تعيش نساء الرقة ودير الزور واقعاً جديداً بعد سيطرة الحكومة السورية الانتقالية على المدينتين هذا العام. بينما تتحدث بعض النساء عن فعالية وإحساس متزايد بالأمان، تعبّر أخريات عن قلق وتخوف من تراجع الدعم القانوني والاجتماعي الذي كان متاحاً لهنّ خلال سنوات سيطرة الإدارة الذاتية، خاصةً فيما يتعلق بالتعامل مع قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وصال النافع، ناشطة من الرقة، كانت المرأة الوحيدة الحاضرة في لقاء الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مع عدد من الإعلاميين والنشطاء. ترى كوثر، الناشطة النسوية من الرقة، أن ما تعرضت له وصال من تشهير يلخص واقع النساء اليوم في المنطقة وسوريا، فبعد نشر صورتها خلال ذاك اللقاء، تحول التساؤل حول سبب وصولها للقاء الرئيس في دمشق، ولانخراطها في العمل السياسي وهي سليلة عشائر عربية، إلى اتهامات وإساءة لشخصها كأنثى، دون أخذ ما انجزته خلال الأعوام الماضية في عين الحسبان. "تعاني وصال نفسياً حد الانكفاء، ونحاول تشجيعها طوال الوقت لتكمل العمل كمرشحة في الهيئة الناخبة، وتوصل صوت النساء في المنطقة إلى النقاشات السياسية السورية".
تحدّت الحروقَ والإهمال.. لتنقذ ابنتها وحياتها أيضاً
03 أيلول 2025
تشعر كوثر، كامرأة وناشطة، أن عدم الاستقرار ما زالت السمة البارزة للمرحلة، بعد شهر ونصف من دخول القوات الحكومية إلى الرقة، لم تشهد تغييراً كبيراً في يوميات النساء، لكن لديهن تطلعات إيجابية ورغبة باستغلال الانفتاح السياسي الذي يلمسنه. "لدينا قلق من المستقبل، ما دفعنا لتنظيم تجمعات ومبادرات بعد دخول القوات الحكومية بيومين فقط، القيادات لا زالت غير نسوية، لكننا نعمل مع شباب نعرفهم ونحترم رؤى بعضنا، ونريد أن ننظم أنفسنا ليصبح لدينا صوت مسموع حقاً، لا شعارات كما من قبل".
التغيير حمل دون شك فرصه السياسية والإدارية معه، تحديداً إمكانية ترشيح واختيار الهيئة الناخبة لمجلس الشعب في الرقة ودير الزور، لكنه جلب معه أيضاً الخيبة، إذ لم تجد كوثر وعدد من الناشطات في قوائم المرشحين من يمثلهن. مع ذلك، لديهن سبل محدودة للتفاعل، يجعلهن يشعرن بالارتياح حيال إمكانية العمل والتغيير، كتقديم الطعون وإجراء النقاشات التي تعرّف بالعملية الانتخابية، وحول الأدوار والمهام المنوطة بممثلي المدينتين في المجلس.
إيمان عليان، رئيسة مجلس إدارة جمعية "نساء الغد"، في دير الزور، لا تعتقد أن تغير قوى السيطرة انعكس بشكل مباشر على حياة النساء حتى الآن، وتشير إلى أن المعاملة مع الجهات الحكومية "جيدة جداً"، بل أن الحكومة المؤقتة تحترم النساء، وتستمع لآرائهن. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن النساء ما زلن خارج العمل السياسي، رغم توفّر مساحة إبداء الرأي وتوجيه الملاحظات للمسؤولين سواءً أكانوا في الرقة أو دير الزور أو دمشق، مشيرةً إلى أنّ الحكومة تتقبل هذه الملاحظات حين تخدم المصلحة العامة. وتضيف إيمان أنّ معاناة الأهالي عموماً وليس النساء فقط، لا تزال مرتبطة بسوء الوضع الاقتصادي، حيث تشهد المنطقة غلاءً كبيراً في الأسعار.
ما تعرضت له وصال من تشهير يلخص واقع النساء اليوم في المنطقة وسوريا، فبعد نشر صورتها خلال ذاك اللقاء، تحول التساؤل حول سبب وصولها للقاء الرئيس في دمشق، ولانخراطها في العمل السياسي وهي سليلة عشائر عربية، إلى اتهامات وإساءة لشخصها كأنثى، دون أخذ ما انجزته خلال الأعوام الماضية في عين الحسبان.
تتحدث أخريات عن تغييراتٍ إيجابية في حياتهن اليومية، كشأن السيدة وصايف، من مدينة الرقة التي عادت لعملها السابق القريب من سكنها، بعد أن كانت تضطر سابقاً للتنقل مسافةً تصل لـ 70 كيلو متر يومياً. تشير وصايف، في حديثها مع سوريا ما انحكت، إلى أنها تشعر بأمان أكبر في حياتها اليومية، وأن بعض النساء في محيطها شعرن أيضاً بنوع من الاستقرار النفسي والأمني، وعدن إلى أعمال ووظائف كنّ محرومات منها في السابق.
أمان مترنح
في المقابل تظهر مقاطع مصورة متداولة على مواقع التواصل، ذكوراً في المنطقة، يعبرون عن تحديهم للقيم النسوية التي سادت خلال سيطرة الإدارة الذاتية. وتتحدث ناشطات من المدينتين، عن مخاوف متزايدة مرتبطة بطبيعة المرحلة الجديدة. فتقول ناشطة مجتمعية فضلت التحدث باسم مستعار، سلمى، إنّ الوضع معقد وغير واضح، وهناك تخوف متعلق بما سيؤول إليه وضع النساء في ظل السلطة الحالية.
بعيدا عن عيون داعش.. التعليم سرًّا
16 تموز 2025
توضح سلمى أن التغيير لم ينعكس بشكل فعلي على الواقع اليومي الذي تعيشه، لكن النبرة تجاه مشاركة النساء في العمل سواء في مؤسسات الحكومة أو في الفضاء العام، بدت مختلفة: "خلال فترة سيطرة الإدارة الذاتية، كانت هناك مؤسسات ومناصب مخصصة للنساء مثل (دار المرأة) ونظام الرئاسة المشتركة في مختلف المؤسسات، كانت هناك مؤسسات مخصصة لتلقي شكاوى النساء المتعلقة بالعنف الأسري والمجتمعي ومعالجتها؛ هذه المساحات لم تعد موجودة اليوم، أو لم تعد تؤدي الدور ذاته، ما أفقد النساء تلك المساحة الآمنة للحديث عن مشكلاتهن."
تشير سلمى إلى محاولة سيدة تقديم شكوى بسبب تعرّضها للتعنيف من زوجها مؤخراً، ليخبرها المسؤول في مركز الشرطة بأن تقديم الشكوى "عيب"، وأن عليها محاولة حل المشكلة داخل المنزل. كانت ثقافة الشكوى لدى وقوع حوادث العنف قد أصبحت اعتيادية خلال السنوات الماضية، رغم الطبيعة العشائرية للمنطقة، وكان مقبولاً أن تتقدم النساء بشكاوى عند تعرّضهن للعنف.
كما يظهر القلق بشكل خاص لدى نساء عملن سابقاً في مؤسسات الإدارة الذاتية، ففي إحدى الجلسات التي جمعت سلمى بمجموعةٍ منهن، سألت فيما إذا كنّ مستعدات للتقدم للعمل في مؤسسات الحكومة الانتقالية، فعبر معظمهن عن تخوفهن من طبيعة تعامل السلطة الحالية مع النساء، وقلقهن من اعتبارهن محسوبات على الإدارة الذاتية وقسد. وتقول سلمى إن اتهامات مثل "قسدي" و"أسدي" باتت تُستخدم في الكثير من الأحيان، ما يعزز الخوف لدى النساء والرجال على حدٍّ سواء.
"خلال فترة سيطرة الإدارة الذاتية، كانت هناك مؤسسات ومناصب مخصصة للنساء مثل (دار المرأة) ونظام الرئاسة المشتركة في مختلف المؤسسات، كانت هناك مؤسسات مخصصة لتلقي شكاوى النساء المتعلقة بالعنف الأسري والمجتمعي ومعالجتها؛ هذه المساحات لم تعد موجودة اليوم، أو لم تعد تؤدي الدور ذاته، ما أفقد النساء تلك المساحة الآمنة للحديث عن مشكلاتهن."
في هذه السياق، تحدثت سلمى لسوريا ما انحكت عن سيدة أرملة عملت كمُستخدمة في محكمة تتبع للإدارة الذاتية، ما وفّر لها نوعاً من الحماية، خاصةً أنها كانت تتعرض لمضايقات من شقيق زوجها بسبب خلافات متعلقة بالإرث وأطفالها، وباتت الآن تتعرض لتهديدات من شقيق زوجها الذي قال لها "زمن أول تحول ورح تشوفي شي ما شفتيه". تقول سلمى إنها شجعت المرأة على تقديم شكوى ضده، لكن الأخيرة تشعر بقلق ألا تُحمل شكواها على محمل الجد.
التغيرات التي تشهدها مدينتا دير الزور والرقة في واقع النساء تبدو تكراراً لما حدث في مناطق سيطرة المعارضة قبل سقوط النظام، وفي مناطق النظام السابق بعد الثامن من كانون الأول/ ديسمبر: انفتاح سياسي محدود، مقابل تخوفات على حقوق الأقليات الدينية والنساء. من جهة، يبدو أن ما كرسَّته سنوات حكم الإدارة الذاتية تركت تأثيراً رمزياً ملموساً، من ناحية تواجد النساء وثقلهن في الحيز العام. ومن جهة أخرى، لم تفلح تلك السنوات بتغيير بنى وهرمية المجتمعات في المنطقة، ما يجعلها متهمة بالشكلية وقلة الإنجاز.






