يحمل مسار الدمج السياسي والأمني بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الانتقالية مخاوف للنساء في شمال شرق سوريا، بوصفهن إحدى أكثر الفئات تأثراً بنتائج أي تحوّل في بنية السلطة، فبعد سنوات من بناء هياكل تنظيمية داعمة لحقوقهن، يواجهن مرحلة ضبابية تعاكس فيها آمالهن بالسلام والاستقرار الموعودين، خشية حقيقية من التراجع عن امتيازات اجتماعية وسياسية تخصهن.
دمج بلا ضمانات؟
بدأ العمل بنظام الرئاسة المشتركة التي تجمع في كل منصب قيادي رجلاً وامرأة في مناطق شمال شرق سوريا منذ العام 2016، عملاً بمقترحات الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، بعد تجربة هذا النظام في المؤتمر الخامس لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD في العام 2012. توسعت التجربة لاحقاً لتصبح الرئاسة مشتركة في الكومينات، أي المجالس المحلية المعنية بإدارة الخدمات، وفي المجالس التنفيذية التي تنظم العمل السياسي والأمني.
لا تشبه هذه الطريقة في الإدارة السياسية أي من مثيلاتها في المنطقة، ما يقدم حجة للاستغناء عنها أو تحجيمها وعدم التكلّف لتبنيها بالنسبة للحكومة المؤقتة. يواجه المسؤولون في المنطقة اليوم استخفافاً بطرقهم الإدارية وضغوطاً داخلية وخارجية لتقليصها كما تشير شيرا أوسي، رئيسة المكتب الإعلامي في مجلس سوريا الديمقراطية: "تحتاج النساء أن يكون الإدماج قائماً على الاعتراف بالتجربة النسوية القائمة، لا على إلغائها أو تذويبها". من وجهة نظر النساء في المنطقة، يكون ذلك بتثبيت نظام الرئاسة المشتركة، والاعتراف بالقوى الأمنية النسائية والتي تهتم بقضايا العنف ضد النساء، والحفاظ على حرية عمل المؤسسات النسوية.
تأتي المخاوف غالباً من توقع صعود محافظين إلى مناصب عليا كما تطرح نهلة العلي المهندسة الزراعية والناشطة النسوية المنحدرة من مدينة دير الزور، والتي عملت لسنوات مع النساء العائدات من مخيم الهول :"قد تواجهنا مرحلة فراغ أمني تفتح المجال أمام صعود قوى متشددة، ما من شأنه إنهاء المكتسبات النسوية، إذا لم يتم تحصينها دستورياً ومؤسساتياً".
في المقابل، يرى البعض أن هناك فرصة لتثبيت وتوسيع هذه المقاربات السياسية إلى عموم المساحة السورية في حال توفرت ضمانات قانونية واضحة بضغط دولي، ودعم مالي مستدام من الجهات ذات الأجندات النسوية، ما يخلق فرصة للعمل على مناصرة قضايا المساواة بين الذكور والإناث. إلا أن هذا، يصطدم اليوم بتراجع الدعم الموجّه للمنظمات النسوية، ولاسيّما في دير الزور، حيث تتردد الجهات المانحة في ضخ التمويل في مناطق معرّضة للتصعيد العسكري، ما يزيد من هشاشة الواقع القائم.
عدم تواجد نساء مفاوضات من طرف الحكومة المؤقتة لا يبشر بأن الأمور قد تمضي باتجاه توافق واضح على وجود تشاركية جندرية في هيئات الحكم، رغم الإعلان عن استقطاب قوى شرطية نسائية في مناطق إدارة الحكومة المؤقتة. تحذر الباحثة في بناء السلام رندة حمو من مدينة القامشلي من أن "إدارة عملية الدمج بوجوه ذكورية حصراً قد تؤدي إلى إقصاء النساء، وتهميش التجربة التي راكمنها خلال سنوات الإدارة الذاتية، وهي جزء أساسي من بنية الحكم في شمال شرق سوريا". بينما تشير المدربة والناشطة النسوية وحيدة أحمد من مدينة الرقة، إلى أن الخطر الأكبر يكمن في تحول مشاركة المرأة في المرحلة المقبلة إلى "شعار أو لافتة"، في وقت قد تُحلّ فيه الهياكل النسوية أو تُفقد استقلاليتها، تحت ضغط أولويات سياسية.
بلا أرضية صلبة
تجربة الإدارة الذاتية شكّلت نقطة تحوّل مهمة في مشاركة النساء السياسية، فقد أتاحت للنساء الوصول إلى مواقع صنع القرار ووسّعت من حضورهن في الحياة العامة. مع ذلك، عدم تهيئة قيادات نسائية قادرة على الدفاع عن مصالحهن بشكل فعال، قد يجعل هذه الصلاحيات الممنوحة للنساء داخل المؤسسات ليست كافية.
وتبرز الناشطة المدنية والمدربة وحيدة أحمد من مدينة الرقة، أهمية الإشكاليات القائمة بسبب الفجوة بين القوانين والواقع، إذ إن التشريعات الداعمة للمرأة موجودة،لكن تطبيقها يبقى ضعيفاً، وأحياناً يأتي بنتائج عكسية: "العادات والتقاليد الاجتماعية، لاسيّما في القرى والمجتمعات العشائرية، ما تزال تشكّل تحدياً كبيراً أمام استقلال النساء. كما يساهم التضييق المتزايد على حرية التعبير خلال عام 2025، في خلق فجوة ثقة خاصة بعد استهداف عدد من النساء الناشطات".
تشير الباحثة رندة حمو، إلى تأثير محدود لدور المجتمع المدني على اتفاق الدمج وإلى أن التجمعات المدنية والنسوية لم تنج من تأثير اختلاف الولاءات السياسية بين الجغرافيات السورية، الأمر الذي يساهم في خلق حالة من التوتر وخطاب الكراهية، وينعكس سلباً على فرص التعاون والعمل المشترك، رغم وجود جهود مدنية متنوعة لإعادة التواصل بين الناشطات النسويات في سوريا عموماً وعقد مؤتمرات نسوية مشتركة، والمشاركة في نشاطات تجريها منظمات مدنية ذات وصول إلى مختلف أطراف الجغرافيا السورية.
أيضاً، يعتبر المشهد في دير الزور مثلاً أكثر تعقيداً مقارنة بمناطق أخرى، نتيجة الانقسام الجغرافي والإداري الذي أفرز مجتمعين مختلفين: "أحدهما خضع لسيطرة النظام السابق، يتمتع بمستوى تعليمي مرتفع نسبياً لكنه معزول سياسياً، وآخر خضع لسيطرة الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، يعاني من ضعف في التحصيل التعليمي، ويقع ضمن بنية اجتماعية عشائرية، لكنه شهد في المقابل فرصاً للانفتاح السياسي وتطوير لغة الحوار ورفع سقف المطالب"، تقول نهلة.
ما الذي تحتاجه النساء؟
القامشلي .. محطّة السوريين الأخيرة بين الخوف والحنين
13 تشرين الثاني 2025
وفق رصدنا للآراء، تنظر شريحة من نساء شمال شرق سوريا إلى الدمج من زاوية براغماتية، تعتمد على ضمان الحقوق واستقرار الحياة اليومية، وحفظ المكتسبات قبل أي دمج سياسي، وخاصة اللواتي أسسن وشاركن في المجالس المحلية والتنفيذية وغيرها. ترى هذه الشريحة من النساء في "وحدات حماية المرأة" المعنية بحالات العنف المبني على أساس اختلاف النوع الاجتماعي، كواحدة من أهم المكاسب، التي يجب الدفاع عنها، بينما يعتبرها شريحة موازية من الرجال في المنطقة على أنها عصب قوتهن الجديدة.
تنظر فئة واسعة للدمج على أنه تخفيف لأعباء حياتية يومية، وعلاج لمشاكل توفر الخدمات الأساسية من كهرباء وتعليم وصحة وقوانين وغيرها، وتجد هذه الفئة بحسب رندة أن الدمج ليس مشروعاً سياسياً أو أيديولوجياً، بل حلاً للإدارة المزدوجة أو المتضاربة أحياناً في الخدمات المدنية والاقتصادية، وما هو مرتبط أيضاً بحياتهن اليومية.
تقول شيرا من جهتها: "مشاركة المرأة يجب أن تكون أساسية في صياغة الدستور وألا تقل عن 35% نظراً لما عانته النساء السوريات من الدساتير والقوانين السورية، وأن تكون مشاركة في إدارة المرحلة الانتقالية، وصنع القرار محلياً ووطنياً".
"أفضل آلية للدمج هي تلك التي تكون عبر تثبيت القوانين التي دعمت المرأة، وتفعيل دور النساء في لجان التفاوض، والحفاظ على دور القوى الأمنية النسائية،" تؤكد وحيدة مؤكدة على ضرورة دعم المجتمع المدني السوري لهذا التوجه عبر تدريب وتأهيل الجيل الشاب من النساء لتسلّم أدوار قيادية. وتُجمل وحيدة رؤيتها بجملة تلخص ما يعنيه الدمج الآمن بالنسبة لها: "المستقبل لن يُكتب دون النساء، والأمة التي تُقصي نصفها تختار نصف مستقبل".







