متفاوتة من النبيذ تقدّرها منظمة الفاو بنحو 50 طن. وتشير تقديرات أخرى إلى إنتاج 700 طن من المشروبات الكحولية بشكل عام. لا تدخل كميات النبيذ المنتجة في المعاصر المنزلية في الإحصاءات الرسمية. وفي حين ضمّ القسم الخاص بالشرق الأوسط منتجي لبنان وتركيا وفلسطين المحتلة (إسرائيل) في مرجع vin du monde (النبيذ في العالم)، وهو كتابٌ شامل لمنتجي النبيذ ومزارعي العنب، غاب اسم سوريا عنه رغم أنّ المساحات المزروعة فيها تعادل مثيلتها في البلدين.
تُسَجِّل السويداء أعلى إنتاجية للعنب بواقع 54 ألف طن من مساحة 10 آلاف هكتار، بينما تتصدر حمص الإنتاج الوطني بحصاد 55 ألف طن من 19 ألف هكتار، وفق إحصاءات 2023. وفي مفارقةٍ لافتة، يتراجع إنتاج الساحل السوريّ إلى 8 آلاف طن فقط رغم ملاءمة أراضيه لزراعة العنب، ويشير الدكتور ربيع زينة، اختصاصي التربة في مركز البحوث الزراعية في اللاذقية إلى تحوّل المزارعين لزراعة أنواع عنب فرنسية مخصّصة للورق (عنب المائدة) لكونها أكثر ربحية.
وبينما دمّرت الحرائق التي اجتاحت الساحل السوري أكثر من 15 ألف هكتار من كروم العنب البرية والمزروعة، تشهد مناطق أخرى مثل حمص، كما يقول صانع النبيذ حيّان الملحم من قرية أبو حكفة شرق المحافظة: "معاناةٌ تتزايد كلّ عامٍ مع نقص المياه وارتفاع أسعار ساعات الريّ والآفات المتزايدة، ولذلك تختلف الكميات المنتجة بين موسمٍ وآخر مؤثّرةً على أسعار العنب وإنتاج النبيذ واستهلاكه أيضاً".
ليس الترخيص وحده المشكلة
في نيسان العام الحالي (2025) أُغلقت مطاعم تقدم المشروبات الروحية دون ترخيص في دمشق عدة أيامٍ قبل التوصل إلى اتفاق مع المحافظة، كما تهجّم مسلحون على محلٍّ لبيع الكحول. وفي اللاذقية تموز الماضي أُمهل أصحاب محلات لبيع الكحول على طريق الشاطئ الأزرق السياحي لمدة 72 ساعةً لإحضار رخصٍ جديدة تحت طائلة الإغلاق. وفي حين لم يتمّ إغلاق أي محلّ في اللاذقية حتى الآن- ما عدا إغلاق محلاتٍ مملوكةٍ لضباط في النظام السابق في السومرية ومساكن الحرس الجمهوري في دمشق-، إلا أنّ مشكلة التراخيص تتبدى كأول مشكلة تؤثر على صناعة النبيذ السورية بعد سقوط النظام السابق.
يحكم تداول المشروبات الكحولية في سوريا القانون رقم 165 لعام 1945، الذي وضع نظام رسومٍ للمواد الكحولية. ولكن هناك قوانين أخرى تتعلق بصناعتها، آخرها المرسوم التشريعي 61/2004 الذي حدد أساس ممارسة تجارة وصناعة الكحول بالحصول على الترخيص.
جوزيف من جبل الحلو عانى من المشكلة نفسها. يقول: "العمل حالياً يعادل 10% من السنة الماضية لا أكثر. والطلب على المشروبات شبه منعدم. شخصياً أنا شبه متوقفٍ عن العمل بسبب ضعف الأسواق والمخاطرة على الطرقات".
يوضح أحد مصنعي المشروبات الكحولية عدنان سليمان: "تجدد مديريات المالية في المحافظات التراخيص مع استيفاء شروط معينة بشكلٍ روتيني، ولكن الحال تغيّر هذا العام حيث تقدّمنا بطلبٍ للترخيص ولكن حتى الآن لم نحصل عليه. الدولة أوقفت التراخيص على ما يبدو". بالمثل فإنّ السيد موفق قدسية، صاحب معمل نبيذ (راميتا) في قرية (اشتبغو) في ريف اللاذقية، يقول إنه تقدّم أيضاً بطلبٍ للحصول على الترخيص منذ أربعة أشهر وليس هناك استجابة حتى اليوم، مضيفاً: "تواصلت مع مالية اللاذقية فقالت أن التأخير من دمشق وعلى الوعود فإنّ الترخيص سوف يكون جاهزاً قريباً". كرر مصدرٌ في مديرية مالية اللاذقية في اتصالٍ هاتفي ما قاله قدسية من أن التأخير من دمشق.
يضيف جوزيف وهو مصنّع نبيذٍ في منطقة جبل الحلو في حمص، أن: "المشاكل دوماً تأتي بعد الترخيص. في زمن النظام السابق كانت الجمارك والشرطة والأمن والبلدية والصحة والمالية وهيئة التهرب الضريبي وجماعة الإنفاق الاستهلاكي وحماية المستهلك، غرفة الصناعة، غرفة التجارة وزارة الزراعة والبيئة والتأمينات الاجتماعية وشعبة الكحول في كل مالية، جميعها تلاحق المنتجين بعد الترخيص بهدف دفع الإتاوات والرشاوى والمخالفات المحقة وغير المحقّة".
خلقت هذه الملاحقات متاهةً لا نهاية لها. يشرح أنطون توكاتليان، منتج نبيذ من صافيتا، أنّ القوانين الضريبية نفسها غير واضحة، حيث تختصر في طابع المالية الإلزامي الذي يجب لصقه على كل زجاجة، "لكن احتمال المخالفات يكمن في أيّ تفصيلٍ آخر". مثلاً: تدخل سدادات الفلين غالباً تهريباً من لبنان، بسبب صعوبة استيرادها رسمياً، ما يعرّض المستوردين للمساءلة الجمركية، ويتواصل التعقيد حتى أبسط التفاصيل اللوجستية، التي تُثقل كاهل المنتجين بملاحقاتٍ قانونيةٍ متنوعة.
النقل بين المحافظات.. أنت وحظّك
"البحر مريّح" .. تحولات قطاع الصيد البحريّ في اللاذقية والساحل السوريّ
19 كانون الأول 2025
تؤثر مشكلة التراخيص والضرائب على عملية نقل المنتج، وعلى عملية شراء العنب اللازم لصناعة النبيذ من أسواق الداخل السوري من حمص أو السويداء. يتفق المنتجون على أنّ عملية نقل المنتج ولوازمه خاضعةٌ للصدفة.
استهلك معمل عدنان "الخميلة" ما نسبته 40% من العنب الذي يستهلكه عادةً لإنتاج النبيذ، و لم يتمكن من بيع إنتاجه إلى بقية المحافظات السورية هذا العام. يتفق معه قدسية أيضاً مضيفاً: "كنا نوزّع في حلب ودمشق واللاذقية وهذا العام بقي الإنتاج مكدّساً".
جوزيف من جبل الحلو عانى من المشكلة نفسها. يقول: "العمل حالياً يعادل 10% من السنة الماضية لا أكثر. والطلب على المشروبات شبه منعدم. شخصياً أنا شبه متوقفٍ عن العمل بسبب ضعف الأسواق والمخاطرة على الطرقات". ينقل جوزيف قصصاً واقعيةً من تجربته: "روى لي سائقٌ كان ينقل لي العنب من منطقة القصير إلى جبل الحلو أن حاجزاً أوقفه على الطريق وسأله إلى أين يذهب كلّ هذا العنب؟ فرد السائق إلى معامل النبيذ والعرق. الشاب على الحاجز تركه يمرّ ببساطة قائلاً له: تيسر الله معك. في حين أن شاباً آخر على الحاجز التالي وبّخه ثم تركه يمرّ مع تحذير ألا يمرّ مرةً ثانية من ذاك الطريق".
أما حال البيع عند منتجين صغار مثل سليمان علي، الخمسيني ومالك معمل نبيذٍ صغير في منطقة الكاملية في اللاذقية، فهو مختلفٌ قليلاً. يبيع سليمان إنتاجه للمحلات في الريف ومدينة اللاذقية ولكن: "لم نعد نتجرأ على حمل كمياتٍ كبيرة في السيارات لبيعها. نلجأ إلى تعبئة النبيذ في بيدوناتٍ صغيرة الحجم بحجم خمسة أو عشرة ليترات، وحمله على دراجاتٍ نارية نقوم بتوزيعها على المحلات التي لدينا وأصحابها علاقةٌ قديمة، ويتواصل أصحاب المحلات الجديدة مع القديمة إن أرادوا شراء النبيذ". لدى سليمان عددٌ مقبولٌ من الزبائن يتيح له تصريف إنتاجه من النبيذ والعرق. لا يحتمل سليمان أيّة "علقة مع الأمن العام أو غيره لذلك يتنقل في الصباح الباكر جداً".
يبدو الإنتاج والنقل والتوزيع في الساحل أقلّ تعقيداً من حمص. يوجد في حمص ما لا يقل عن 150 معملاً مرخصاً كما يشرح صانع نبيذٍ من حمص طالباً عدم ذكر اسمه لأسباب خاصة: "يتمّ تفتيش المعامل المغلقة، التي تحمل إشاراتٍ على أصحابها السابقين، وهم من الذين منعوا من العمل بسبب دعمهم للنظام السابق. أما باقي المعامل، فلم يُمنع أحدٌ من العمل بشكلٍ رسمي، ولكن هناك تشددٌ في الإجراءات وحالات ابتزاز، تجعل الوضع غير مريح، أشبه بـ (بقرة حلابة) من حيث دفع الرشاوى".
تمتدّ مشاكل النقل لتشكل تهديداً مباشراً على سلامة المنتج نفسه. غياب التصاريح الرسمية قد يعرّض الشحنات للتوقف لفتراتٍ طويلة على الحواجز ويؤدي إلى تلف النبيذ وتغيّر طعمه، مما يحوّل المنتج ذا الجودة العالية إلى خسارةٍ محققة.
سوقٌ يئنّ
ليس من السهل على أي منتج أن يخسرَ مُنتَجه على حاجز عسكري، أو أن يظلّ عاجزاً عن بيعه لأيّ سببٍ كان. هذه الخسارة لا تقاس بقيمتها المادية فحسب، بل بالجهد الذي بُذل في إنتاجها. فالإنتاج السوري من النبيذ، وفق حيّان ملحم، من قرية "أبو حكفة" شرق حمص، وهو مزارعٌ ومنتجٌ للعرق والنبيذ "ليس مجرد أرقام، بل جهدٌ هائل يبذله مزارعون يكافحون عوامل الطبيعة والواقع الأمني المستجدّ عليهم في آنٍ معاً".
ينقل جوزيف قصصاً واقعيةً من تجربته: "روى لي سائقٌ كان ينقل لي العنب من منطقة القصير إلى جبل الحلو أن حاجزاً أوقفه على الطريق وسأله إلى أين يذهب كلّ هذا العنب؟ فرد السائق إلى معامل النبيذ والعرق. الشاب على الحاجز تركه يمرّ ببساطة قائلاً له: تيسر الله معك. في حين أن شاباً آخر على الحاجز التالي وبّخه ثم تركه يمرّ مع تحذير ألا يمرّ مرةً ثانية من ذاك الطريق".
تبلغ تكلفة إنتاج اللتر الواحد من النبيذ، بما في ذلك ثمن الزجاجات الفارغة، بين 2-5 دولار، ويباع ما بين 5-10 دولارات للنوعية الممتازة. عموماً، عملية عصر النبيذ مربحة اقتصادياً، لكنّ عملية النقل لوحدها تضيف "هديك الحسبة" بعد تحرير أسعار الوقود. ويضيف: "هناك انخفاضٌ في الطلب المحلي على النبيذ وارتفاعٌ في أسعار المواد الأولية (العنب) نتيجة ارتفاع تكاليف الزراعة نفسها، ما أدى هذا العام إلى انخفاض إنتاج النبيذ مقارنةً بالمنتجات الغذائية الأخرى مثل عنب المائدة المستخدم للأكل أو لصناعة المربيات".
يخزّن حيان منتجه من النبيذ أحياناً للتعتيق ولكنّ البيع عمليةٌ أساسية، والمشكلة تكمن في نقله خارج المحافظة حيث فرض الواقع الأمني المستجد في العديد من المناطق تراجعاً في كميات النبيذ المباعة وفق شهادة حيّان وشهادة قدسية. يقول حيّان إنّ "عدم الإحساس بالأمان دفعنا إلى تخزين الإنتاج.. نحن ننتظر أن تتوضح الأمور في البلد ومع ذلك قمنا بتنزيل أسعار النبيذ بحيث أن بيدون نبيذٍ أصليّ 10 كيلو (10 لتر) يُعرض للبيع ب 30 دولاراً دون كثير بيع".
غشّ النبيذ
ويميل مستهلكو النبيذ إلى شرائه من مصادر موثوقة، سواءٌ أكان إنتاجاً محلياً لصانع نبيذٍ له سمعته الحسنة، أم إنتاج شركةٍ لها تاريخها الموثوق في السوق. صفر النبيذ الأحمر كما يقول صاحب ماركة "أنكيدو"، عدنان: "سنةٌ كاملة من التعتيق كي يصبح مقبولاً للشرب، الشغل الأصليّ يخزّن في خزانات كروم عاماً كاملاً. عدا ذلك فإنّ النبيذ لا يُشرب".
إلا أنّ هذا الميل يصطدم اليوم في السوق السورية بصعوبة تمييز الأصليّ من المغشوش. "ليس من الصعب غشّ النبيذ وتحديداً الحلو" يقول عدنان موضحاً: "90 بالمائة ماء مع قليلٍ من الكحول والمنكهات والسكّر المحروق وسدادةٍ من الفلين وعبوة زجاجية عليها لصاقة ماركةٍ مشهورة وخلصت عملية الغش". يؤكد صاحب ماركة "أنكيدو" أنّ أغلب النبيذ الحلو في السوق محلّى بالقطر.
يقع المستهلكون ضحية هذا التزوير، وأحياناً أصحاب المحلات. يروي لنا جميل خوري، صاحب محلّ مشروبات في منطقة الرمل الشمالي (اللاذقية)، أنّ التزوير شغّالٌ على قدمٍ وساق، والعروض من المنتجين الوهميين كثيرة، ولذلك يرفضها كمحلٍّ له سمعةٌ وتاريخٌ يمتد لأكثر من عشرين عاماً. "في الفترة الأخيرة بات تواصلنا فقط مع منتجين ثقاتٍ في حمص وريف اللاذقية، أي علامات تجارية معروفة وموثوقة ولا نتعامل مع موزعين غير معتمدين".
لعل النوع الوحيد في سوريا الذي لم يطَله الغش حتى الآن هو نوعٌ ينتج في بلدة دير توما في منطقة هضبة عرامو. ماركة (بارجيلوس) التي هي أشهر علامة نبيذ سوري في العالم، بشهاداتٍ عالمية. نجاة هذه الماركة من الغشّ نابعٌ من كونها تصدّر خارج البلاد دون حضورها بشكلٍ واسع في السوق المحلية، ولكنها تعاني في نقل إنتاجها خارج البلاد، حسب أصحابها من آل سعادة الذين نقلوا معاناتهم إلى الصحافة العالمية عدة مرات خلال حقبة الأسد دون تغييرٍ في واقعهم حتى الآن.
الطرقات مسكّرة بوجه القطاع العام
تجربة نبيذ بارجيلوس المميزة لم تكن الوحيدة في سوريا التي حققت حضوراً عالمياً. ربما من المفاجئ أنّ نبيذ الريّان والميماس وهما من إنتاج القطاع العام السوري، كانا حاضرين في بعض أسواق العالم. ولكنها اليوم باتت أمام مفترق طرقٍ حقيقيّ مع توقف هذه المعامل في السويداء وحمص.
مصدرٌ من إدارة معمل السويداء تحدّث، بشرط عدم الكشف عن هويته، عن "أن السلطات في دمشق تتبع سياساتٍ تتسم بالعشوائية الاقتصادية، وهي لا تفكّر بتجديد آلات الشركة بعد نحو نصف قرنٍ من خدماتها للقطاع الزراعي منذ 1968، مضيفاً: "مشاكل المزارعين مع الإدارات المتعاقبة للمعمل تمثّلت في تأخر دفع أثمان العنب. هذا العام جرى تسليم جزءٍ من الأثمان بعد مفاوضاتٍ مع الإدارة ولكن قسماً منها لم يتمّ دفعه حتى الآن بسبب توقف المعمل عن الإنتاج". توقُّف المعمل يدفع المزارعين للتوقّف عن زراعة العنب وهذا سيؤدي إلى تناقص الإنتاج وإهمال الحقول.
يشير الصحفي ضياء الصحناوي إلى أنّ مهرجان النبيذ، الذي كان يقام في صلخد كل عام، لن يكون حاضراً هذا العام مضيفاً: "هناك إنتاجٌ مكدّس وليس من سبلٍ للتصريف حالياً خارج المدينة الصغيرة وريفها. ينطبق الحال على صناعة العرق كما النبيذ".
تحدٍّ اقتصاديٌّ سوري
يشير عدنان سليمان إلى "أنّ إهمال النبيذ السوري يعود إلى عدة عوامل منها عدم انتشاره في الخارج وعدم دخول أنواع عنبٍ جديدة في الزراعة. والأهمّ، رداءة النبيذ السوري نتيجة التلاعب بمواصفاته ورداءة بعض أنواع العنب المستخدم في الصناعة. وكذلك إهمال نظام البعث لهذا القطاع الزراعي الصناعي الهام".
لا يُتوقع أن تختفي العوامل السابقة بسرعةٍ مع تغيّر النظام السياسي في سوريا. على العكس، يُتوقع ظهور معوقاتٍ جديدة أقله خلال الأعوام القليلة التالية، خاصةً مع احتمال انتشار تياراتٍ متشددة في بعض الأماكن المختلطة في البلاد ومنها مناطق بيع النبيذ والكحول.
مشاكل صناعة النبيذ لا تتعلق فقط بقضية كونها من المشروبات الروحية بقدر ما ترتبط بكونها نموذجاً مصغراً لإشكالية الاقتصاد السوري الأوسع، حيث تربط هذه الصناعة سلاسل إنتاج متكاملة. والعمل على تطويرها، أو حتى عدم التدخل في شؤونها وتركها تعيد بناء نفسها، يعني الحفاظ على عمل آلاف العائلات وعلى إرثٍ زراعيٍّ عريق، والمساهمة في إحياء اقتصادٍ يحتاج إلى دفعةٍ إلى الأمام بعد خمسة عشر عاماً على الحرب.







