الجندر والفساد: ملف يرصد علاقة النوع الاجتماعي بأنواع الفساد الإداري المختلفة، في القطاعين الحكومي و الإنساني، خلال سنوات النزاع إلى ما بعد سقوط نظام الأسد، ويسرد حكايات النساء كضحايا ومقاومات للفساد وشريكات فيه أحياناً.
لاحظت نوار المير حالة من التوتر بين النساء في مركز الدوير بريف دمشق. كانت يومها تعمل كمتطوعة مع الهلال الأحمر السوري، الأمر الذي ساعدها على التعرف على السيدات والأطفال النازحين الموجودين هناك واكتساب "ثقتهن" نوعاً ما. من خلال بعض التلميحات، فهمت نوار وهي صحفية مستقلة، أن بعض السيدات يتعرضن لانتهاكات جنسية من قبل القائمين على المركز، وذلك مقابل توفير الحماية والطعام لهن، وتمكنت من الحصول على شهادات لسيدات تعرضن لهذا الاستغلال.
"حاولت في البداية تقديم شكوى عبر إدارة الهلال الأحمر نفسها، ولكن خوف الموظفين من المسؤول عن المركز كان كبيراً، فقد كان مرتبطاً بجهاز مخابرات النظام السابق، ولهذا قررت تحريك القضية بطريقة أخرى، ولجأت للإعلام". قدمت نوار تحقيقاً صحفياً بعنوان: (الجنس مقابل الغذاء في مراكز إيواء دمشق وريفها)، سلطت الضوء من خلاله على الاستغلال الجنسي الذي يمارسه رجال الأمن المسؤولين عن هذه المراكز، لم يكن التحقيق الأول من نوعه حول المسألة، إذ صدرت دراسة عن صندوق الأمم المتحدة بعنوان "أصوات من سوريا 2018"، أكدت على أن مقايضة الجنس مقابل المساعدات الإنسانية هي ممارسة متبعة في مختلف المحافظات السورية، وخاصة الجنوبية منها.
عن أب يساري: "يا رفيقة من سيجلي الجليات"
05 تموز 2024
ويتقاطع الفساد الإداري مع الجندر في السياق السوري عبر طبقات متعدّدة؛ يؤدي التمييز ضد النساء إلى عرقلة وصولهن إلى الموارد، أو إلى مواقع اتخاذ القرار، أو اختيارهن مسالك المساءلة، ما يزيد من تعرّضهن للاستغلال المادي والجنسي، وتحيّد الأصوات النسائية المقاومة للفساد من خلال الترهيب والإقصاء المهني. يتغذى الفساد على اللامساواة، فتدفع النساء الثمن مضاعفاً حين يواجهنه بينما يتوجب عليهن حماية أنفسهن بدرجة أكبر، لكونهن في موقع أضعف في أوقات النزاع وما بعدها، ضمن بنية من علاقات القوة المتصارعة. يساهم كل هذا في إخضاعهن وتوريطهن بشكل أكبر للحفاظ على مواقع في العمل أو نيل حقوق أو خدمات أساسية.
محسوبيات وتلاعب، وإقصاء
"طلبوا مني تزوير بيانات والتلاعب بالأرقام، وحينما رفضت تعرضت للتهميش والمضايقة"، بهذه الكلمات تلخص حياة تجربتها مع عدة منظمات سورية كبيرة، تعمل لدعم الفئات الهشة. حياة، خريجة أدب إنكليزي، بدأت عملها في تركيا في العام 2013، ثم عادت إلى سورية بعد عامين، وقد مكنها مجال عملها المتعلق بالمتابعة والتقييم من كشف مواطن الفساد، ومدى تحقق أهداف المشاريع.
"بدأت العمل مع مؤسسة خيرية دينية، وأولى التجاوزات التي لمستها تمثلت بالمحسوبية في اختيار الموظفين على أساس طائفي، فضلاً عن تحيز المدير لأبناء طائفته بشكل واضح عند الخلافات، كما رصدت تلاعباً بالمعلومات، فأعداد المستفيدين التي تُكتب في التقارير ضعف ما هي عليه في الواقع." تضيف حياة: "طُلب مني أن أكتب أننا قدمنا خدماتنا لأربعة آلاف طفل، رغم أننا في الحقيقة قدمناها لمئتي طفل فقط، فرفضت الأمر كما رفضت تغيير الأرقام التي توجه للممول." بسبب رفضها المستمر تعرضت حياة لسوء المعاملة من الإدارة، تجلى في رفض التعاون والتواصل معها بشكل متزايد، مما صعب عليها أداء عملها لدرجة كبيرة ودفعها لتقديم استقالتها.
انتقلت حياة بعد هذه التجربة لمنظمة أضخم، لتتكرر معها مشاكل شبيهة " كانت السلل الغذائية تأتي من منظمات دولية ولا توزع كما يجب، كأن يأخذوا ألفي سلة ويوزعوا عشرين منها فقط". قدمت حياة عدة شكاوى لكنها لم تستطع فتح تحقيق جاد بحجة عدم توفر الأدلة وبسبب تكاتف المسؤولين عن التوزيع. بعد حوالي الأربع سنوات انتقلت للعمل في منظمة تهتم باللاجئين السوريين، ليصدمها مجدداً سرقة المشرف على مشروع (سُبل العيش) أموال المستفيدات، بحجة ادخارها لهن. عندما كشفت الأمر لمديرتها، أبدت الأخيرة اهتمامها بمحاربة الموضوع في البداية، قبل أن تُقلل من شأن ملاحظاتها لاحقاً، وتقدم تقريراً يرفض تجديد عقدها بعد فترة التجربة، ما دفع حياة إلى قناعة مفادها أن مديرتها شريكة محتملة في الفساد في المنظمة أو أن لديها مصلحة باستمرار المشرف المسؤول في عمله.
استغلال وتجاهل
لا تراعي المنظمات واجب الرعاية الملقى على كاهل العاملات كما يجب، رغم وجود قوانين سورية وعالمية تصون تلك الحقوق. تعتبر حياة هذا الأمر أحد أوجه الاستغلال إذ يُطلب من المرأة العمل في العطلة بشكل مستمر، وإذا اعترضت تُتهم بالتقصير والإهمال. تؤكد ديمة (٢٦ عاماً)، التي ترعى أمها و طفلها البالغ من العمر ثماني سنوات، حاجتها للعمل في منظمة في بلدة الدانة، لكنها تعاني في الوقت نفسه من ضغط كبير، حيث تكثفت واجباتها في العمل نظراً لتوسع عمل المنظمة إلى عدة محافظات بعد سقوط النظام السابق، دون أن تحصل على تعويض مادي مناسب، ورغم تأثير تضخم واجباتها على علاقتها بطفلها وتربيتها له.
العدالة الانتقالية الحسّاسة للجندر في سوريا.. حوار مع لمى قنوت
21 نيسان 2025
لرانيا المقيمة بإدلب منذ ثماني سنوات، تجربة مماثلة. تصف رانيا عملها بغير المريح، لعدم وجود نظام للإجازات والمهام، إذ يُطلب منها العمل لساعات إضافية أو تنفيذ أعمال لا علاقة لها بالمنظمة إما مجاناً أو مقابل أجر بسيط. "غالبية المنظمات تستغل حاجة النساء للعمل سواء لأسباب مادية أو لإثبات الذات، أو لصعوبة وجود بدائل مهنية، فالمجتمع يتقبل فكرة عمل المرأة في المنظمات أو في وظائف حكومية معروفة، ويرفض عملها مع القطاع الخاص".
تواجه النساء صعوبة في إيجاد فرص في سوق العمل ويفتقدن لشبكات العلاقات الداعمة، وتزداد هذه الصعوبة نتيجة أية وصمة إضافية. توضح روعة العباسي، (45 سنة)، وهي تُقيم في الرقة وتعمل في مجال تنظيم مشاريع دعم اقتصادي للنساء الخارجات من مخيم الهول، أن هناك نوعاً من التمييز الاجتماعي ضد هؤلاء النسوة، المحرومات من المساعدة باعتبارهن زوجات مقاتلين، أو لكونهن عشن في مناطق خاضعة لسيطرة داعش. لا تستثني روعة نفسها من التمييز: " في البداية كان لدي خوف منهن، لكن بعد بدء العمل والتواصل بيننا أدركت أن هؤلاء السيدات سيُبدعن في العمل، وهو ما حدث بالفعل".
ويمتد تهميش النساء ليطال فرصهن بالتطور المهني. تشير سلمى، المنحدرة من إدلب، إلى اضطرار النساء لممارسة أدوار أقل من إمكانياتهن: "هن غالباً كاتبات أو مساعدات إعلاميين بدلاً من أن يكن في مواقع الإدارة أو اتخاذ قرار. وزاد التحرير من الصعوبات التي تواجه الفتيات في إدلب، فانتقال كلية الإعلام لدمشق، سيقلل من نسبة النساء اللواتي سيدرسن هناك بسبب البعد وغلاء المعيشة. باتت المنافسة أكبر بعد التحرير وقلت الفرص على مستوى المنطقة."
في المواجهة
تُقابل آراء النساء حول الفساد بعدم الاهتمام وكأنهن أقل قدرة على الانتقاد والتصويب، فيما يتم تقريعهن بدرجة أعلى من أقرانهن الذكور وبطرق تتعرض لأجسادهن وحياتهن الخاصة، تقول سلمى: "إذا تحدثت فتاة بقضايا الشأن العام أو الفساد يتم الرد عليها بعيداً عن الموضوع وكثيراً ما يكون ذلك بالسب والشتم والإهانة، أو يقال أن المرأة مكانها المطبخ، وقد نتلقى تهديدات من حسابات وهمية."، ولهذا، ورغم قدرة سلمى على كشف بعض قضايا الفساد بحكم عملها كصحفية، لكنها تخاف على نفسها، وسط غياب معايير حماية واضحة للصحفيين والصحفيات.
واجهت الصحفية ماريا حنا مخاوف مشابهة خلال عملها على قضايا السريان وحقهم في البقاء في أرضهم. غطت ماريا أكثر من قضية فساد، تتعلق بالاستيلاء على بيوت الآشوريين الذي غادروا قراهم في الخابور بعد هجوم داعش عليها، والتدخل العسكري التركي في المناطق السورية الحدودية، وتابعت الموضوع باهتمام وحماس رغم عدم تجاوب الإدارة الذاتية معهم لحل المشكلة.
عندما تتحوّل الحرب إلى منتجٍ تقنيّ
11 تموز 2025
فيما طرحت رانيا على إدارة منظمتها وضع آلية واضحة للإجازات، وتنظيم الأقسام وتحديد المهمات، وناقشت وضع معايير للتوظيف، دون تجاوب جدي. "تجاهلت الإدارة اقتراحاتي بشكل شبه كامل وكأن أي اقتراح يهينهم شخصياً. بالمقابل كان موقف زملائي إيجابياً، إلا أنه ظل تشجيعاً في السر. ربما لو تكاتفنا لأوجدنا حلاً، ولكننا جميعاً نخشى خسارة عملنا".
تستحضر كوثر معيوف، مسؤولة المتابعة والتقييم في منظمة "الفصول الأربعة" في الرقة، تجارب سلبية مرت بها خلال جلسة عامة حاول الذكور فيها إقصائها وغيرها من النساء، وتقول: "كنا مدعوات لحفل إطلاق جمعية، فطُرح موضوع العمل السياسي، فعلق حينها مدير البرامج في إحدى المنظمات، بأن النساء يجب أن يتركن السياسة، وأن يعملن في الأمور النسائية البسيطة فحسب. للأسف أيدت أغلب النساء فكرته، وأخريات أكدن أن الجمعيات النسائية يجب أن تختص بالنساء فقط وتبتعد عن السياسة".
رفضت كوثر تحجيم النساء وتهميشهن، وتابعت عملها في الرقة في مجال حقوق المرأة والمواطنة، وتعتقد بأنها نجحت في التخفيف من حدة موقف المجتمع تجاه مشاركة المرأة، كما نجحت بالتعاون مع زميلاتها بترك آثار بسيطة هنا وهناك داخل مجتمعهن. "عندي شعور بالمسؤولية لكن قدرتنا محدودة. أنا راضية كإنسانة حتى لو كان لي أثر قليل في مواجهة الفساد، وهذا الشعور نابع من إحساسي بالمسؤولية بخصوص مشاركة النساء ومحاربة الفساد كقضيتين لا تنفصلان".
تتباين موقعية النساء ضمن منظومات الفساد بين التأثر والمشاركة، لكنهن تتضررن بصورة أكبر لقلة وصولهن إلى الموارد واقصائهن عن مواقع القرار، فيصبحن أكثر عرضة للاستغلال وأقل قدرة على المساءلة. في الوقت نفسه، تنخرط بعض النساء في ممارسات إدارية فاسدة، كفاعلات، لكن خياراتهن في الواقع أقل تنوعاً مما يبدو، وتحديداً خلال النزاع وما بعده، قابعات ضمن شبكة معقّدة من القيود التي تعكس طبقات الضغوط التي يتعرضن لها أياً كانت خياراتهن.







