☆☆★★★
بعد فيلم وثائقي أول "فلسطين الصغرى، مذكرات حصار"، وآخر روائي قصير "سوكرانيا"، قدم المخرج الفلسطيني السوري عبدالله الخطيب باكورة أعماله الروائية الطويلة،"وقائع زمن الحصار"، في النسخة السادسة والسبعين من مهرجان برليناله السينمائي منتصف فبراير/شباط الحالي.
يعود عبدالله إلى الحصار موضوعاً لفيلم متعدد الحلقات، يستقيه من مواقف مر بها وأصدقائه خلال حصار النظام السوري لمخيم اليرموك بدمشق، تصلح كل حلقة منها لتكون فيلماً قصيراً مستقلاً بذاته، بلغة بصرية تقارب الوثائقية، يستحضر عبرها شعور النشطاء، بضرورة التوثيق، ويطرح عبرها سؤال حدود تصوير المعاناة.
يحاول الخطيب وطاقم العمل تقديم عمل بنمط واحد، لكن قلب الفيلم ينبض برتم متباين، بطيء للغاية، من مشهد افتتاحي لصاحب استوديو بيع الأفلام (عرفات) الذي يحاول التقاط آخر ما تبقى لديه من مواد غذائية، إلى مشهد لاهث حول سيارة توزيع الخبز، إلى مشهد متمهل تتجول فيه مجموعة من الأصدقاء والصديقات داخل استوديو عرفات (المعتقل في تلك الأثناء) لجمع كل ما يمكن الاستفادة منه وقد بات مهجوراً. يفسح الخطيب المجال في هذا المشهد لشخصياته للتفكير في تفاصيل حياتهم في الحصار، ومن فقدوهم، قم ينتقل إلى مشهد سريع للغاية لشراء نفس/ نفخة سيجارة من مهرب طماع، يشارك فيه الخطيب نفسه كممثل، ثم إلى آخر للقاء حميم بين مقاتل وحبيبته، ومشهد أخير سريع للغاية ومضطرب في المشفى الميداني، تجتمع فيه الشخصيات التي مرت علينا في الحلقات السابقة، دون أن يربطها بالضرورة أي خيط درامي واضح.
لا يقدم الخطيب هنا، فيلماً ملحمياً عن الحصار، بل فيلماً اجتماعياً، تغلفه الكوميديا، لا تتحدث شخصياته بلغة سياسية أو شعاراتية، وهو أيضاً ليس فيلماً لاستجرار الدموع، أو إدانة المعتدي. رغم ذكر إحدى شخصيات الفيلم اسم شارع اليرموك في إحدى اللقطات، لكن هوية المحاصر تبقى غائبة، هنا يسعى الخطيب إلى تقديم فيلم يمثل تجربة حصار جامعة للفلسطينيين في الداخل والخارج.
مع تكرار مأساة حصار الفلسطينيين منذ حصار اليرموك في دمشق، على نحو خاص في الأعوام الثلاث الماضية في غزة، يقدم الخطيب فيلماً هاماً، يذكر بهم، ويحاول تقريب الجمهور من أبسط تفاصيل معاناتهم اليومية. هو فيلم يدور في الحديقة الخلفية للحصار لا على الجبهات، ويهتم بالأشياء الصغيرة، التي يحاول المحاصرون/ات استحضارها لكسر الحصار، وإن كان للحظات، يشعرون فيها بالمساواة في حق العيش الكريم مع من هم في الخارج.
تعاطي شخصيات الفيلم مع هذه التفاصيل الصغيرة، يحرض المشاهد على إعادة التفكير في المسلمات التي يتعامل معها يومياً، ووضع نفسه مكان تلك الشخصيات، في حصار يتوقف فيه الزمن، حيث لكل قطعة شوكولاتة قديمة قيمة، وتتجاوز قيمة الدراجة السيارة، وقد تكون أي قبلة مع حبيبة، الأخيرة.
شارك الخطيب، ومدير تصوير الفيلم طلال خوري، ومصممة الصوت رنا عيد، مع الجمهور، ومواهب برليناله تالينت، تفاصيل عن الظروف الإنتاجية الصعبة للغاية، خلال تصوير الفيلم في ثلاث دول، الجزائر والأردن وفرنسا، وكيف أنتج الفيلم خارج "نظام السوق"، حتى الوصول لمرحلة ما بعد الإنتاج .. إلا أن هذه الظروف تبقى في النهاية غير مرئية ولا تعني الجمهور، الجالس أمام الشاشة الكبيرة، وهي تظهر فيلماً محدود الإمكانيات، بشخصيات من طبقة واحدة، محدودة الظهور، يتواصل معها في سياق الحصار فحسب، غالباً في مواقف كوميدية خفيفة الظل، تتعامل مع حاجات إنسانية أساسية، لكن أيضاً تقف عندها .. فيما تفتقد الحلقات في النهاية إلى التماسك كوحدة سردية متكاملة، ولا تخلق أي منحنيات شخصية، ما يجعل الأثر العاطفي للفيلم محدوداً، ويقلل من فرص بقاء شخصياته في الذاكرة.
عمل مدير التصوير والتصميم الصوتي المتميزين، ينقذان الفيلم من هذه المقاربة السردية غير المرضية، والظروف غير المواتية لإعادة إنتاج حصار. إدارة كاميرا (محمولة على الكتف غالباً) قوية من طلال خوري، تسحب المشاهد إلى قلب هذه الأحداث، بلقطات طويلة. التصميم الصوتي المتميز، الذي صنعته رنا عيد، ينجح في استحضار روح الحصار، وجديته، خطره المحدق، على مدار دقائقه، وما كان للفيلم أن "يعمل" حقاً دونه، خاصة عندما تدور غالبية المشاهد بين أربع جدران، ولا نرى من الحصار حاجزاً، ومن القصف إلا لقطة أرشيفية واحدة، ولقطة واحدة لانفجار صغير.
بين مجموعة الممثلين/ات اللاتي اختارهن الخطيب، ومديرة اختيار الممثلين لارا أبوالفيلات، تلفت الممثلتان سجى كيلاني (التي شاهدناها مؤخراً في فيلم "صوت هند بنت رجب" لكوثر بن هنية وماريا زريق (التي شاهدناها في "كل ما تبقى منك" لشيرين دعيبس، و"مهدد بالإنقراض" لسعيد زاغة)، الأنظار بأدائهما.
حصل فيلم "وقائع زمن الحصار" على جائزة أفضل فيلم في قسم "آفاق" الخاصة بصناع الأفلام الجدد في برليناله. وضمت لجنة التحكيم المخرجة المغربية صوفيا علوي، و دوروتا ليش (مبرمجة في مهرجان تورنتو وعضوة الهيئة العامة لمؤسسة الفيلم الفلسطيني، من بين وظائف أخرى)، والمخرج والكاتب الألماني فريدريك هامباليك.
مقابلة مع عبدالله الخطيب
سوريا ما انحكت: بعد فيلمك الوثائقي الأول، صنعت فيلماً روائياً قصيراً، ثم تعود الآن بهذا الفيلم الروائي. سبق وأن قلت بأنك صنعت الفيلم الوثائقي الأول بدون تخطيط مسبق. هل أغلقت الباب أمام العمل على أفلام وثائقية بعد خروجك من المخيم؟
عبدالله الخطيب: كلا، لم أغلق الباب أمامه، وصورت جزءاً كبيراً من فيلم وثائقي، وأنوي العمل على النمطين. ولكن بعد فيلمي الوثائقي "فلسطين الصغرى"، بات من الصعب علي صناعة آخر، إن لم يكن بمستوى عال للغاية، لأن ذاك الفيلم وضعني في مكان، ينبغي علي احترامه; لذا أخذ وقتي في صناعة هذا الفيلم الجديد، حتى أكون راضياً عنه وأرى أنه مناسب وجيد.
بالنسبة للروائي، كما قلت بدأت بصناعة الوثائقي صدفة، وكان هذا هو الحال مع الروائي، اكتشفت بأن بوسعي تطوير نفسي وصناعة أفلام روائية. بعد صناعة هذا الفيلم "وقائع زمن الحصار" بات بوسعي صناعة أفلام روائية، فقد تعلمت عبر صناعة هذا الفيلم في ظروف لا تصدق، ضمن ميزانية متدنية للغاية وصعوبات هائلة إمكانية العمل بأن آخذ ٥٠٠ يورو من هذا و١٠٠٠ يورو من ذاك، وأصور مشاهد في منزل صديق، وأن ننام جميعاً في غرفة واحدة.
نحن فخورون بالنتيجة، فخورون بأن الناس أحبت الفيلم، ورأت فيه شيئاً حقيقياً. هذا ما أحاول فعله وأنا أعمل على أفلامي، أركز على أن تكون السينما حقيقية، فلا أحب المبالغة في أي شيء. ليس لدي أبطال، وليس لدي ضحايا، بل أناس عاديين قد تحبهم، وقد تستلطفهم، لكن لا أحب أن أبهر الجمهور، بل أحب أن يضحك الناس ويبكوا في حد معين، وأن يكون هناك توازن في هذه التفاصيل.
بعد هذه التجربة سأستمر أيضاً في صناعة الروائي، لدي أكثر من مشروع على الورق، وسأكمل في الطريقين، وقد أجرب في مجال الأنيميشن .. لأنني لم أحلم يوماً بأن أكون صانع أفلام، ولم أدرس السينما، ولأنني حر من عبء قطاع صناعة السينما، ومن فكرة التنافس والانجاز، آخذ مساحة لأجرب وأنظر إلى النتيجة التي سأخرج بها. لا يحق لأحد مطالبتي بشيء، هذا امتياز أحاول استخدامه. أريد أن تكون التوقعات بشأن عملي متوسطة، لا أريد من الناس توقع أن أصنع أشياء "تكسر الدنيا"، بل ما هو مقبول ويستمتعون به، ويتذكروا منها مشاهد وقصص معينة.
سوريا ما انحكت: سمعناك قبل قليل تقول بأن هذا الفيلم هو بمثابة تكملة لفيلم "فلسطين الصغرى"، حيث أعطاك الروائي بعض الحرية لإظهار ما كان صعباً للغاية في الفيلم الأول؟
عبدالله الخطيب: تماماً، كما قلت. بدأت السينما وثائقية، ولم تكن روائية، فيلم الأخوين لومير الوثائقي، ثم بات من الصعب التواجد في كل مكان، وجاءت الروائية، ثم ظهرت أساليب جديدة لتواكب التطور العام. وعندما بدأت العمل على "فلسطين الصغرى" فكرت بصناعة فيلم يحكي كل شيء، ثم اكتشفت أنني لا أستطيع ذلك، فركزت على أشياء معينة، ثم في هذا الفيلم، حاولت استكمال ما كنت أرغب في تناوله.
سوريا ما انحكت: تحدثت مطولاً عن صناعتك هذا الفيلم بشكل مستقل تماماً، وصعوبة إنتاج فيلم بالطريقة الاعتيادية، التي قد تستغرق أربع سنوات وأكثر، لكن من يشاهد جينيريك الفيلم يلاحظ أن أطرافاً حكومية قد دعمت صناعة فيلمك ..
عبدالله الخطيب: أربع سنوات في أحسن الأحوال، يستغرق الأمر ما بين سبع وعشر سنوات. حصلنا على الدعم اعتباراً من مرحلة ما بعد الإنتاج، لا قبل إنتاجه. بعد أن اكتمل الفيلم، أرسلناه إلى مهرجان مراكش الدولي لنكمل العمل على الصوت والتلوين إلخ.. التي لا تغير السردية، بل تعززها. قدمنا طلبات تمويل عربية فقط، وأخذنا من قطر وتونس والجزائر والمغرب، ولم نقدم على تمويل أجنبي. تمويل الفيلم ذاتي من شقين، من المنتج شخصياً، ومن الناس التي عملت بالحد الأدنى من الأجور، ومن الذي قدم شقته، وقدم لنا المعدات ..
لأكون صريحاً، الكتابة لعبت دوراً، بمعنى كنت أعلم بأن ليس لدي مال عندما كنت أكتب.. وعندما أكتب مشهد تفجير، كنت أعلم بأنه ليس بوسعي أن أنفذه في شارع كبير، وتهبط القذيفة ويتطاير الناس، لذا كنت أبحث دوماً عن إظهار إنتاج بجودة مرتفعة، لا يظهر كأنه فيلم هواة، وبنفس الوقت أحترم حقيقة أنه ليس لدي مال كاف لإنجاز هذه الأمور.
سوريا ما انحكت: اشتغل المخرج الفلسطيني مهدي فليفل أفلاماً عن شخصيات من مخيمات الفلسطينيين في لبنان، هذا فيلمك الثاني عن مخيمات سوريا. رغم أنك تشير في نهاية الفيلم إلى إمكانية أن يكون هذا المخيم في كل مكان في غزة مثلاً، إلا أن حوارات الفيلم تشير إلى مخيم اليرموك بدمشق، هل هناك خصوصية ما تميز مخيم اليرموك عن باقي المخيمات في دول الجوار؟
عبدالله الخطيب: لن أقول تميز، لكن أعني هي بيئة مختلفة، تبعاً للظروف الاقتصادية والثقافية والجغرافية. مخيم اليرموك يتموضع في العاصمة دمشق، هو عملياً في العاصمة، لا خارجها، ونحن بعيدون عن حي الميدان في قلب دمشق، مسافة كيلو متر.
أحب عمل مهدي فليفل للغاية، ولديه طريقته في العمل، وكما قلت هو يسلط الضوء على مخيمات لبنان، فيما أعمل على مخيمات سوريا. حاولت في هذا الفيلم قدر المستطاع أن أوسع النطاق، وأقول أنها تشبه تجربة حصار بيروت، وحصار تل الزعتر وحصار غزة، وحصار جنين، و تشبه حصار الكثير من المناطق.. حصار غوطة دمشق.. حصار دوما وحصار داريا وحصار حمص. أفكر الآن، بأنه فاتني القول بأنه يشبه ما جرى في حمص، ينبغي صنع هذا الرابط الفلسطيني السوري، وسأعود للنسخة وأضيفها.
هناك هذه التشاركية في التجربة، ليس في سوريا وفلسطين فحسب بل وفي السودان وسراييفو .. وأنا أكتب هذا الفيلم عدت وقرأت مذكرات الكثير من الناس الذين عاشوا الحصار، ورأيت ما هو المشترك، كان هناك الكثير من الناس الذين تحدثوا عن سعر السيجارة المرتفع، وموضوع الحب.. رأيت المواضيع المشتركة التي تمس كل شخص، وعملت قائمة بخمسة إلى ستة مواضيع تلمس أي شخص في الكوكب.. لن تجد أحداً يقول لك بأن البرد لا يهمه. أجد من الجميل أن نعرض الفيلم في هذا البرد، فتشعر الناس أكثر به.. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالتدخين، أو الجنس، الذي يريد الجميع ممارسته لكنه قد لا يكون متاحاً، وقد يريده أحد طرفي العلاقة، ولا يستطيع الآخر التجاوب معه بسبب الظروف الاستثنائية، ليصبح الموضوع معقداً وصعباً للغاية.
سوريا ما انحكت: تجنبت إلى حد ما وضع صور "أيقونية" عن حصار مخيم اليرموك بدمشق، في هذا الفيلم، كصور أناس ينتظرون توزيع المساعدات.
عبدالله الخطيب: هذه بالنسبة لي ليست صور أيقونية، بل صور كارثية، أحاربها، ووضعتها في فيلم "فلسطين الصغرى" في سياق محدد لأظهر أن هذه الصورة هي نتاج، وليست المقدمة، بمعنى وصلنا إلى هنا لأن أمراً كان يحدث طويلاً. يزعجني جداً ظهور هذه الصورة عندما أبحث (على مواقع البحث) عن مخيم اليرموك. هذه الصورة تظهر البؤس والمعاناة، تظهرنا بأسوأ صورة، متسخين. نحن لسنا على هذا النحو، بل هذا نتاج ما قبل ذلك. لذا لا أقترب منها ولدي مشكلة معه، ولدي مشكلة كبيرة مع فكرة التعاطف والشفقة والبكاء. ليس هناك أسهل من جعل الناس تبكي في السينما وإثارة شعورهم بالشفقة والتعاطف، وليس هناك أصعب من جعلهم يشعرون بالغضب وبالعار وبالتضامن.. وليس من السهل أن تجعل الناس تضحك في ظرف سيء… هذه الضحكة تجعلك تعود لتراني كإنسان عادي. أتذكر كيف كنت أنا والشباب في أسوأ الظروف في الحصار، نتبادل النكات حول ما سننشره عن بعضنا إن سبق أحدنا الآخر ومات.. الفكاهة جزء من النجاة.













