منتصف كانون الثاني/يناير 2026 لم ينم أغلب مزارعي الخضار المحمية على ساحل مدينة بانياس السورية وعلى السفح الغربي للجبال هناك. قبل أيام وصلتهم، مع غيرهم من السوريين/ات، رسائل على جوالاتهم من دائرة الإنذار المبكر وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، تحذّر من تساقط وتراكم الثلوج على مستويات قليلة الارتفاع، ما يعني انخفاض درجة الحرارة دون الصفر وتعرض مزروعاتهم للتجمد والموت إذا لم يشعلوا التدفئة في بيوتهم البلاستيكية حيث تقبع مزروعات من مختلف الأنواع، خضار وفواكه وغيرها.
في هذين اليومين، سهر مزارعو المنطقة ومنهم رمضان محمد، مالك عدة بيوت بلاستيكية بجوار قرية "ابتله" على أوتوستراد اللاذقية طرطوس دون إغماضة عين. يروي المزارع، صاحب الخبرة الطويلة في الزراعة المحمية: "ركّبنا مدافئ الفحم والحطب وراقبنا درجات الحرارة التي كانت تقترب من الصفر وتهبط بسرعة. كل ثانية كان لها قيمتها وأي خلل يؤدي لخسارة الموسم بأكمله. لا وقت للنوم".
فكّ الاشتباك بين الطاقة المتجددة واستدامة المياه الجوفية في القطاع الزراعيّ شمال شرق سوريا
04 أيلول 2025
خلال هذه الثلجة "لم تقدم الدولة أو مؤسساتها أو إعلامها أية تعليمات ماعدا رسالة الطوارئ تلك. هناك مزارعون لا يعرفون التعامل الصحيح مع الصقيع عدا التكلفة العالية اللازمة لحماية النباتات والشجيرات، سابقاً، كانت الجمعيات الفلاحية تعقد الندوات والاستشارات للمساعدة في توضيح الحلول للمزارعين ولكن اليوم لا أحد حاضر". يشكر رمضان الذكاء الصنعي على تقديمه مساعدة جيدة في توضيح حلول لهذه المشكلة وغيرها: "شال كتف عن الدولة".
صرف رمضان ومئات المزارعين الآخرين، جمعاً، خلال ليلتين، آلاف لترات المازوت التي اشتروها بسعر السوق: "فيما مضى قدمت الدولة مازوت بسعر مدعوم لكل دونم أرض مزروع خضار أو أشجار مثمرة بما فيها الزيتون، لكن هذا العام لم يحصل ذلك ولا ندري إذا كان هذا دائماً" يقول رمضان.
الخير والمطر
شكّل جفاف الآبار في الساحل، وعموم سوريا، مشكلة للمزارعين خلال السنوات الماضية. تصاعدت قيمة "السقاية" في الساعة حتى وصلت إلى خمسين ألف ليرة سورية، مشروطة بالالتزام بالدور وتوفر الماء. هذا يعني حوالي مليون ليرة في موسم البندورة مثلاً، مضافاً لها أثمان الأدوية والشتول التي ارتفعت ارتفاعاً جنونياً: "آخر الموسم يكون المزارع سعيداً إذا خرج بربح قليل أو لم يكن عليه ديون"، يؤكد رمضان وعدد آخر من المزارعين من المنطقة.
مشكلة توفر المياه هذا العام في طريقها للحل. ليس بعيداً عن حقل رمضان وبعد سنوات من الجفاف تدفق نهر جوبر، المعروف باسم نهر بانياس، وفي قلب واديه خفقت الينابيع جارفةً في طريقها بقايا الجفاف الطويل. "تلك بشرى خير كبير، فمتى تدفق النهر يأتي الموسم الزراعي طيباً". يتأمل علي ديب وهو مزارع من قرية كعبية فارش المجاورة للنهر، ثم يسارع لتدارك تفاؤله مردداً كلمة "إذا"، وكأنه يحافظ على رجائه بالحذر من التمني.
مدير الهيئة العامة للأرصاد السورية السابق الأستاذ عهد اسمندر شرح لسوريا ما انحكت حال المواسم المطرية السابقة: "الموسم الماضي كان جفافاً مطرياً ونباتياً ومائياً، وهو الأسوأ بسبب شموليته لسوريا علماً أن فترة الجفاف الطويلة امتدت من 1998 إلى 2010 والفترة الأكثر جفافاً 2006 إلى 2010. كانت متواترة زمانياً ومكانياً ولم تكن شاملة. أما الفترة الثانية،2021 إلى 2025، فقد كانت الأسوأ بسبب فشل سياسات إدارة الموارد والزراعة والتكيف مع التغيرات المناخية، كما أن انهيار البنية التحتية مع ارتفاع درجات الحرارة زاد الأمور سوءاً، ما تجلّى بفقدان العديد من المحاصيل وندرة مياه الزراعة والشرب ليصنف بلدنا من أكثر البلدان ندرة في المياه على غير المعتاد".
توضح دراسة من جامعة نورث إيسترن الأميركية أنّ ما نعيشه هو أحد أشكال ال"ويبلاش" المناخي (climate whiplash): جفاف طويل يليه حرائق ثم أمطار غزيرة قصيرة تتسبب بفيضانات يلحقها حرائق أشد العام التالي، لكن المياه الجوفية تحتاج ثلاث إلى خمس مواسم مطرية متتالية للتعافي، ما يعني أننا لازلنا في مرحلة الخطر.
تشير بيانات رسمية صادرة عن وزارة الزراعة إلى أنّ الهطولات المطرية في معظم مناطق سوريا حتى أول فبراير/شباط 2026 تجاوزت نصف المعدل. هذا التحسن في الأمطار قد يساهم في تغيير مشهد الجفاف الذي طبع السنوات الماضية في سوريا وترك أثره الفادح على حياة السوريين وطعامهم وأساسه الحبوب.
تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو) إلى أنّ إنتاج الحبوب ككل في سوريا تراجع العام الماضي 2025 إلى نحو 1.2ـ 1.25 مليون وربع المليون طن نتيجة جفاف شديد وغياب الهطولات المطرية لحدها الأدنى منذ عشر سنوات. بلغ مجموع ما تسلمته الجهات الرسمية (الحكومة و الإدارة الذاتية) العام 2025 من القمح تحديداً حوالي 673 ألف طن فقط، مقابل احتياجات استهلاكية تصل إلى 2.73 مليون طن (حوالي الثلاثة ملايين طن) سنوياً، بحسب تقديرات الفاو. ووفق أرقام رسمية فإنّ حصة الفرد من القمح المتاح للاستهلاك هبطت من 205.2 كغ/ سنة في العام 2011 لتصل إلى أقل من 20 كغ سنوياً في العام 2024، مترافقاً مع ارتفاع أسعار الخبز عدة أضعاف، مما يعني يعني فجوة غذائية عميقة.
يشير الخبير الاقتصادي محمد العلبي، المقيم في ألمانيا إلى أنّ "المشكلة في الحالة السورية أنّ أساس البيانات شبه غائب، وليس في الزراعة وحدها. يتم تداول أرقام غير قابلة للتحقق، وتفتقر الوزارات إلى الشفافية، بل ولا تُبدي استعداداً فعلياً للاستعانة بمختصين أو اقتصاديين لصياغة سياسات قائمة على تحليل لا على انطباعات وإشاعات وتوقعات!".
قطن سوريا.. ماضي المواسم السعيدة.. هل يعود؟
04 شباط 2026
المزروعات الأخرى المرتبطة بالصناعة، والقطن أولها، لم تكن أحسن حالاً. يقول مدير مكتب القطن في وزارة الزراعة محمد معرّي في تصريح صحفي إنّ الوضع الراهن لزراعة القطن "غير جيد"، موضحاً أن الخطة الزراعية الموضوعة للعام 2025 كانت تستهدف زراعة نحو 40 ألف هكتار، في حين لم تتجاوز المساحات المزروعة فعلياً 25 ألف هكتار على مستوى البلاد. شكّل القطن قبل سنة 2011 نحو 30% من مجمل الصادرات الزراعية السورية، وكان المصدر الثالث للنقد الأجنبي بعد النفط والقمح كما وفر العمل فيه أكثر من 5.2 ملايين فرصة عمل. ومع تراجع إنتاج الشعير إلى مستويات شبه معدومة، 26.6 ألف طن في 2025، تتوسع الأزمات لتشمل الأعلاف والثروة الحيوانية، مما يهدد بارتفاعات متتالية في أسعار اللحوم والألبان، ويحوّل أزمة الحبوب إلى أزمة غذاء شاملة تمس السلة الأساسية للمستهلك، لا الخبز وحده. عملية شراء الخبز يومياً باتت عبئاً حقيقياً على السوريين إذ تحتاج عائلة متوسطة من خمسة أفراد إلى ربطة يومياً من 14 رغيفاً تكلّف نصف دولار، أي ما مجموعه 15 دولاراً من أصل 120 دولاراً، تقريباً هو راتب الموظف الحكومي.
لم يكن الحال أفضل خارج قطاع الزراعة. طال الجفاف الأمن المائي السوري، ووصل إلى حدود مرعبة، وشوهد نهر العاصي للمرة الأولى جافاً، وبالمثل سجّل نبع الفيجة، الذي يزود العاصمة بمياه الشرب جفافاً مرعباً في منسوب المياه المتدفقة منه، لم يشاهد منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي.
وفي تفسير الحالة المطرية الأخيرة، توضح دراسة من جامعة نورث إيسترن الأميركية أنّ ما نعيشه هو أحد أشكال ال"ويبلاش" المناخي (climate whiplash): جفاف طويل يليه حرائق ثم أمطار غزيرة قصيرة تتسبب بفيضانات يلحقها حرائق أشد العام التالي، لكن المياه الجوفية تحتاج ثلاث إلى خمس مواسم مطرية متتالية للتعافي، ما يعني أننا لازلنا في مرحلة الخطر.
هذه الحالة مرتبطة بكون سوريا اليوم ضمن أكثر دول العالم هشاشة مناخياً، بقدرة تكيف منخفضة، وفق تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة GEO-7، المنشور في 9 كانون الأول/ديسمبر 2025، وهو أكبر تقييم علمي عالمي للبيئة. وذكر التقرير تراجع كميات الأمطار وموجات الجفاف في سوريا، وتدهور الزراعة والأمن الغذائي، وتدمير موائل طبيعية وانقراض عدد من الكائنات متل اليمام الأصلع، وخسائر في الإنتاج الزراعي قد تصل إلى 65%.
نبذ الزراعة
لم تكن الطبيعة وحدها أو التغيرات البيئية هي السبب في ما حصل في سوريا من جفاف مدقع، كذلك لا يمكن القول إن الهطولات الأخيرة قلصت الجفاف الكلي بهذه السرعة، فالجفاف فعل تراكمي ويمتد تأثيره سنوات إلى قلب الاقتصاد والزراعة والمجتمع، لكن تحسّن الهطولات المطرية سوف يساعد في تخفيف الجفاف. يتوافق هذا التحليل مع قراءة الخبير العلبي التي ترى أن "الخطاب الرسمي يختزل الأزمة في العامل المناخي كمبرر سهل، فيما هي في الجوهر أزمة سياسات. اقتصادياً، هذا خلط بين متغير خارجي غير قابل للضبط (المطر) وأدوات السياسة العامة التي يمكن ضبطها".
هذا الخلل بين "متغير الطقس" و"أدوات السياسة" تجسّد عملياً في تراجع دور الدولة من داعم للإنتاج إلى مُشترٍ من الخارج، عبر سلسلة قرارات أفقرت المزارع. أوّلها تخلّي الدولة تقريباً عن دورها في دعم الإنتاج الزراعي، ومنها تراجع دعم المازوت الزراعي ورفع سعره بنسبة 150% قبل سقوط النظام بشهر واحد، مع توقف بطاقات توزيع المازوت الزراعي في بعض المحافظات، لحقها توقف دعم البذور حيث بلغ سعر طن بذار القمح المغربل والمعقم المباع للفلاحين 500 دولار بعد سقوط النظام.
يتوافق هذا التحليل مع قراءة الخبير العلبي التي ترى أن "الخطاب الرسمي يختزل الأزمة في العامل المناخي كمبرر سهل، فيما هي في الجوهر أزمة سياسات. اقتصادياً، هذا خلط بين متغير خارجي غير قابل للضبط (المطر) وأدوات السياسة العامة التي يمكن ضبطها".
يشير ممدوح ابراهيم، فلاح من بانياس يزرع التبغ، إلى توقف تقديم بذور التبغ اللازمة لزراعة المشاتل والاعتماد على استخلاص البذور من قبل المزارعين أنفسهم. الأسمدة اللازمة للزراعة باتت تشترى من السوق الحرة بأسعار عالية رغم عودة معمل الأسمدة بحمص للعمل مؤخراً.
يدفع هذا الوضع المزارعين إلى التوقف عن الزراعة أو الاقتراض بفوائد مرهقة، مما يحول الفلاح من منتج إلى مدين. فقد تراجعت المساحات المزروعة بالقطن في الجزيرة السورية من 52 ألف هكتار في العام 2011 إلى أقل من 7 آلاف هكتار في موسم 2025. يعود ذلك وفق المزارع فايز موسى من ريف ناحية الرميلان محافظة الحسكة، الذي توقف عن زراعة القطن هذا العام، إلى "غلاء أسعار المحروقات والبذار والأيدي العاملة وأكياس الشحن، وفي النهاية عندما تسلم المنتج لا تقبض حقك كاملاً. هي زراعة خاسرة ولن أعيدها".
هذا القرار الشخصي لفايز وغيره هو بالضبط "القرار العقلاني" في سياق اقتصادي محطم، كما يحلّله الخبير العلبي، حيث يدخل المزارع الموسم "وهو يعاني نقص السيولة، ويواجه أسعار مدخلات مرتفعة، وطاقة غير مستقرة، وتسعيراً غير مضمون". في هذه البيئة، حتى مع تحسّن المطر، "يصبح القرار العقلاني هو تقليص المساحات أو الخروج من الزراعة".
منظومة التسويق بحد ذاتها مشكلة، هذا الوضع لا يخدم فقط التجار المحليين، بل يفتح الباب لاحتكارات أكبر على مستوى الاستيراد والتوزيع. إنّ غياب الشفافية وانهيار الإنتاج المحلي يخلقان بيئة خصبة لشركات بعينها للسيطرة على سلاسل الإمداد، كما تظهر حالات مثيرة للجدل مثل شركة "اكتفاء" لإنتاج الفواكه والحبوب وإجراء البحوث الزراعية، والتي يديرها باسل سويدان (المعروف باسم أبو حمزة قاسيون)، المعاون السابق لوزير الزراعة ورئيس لجنة الكسب غير المشروع سابقاً. هذا التداخل بين المنصب الرسمي والنشاط التجاري يضعف ثقة المزارع بأي وعود إصلاحية.
دمار الغابات في الساحل السوري
16 كانون الثاني 2025
في المناطق التي شهدت معارك عسكرية مثل ريف إدلب، هناك "مشاكل إضافية مثل دمار قنوات الري وأنظمة تجميع المياه من الأمطار مثل البرك السطحية الملوثة بمخلفات الحرب"، وفق تقديرات المهندس الزراعي ياسر دوبا، من جسر الشغور في إدلب، الذي يشير إلى احتمالات وجود ألغام في بعض الأراضي الزراعية. يأتي هذا في ظل انهيار شبكات الإرشاد الزراعي وشح مصادر المياه، ما "يقلل دوافع المزارعين للعودة إلى الزراعة"، يرى دوبا.
وعن الرابط بين مياه الأمطار والزراعة، يرى المهندس ياسر أنّ هناك "غياباً لخطة وطنية تربط بين كمية المياه المتاحة والمساحات المرخص بزراعتها حيث تُمنح تراخيص الزراعة بمعزل عن الدراسات الهيدرولوجية". هناك اليوم إتجاه لحفر آبار جوفية جديدة في ريف إدلب. في الساحل تسبب توجه المزارعين إلى زراعة الفواكه الاستوائية وهي زراعات شرهة للمياه، إلى نضوب الآبار بسبب استهلاك زائد للمياه.
يذكر الخبير العلبي في هذا الصدد أن "سوريا لم تبدأ معاناتها مع شح المياه مع المتغيرات المناخية الحديثة فقط؛ هذه الجغرافيا تعيش هذا التحدي منذ آلاف السنين، وكان تنظيم الماء والغذاء أساس نشوء الدول المتعاقبة عليها"، مما يضفي بعداً تراجيدياً على إدارة هذا الملف اليوم. لقد بقيت سوريا مكتفية غذائياً حتى العام 2011، فيما مضى كان القطاع الزراعي يساهم بثلث ميزانية الدولة السورية كما كان يشغل ملايين الأشخاص بين تقني وتاجر وصناعي وغيرهم ممن يرتبطون بسلاسل الإنتاج.
الخروج من الحلقات المفرغة في هذه البلاد، يفترض من منظور اقتصادي بحت، بدايةً، كما يقول الخبير العلبي "أن تُبنى أي توصيات في قطاع بحساسية الزراعة والأمن الغذائي على معطيات كميّة واضحة: المساحات المزروعة فعلياً، كلفة المدخلات والطاقة، إنتاجية الهكتار، مستويات المخزون، القدرة التمويلية والتموينية، وهوامش المخاطر التي يتحمّلها المزارع".
بناءً عليه، يقترح الخبير العلبي أنّ "الحديث عن سياسات من حيث الإطار العام ممكنة، لكن التفاصيل التنفيذية يفترض أن تُبنى على آراء تقييمية (Feedback) تشغيلية عن الزراعة والموارد المائية والطاقة. يفتح هذا التشخيص المرير الباب أمام سؤال مركزي: لم لا تُصرّح الجهات الرسمية عن مشكلاتها الفعلية ومعطياتها؟ لا يمكن لأي طرف الادعاء بامتلاك وصفة جاهزة، لأن السياسة العامة هنا تُصاغ عملياً في فراغ معلوماتي، وهو بحد ذاته جزء من الأزمة". يشير التحليل الاقتصادي، كما يوضح العلبي، إلى أنّ أي جهد حقيقي يجب أن يرتكز على ثلاثة تحولات جوهرية مترابطة.
قد يمنح تحسّن الهطولات مهلة، لكنه لا يمنح حلاً. الخروج من هذه الدوامة يتطلب نقلة في نموذج الحوكمة ذاتها: من نموذج سلطوي يراهن على الطبيعة ويحمّل المنتج وحده وطأة المخاطر، ويُغذي الفساد في الفراغ المعلوماتي، إلى نموذج يقوم على الشفافية والتخطيط العقلاني. المطر يروي ولكن نظاماً عاقلاً يمكنه أن يحوّل قطرة المطر إلى بذرة أمان.
الأول: استبدال الدعم الفاشل بعقد اجتماعي جديد حيث لا يمكن التعويل أكثر على دعم عشوائي للمازوت أو البذار يضيع في الشبكات الوسيطة، بل تحويله إلى عقد واضح بين الدولة والمزارع عبر تمويل موسمي سريع وحزمة مدخلات "ذكية"، على شكل بذار مقاومة ووقود موسمي، مقابل التزام المزارع بمعايير مائية محددة وزراعة محاصيل استراتيجية.
المبدأ الثاني: جعل الماء القيدَ الحاكمَ للزراعة. لا تحتمل حكاية ندرة الماء في بانياس وحمص وإدلب مزيداً من العشوائية، وأي إصلاح يجب أن يبدأ بإعادة الربط الإلزامي بين قرار "ماذا نزرع؟" وبيان "ماذا نملك من ماء؟" عبر وقف تراخيص الزراعات الشرهة للمياه في الأحواض الجافة، وربط الدعم بتحويل أنظمة الري إلى الري بالتنقيط. المبدأ الثالث: الشفافية كأول خط دفاع ضد الفساد والهدر عبر بناء نظام بيانات مفتوح ينشر المساحات الفعلية وتكاليف الإنتاج ومستويات المخزون وعقود الاستيراد، لتصبح السياسات قائمة على أدلة.
في المحصلة، قد يمنح تحسّن الهطولات مهلة، لكنه لا يمنح حلاً. الخروج من هذه الدوامة يتطلب نقلة في نموذج الحوكمة ذاتها: من نموذج سلطوي يراهن على الطبيعة ويحمّل المنتج وحده وطأة المخاطر، ويُغذي الفساد في الفراغ المعلوماتي، إلى نموذج يقوم على الشفافية والتخطيط العقلاني. المطر يروي ولكن نظاماً عاقلاً يمكنه أن يحوّل قطرة المطر إلى بذرة أمان.







