ملف “السويداء، ذاكرة ولا يقين”: مضى عام على اقتحام قوات من الأمن العام السوري، والقوات الرديفة من العشائر، مدينة السويداء وريفها. أُحرقت قرى ونُهبت، وقُتل أكثر من 1700 شخص، وتمزقت عرى الوطنية السورية بما لا يمكن رأبه في المستقبل القريب. لا تزال ذكرى ما حصل تثقل سوريا بالمرارة، نفوساً وأجساداً وبيوتاً وطرقات. سوريا ما انحكت تدعو في هذا الملف مجموعة من أبناء السويداء لمشاركتنا ذكرياتهم وأفكارهم، عن ماضٍ بعيدٍ جميلٍ وآخر قريبٍ مُضنٍ، وتستكشف أحوالهم في ظل حالة اللايقين السائدة.
***
كنتُ في الثالثة عشرة عندما حسدتُ الأحفاد في مسلسل الفصول الأربعة. في شقتنا المتواضعة في جرمانا، أدركتُ سريعاً أن الضواحي، ومهما كانت قريبة، فإنها ليست المدينة. كان للأحفاد في المسلسل بيتُ جدٍّ فسيح في قلب دمشق، الجدُّ والجدةُ مثقفان، متمدنان وحنونان، بيوتٌ متقاربة وجمعاتٌ عائلية دورية، وعندما ذُكرت الضواحي مرةً كانت شيئاً بعيداً لا تُحبَّذ سُكناه.
في الصيف كنا ننتقل إلى قريتنا، لبين، إحدى قرى اللجاة في شمال السويداء الغربي. بُني منزلنا الريفي على تلة صخرية في أول القرية. كنا نسكن هذه الكتلة الإسمنتية الرمادية بداية كل صيف قادمين من قيظ جرمانا، ونهجرها بداية الخريف.
نُعيد تعزيل المنزل وتنظيفه من الحشرات وفضلات العصافير والوطاويط والفئران، في طقس سنوي كئيب، ممتع ومخيف أحياناً. عقارب صفراء وسوداء ارتجلت أوكارها بين الأغطية والمفارش، وعناكب صفراء سريعة بحجم الكف، بأنياب مخلبية تُرعب أكثر مما تؤذي. سحالٍ، وأبو بريص، وأحياناً أفعى تتسلل من شقٍّ لا يُرى. لكن الهواء كان ساحراً والمساحات شاسعة للعب الكرة وقيادة الدراجة الهوائية، وكلمة “حيالله” تصدح ببشاشة في كل مكان، تعقبها قُبَل حنونة ولزجة لا مجال لتجنبها.
بعد وصولنا سيتحول المنزل خلال ساعات، فتغادره الوحشة وتستعيد الغرف شيئاً فشيئاً ألفتها القديمة، وقبل الغروب، كنت أخرج إلى الشرفة الفسيحة، حيث تتدفق الريح بكرمٍ منعش، تاركاً - بدلال الابن الأصغر- أمي وإخوتي مشغولين بترتيب البيت، منتظراً ذلك المشهد الذي سيتكرر دائماً.
في الأفق أسفل التلة كنت أرى جدي كتكوينٍ رماديٍّ مغبش يتقدم سائراً ببطء على الطريق الإسفلتي، دافعاً أمامه عربة جرٍّ عتيقة بدولاب واحد، عليها شيءٌ ما ثقيل، نعرف جميعاً ما هو: تلفزيون أبيض وأسود عتيق ماركة سانيو، موديل أبو طُقّة. كان التلفزيون ملفوفاً بعناية بطرحة ملونة تحميه من الشمس والصدمات.
ببطء وثبات يصعد أبو حاتم السبعيني إلى أعلى التلة برفقة تلفزيونه، وعندما يصل، نندفع لتقبيل يده كما أوصتنا أمي، ويبتسم ابتسامة من أنجز فرضاً مقدساً. ثم نستمع إلى الحوار المكرر بينهما: تقول أمي بأن لا داعي للتلفزيون أبداً مع هذا الهواء العليل، لكن جدي يصر بعنادٍ لا يخلو من العصبية أن من غير المقبول أن يترك أحفاده القادمين من “الشام” فرائس للملل في هذه القرية الصغيرة. تجادله أمي أنه من غير العادل أن يفوّت نشرة الأخبار، فيرد بأن لديه راديو يابانياً ممتازاً.
سنبقى لثلاثة أشهر كل عام في لبين، نسير في كروم الزيتون وحقول القمح والعدس، نعاين شقاء فلاحي اللجاة كسياح، نشاهد الجزء الثاني من "الكابتن ماجد" و"ساندي بيل"، بالأبيض والأسود على القناة الأردنية وبرامج المنوعات على الـ "إل بي سي"، تلك القنوات التي لم يكن بثها يصلنا في دمشق. فيما جدي، المحروم من التلفزيون، يستمع لمونتي كارلو وإذاعة الشرق من باريس في طقسٍ يومي، ثم يغفو قبل انتهاء نشرة الأخبار الرئيسية.
أفكر الآن كم تكرر هذا المشهد لسنوات حتى ظننت أنه من طبيعة الأشياء.
أكبرُ كلَّ سنة، وأبو حاتم يذبل، لكن إصراره لا يخفت، يجرّ التلفزيون إلى التلة كل صيف، ويسقي الزيتون المحيط بالدار بمثابرة شاب عشريني. مرةً أهداني مسبحة بحبات قرمزية شفافة، “السنة الجاية رح اسألك عليها” قال لي. أربكتني هذه الهدية وقتها، فما الذي قد يفعله مراهق طائش مثلي بمسبحة؟ أضعتها بعد أيامٍ دون كثيرِ اكتراثٍ. في العام التالي سألني عنها فعلاً، أذهلتني ذاكرته وصمتُّ خجلاً، لا أدري ما أقول، فابتسم بغصةٍ ثم ناولني من جيبه مسبحة صفراء أقل جمالاً من سابقتها. تلك ما زالت لدي حتى الآن.
بعد أعوام سنقف أنا وأبي أمام جثمانه في الليلة التي سبقت الدفن، مكفّناً داخل برّاد أزرق ذي نافذة زجاجية، بجسدٍ شديد النحول وعيونٍ غافية مرتاحة. في اليوم التالي سيُدفن قرب منزلنا، صاعداً كل الطريق إلى الهضبة، وسأكون في الـ"بيك أب" التي ستقلّ جثمانه عند الغروب، تلفح ريح اللجاة وجهي بقسوة فتجفّ الدموع بسرعة، كأنها تحفظ تلك الوصية الثقيلة: الرجال لا يبكون.
بيت جدي في الحارة القديمة، كبيوت كل قرى السويداء، مبني من البازلت بلونه الأزرق الرمادي الساحر. أكثر غرف المنزل رحابة وفخامة هي مضافة كبيرة ربما كانت يوماً ما قاعة لكنيسة بيزنطية ريفية. تتناثر على جوانبها غرف ومخابئ ومخازن للحبوب، وفي قلب الجدران السميكة ممرات وحُفر ضيقة مخصصة لسلالات من القطط تحمي البيوت والمخازن من الفئران والحشرات. رحّبت هذه المضافة بآلاف الزوار من السويداء ودرعا واللجاة، ومن كل أنحاء سوريا على مدى السنوات.
بعد أعوام سنقف أنا وأبي أمام جثمانه في الليلة التي سبقت الدفن، مكفّناً داخل برّاد أزرق ذي نافذة زجاجية، بجسدٍ شديد النحول وعيونٍ غافية مرتاحة. في اليوم التالي سيُدفن قرب منزلنا، صاعداً كل الطريق إلى الهضبة، وسأكون في الـ"بيك أب" التي ستقلّ جثمانه عند الغروب، تلفح ريح اللجاة وجهي بقسوة فتجفّ الدموع بسرعة، كأنها تحفظ تلك الوصية الثقيلة: الرجال لا يبكون.
وكأغلب أهل الجبل، ورث جدي أبو حاتم الهوس بسمعة مضافته مهما بلغت كُلفة ذلك، وهو ما يعني إكرام أي ضيف يعبر القرية، مهما صغر شأنه أو كبر. وذلك يعني أيضاً أن تُجهّز نساء الدار الطعام في أي وقت يُطلب منهن ذلك، حتى لو كانت الثالثة فجراً، ويعني أيضاً أن تراقب عيون الأطفال المناسف المعمَّرة محمولةً من المطبخ إلى المضافة، دون أي حق في تذوق أطايبها، فالضيف أولى. يغادر ضيف ويأتي آخر ثم آخر، ويتعشى الأطفال من حواضر البيت كي لا يباتوا جوعى.
أذكر أن تلك الحكايات عن الكرم كانت تثير حنقي في بدايات مراهقتي، وكلما ذكر أحد ما أمامي شجاعة أهل السويداء وكرمهم الأسطوري، تحسستُ خنجراً وهمياً في جيب بنطالي. كأني أريد تحرير نفسي من أسر الصفات وقسوتها.
في القسم العلوي من المضافة غرف لا يمكن الوصول إليها بدون سلالم خشبية طويلة، لربما استخدمها السكان في العصور القديمة للاختباء وقت الحروب والغزوات. وفي السبعينيات، شيّد جدي درجاً خارجياً من البازلت يقود إلى واحدة من تلك الغرف المعلّقة، طلى جدرانها بطينة كلسية زرقاء وبيضاء، وصارت تُعرف باسم “العِلِّيّة”. هذه “العِلِّيّة” هي أجمل ركن في هذا الكون، تباغتك السكينة فور الدخول إليها وتحلّ في جسدك نوازع الرهبنة والتنسك. فيها قرأت “الياطر” لحنا مينه، و“ابنة الآمر” لبوشكين، ومنها تستطيع التسلق إلى السطح لتطل على كل القرية. التنقل في هذا البيت السحري يشبه الحكايات الخيالية: غرف صغيرة بأبواب واطئة لا تدخلها إلا سجوداً، وحجرات وأسرار لا تنتهي. هناك أدركت لاحقاً أنه لا داعي لأحسد الأحفاد في مسلسل الفصول الأربعة. فما لديّ ليس لدى أحد.
***
ستدور الأيام بي لأجد الملجأ في أحد بيوت بدو اللجاة في عام 2012، هارباً من حواجز نظام الأسد كعسكري منشق. سأبقى بضعة أيام رفقة بعض الضباط والعساكر المنشقين من أبناء السويداء على أمل الوصول بطريقة ما إلى الأردن عبر درعا، لكني سأُصاب في ركبتي نتيجة خطأ أحد الرفاق المنشقين أثناء تجربته لبندقية عتيقة بشظايا نارية، وسأبقى في المنطقة خمسة وعشرين يوماً.
عن خمسة أيام جرشت روح السويداء؛ بشراً وسكناً وزرعاً وضرعاً.. ومزقت روحي الحبيسة في برلين
04 آب 2025
كان بين قرية البدو وقريتنا مسافة لا تتجاوز الخمسة كيلومترات، حظيت بدلالٍ خاص عندما عرفوا أني حفيد أبي حاتم؛ فقد كانت بينهم زيارات في الأعياد وعلاقات عمل. أحد شبابهم كان يمازحني: “عندما تشفى سآخذك على الموتور لتزور بيت جدك”. كنت أضحك: “والحواجز؟” أقول له. يجيبني ضاحكاً: “اقلهم إنك ابن عمي، ما يحكونا شي”. “خلص، اتفقنا” أقول له ضاحكاً. اختفى الشاب بعد أيام. قالوا إن كميناً ليلياً للجيش قد أودى به دون أن يستطيع أحد التأكد من حقيقة مصيره. بكيت "ابن العم" ليلتها. على صوت قذائف القصف العشوائي الذي كان حدثاً يومياً في قرى البدو وقتها، فكرت كم هي حزينة اللجاة وحزانى سكانها، كأن قسوة الجغرافيا لا تكفيهم. البازلت ينبت من الأرض بدل الزرع، قيظ ومطر قليل، برد شاسع في الشتاء، وعيون مياه نادرة.
لتزرع قطعة أرض صغيرة عليك تعزيلها بدأب من أكوام الصخور والشوك، وتحت كل صخرة صخرة أخرى أكبر وأشد قسوة، وأن تنجو من لدغات العقارب والأفاعي (أحد أجدادي قضى بلسعة أفعى)، وأن تبذر وتنتظر كرم السماء الشحيح. لكن هذه الوعورة الشرسة هي التي حمت سكانها من جحافل الجيوش، وهي التي ستبقيني هنا بأمان كجريح مطارد.
قبل الغروب، وبعد نهارات الصيف الخانقة، تبدأ ريح أنيقة بالهبوب، تصفو السماء ناشرة نجومها، ويجتمع الناس ليتسامروا برحابة وكرم لا يتناسبان مع ظروف هذه البيئة، فترقد أماني الرحيل عن المكان ليوم آخر.
وصلت الأردن وقتها ببعض الحظ ومساعدة الكثير من النشامى على طول الطريق، من دروز وبدو وحوارنة، دون أن أرى بيتنا أو بيت جدي في لبين للمرة الأخيرة.
***
حاضر وسكاكين
قريتي لبين تقبع اليوم بين غيرها من قرى السويداء المحتلة، خالية من سكانها، ببيوت منهوبة ومحروقة. كل من ظنّ خيراً بالأمن العام وبعض الجيران من البدو والحوارنة وتجرّأ على البقاء في منزله، اعتُقل أو قُتل بدمٍ بارد.
لكننا نخون الحكاية إذا أوقفنا السرد هنا وسمحنا لمجرمين أن يكونوا أبطالها، فأهل الجنوب عاشوا الجيرة بكل ما فيها من حلوٍ ومرٍ لعقود، حقيقةٌ ثقيلةٌ لا تصلح لشحذ السكاكين. في صبيحة الهجوم، قدِم أحد معارف جدي القدامى من البدو إلى منزله، وحذّر ساكنيه من الهجوم، وقام بنقلهم بسيارته إلى إحدى قرى درعا القريبة، حيث تم تأمينهم في إحدى الكنائس.
أما بنات ابن عمتي (١٦ عاماً و١٤ عاماً)، فقد التجأن إلى إحدى مضافات القرية رفقة عدد آخر من النساء والأطفال. مع بدء الهجوم اقتحم ثلاثة مهاجمين من البدو المضافة، جرّدوا النساء من هواتفهن، وأخذوا الجميع إلى إحدى قرى البدو القريبة كرهائن، في أي تبادل أسرى محتمل. بعد عدة ساعات اختفى عناصر البدو وحلّ محلهم عناصر الأمن العام، الذين نقلوا النساء والأطفال إلى قرية المليحة الشرقية وبدأوا بشكل عبثي بالتحقيق معهن وأخذ إفاداتهن. في هذه الأوقات العصيبة يصل رجل شهم من بيت الحريري، وهو صديق قديم لابن عمتي، ويطلب بشجاعة تحرير الفتاتين على مسؤوليته الشخصية، ثم يؤمّن الفتاتين إلى قريته، وبعد بضعة أيام ينجح في ظروف شديدة الصعوبة في تأمينهن عند أقاربهن في جرمانا.
كم أود لو أذكر الأسماء الكاملة لهذين الشخصين لكن المؤلم أن فعلهم الشهم هذا قد يكون خطراً عليهم، لأي دركٍ وصلنا.
لكننا نخون الحكاية إذا أوقفنا السرد هنا وسمحنا لمجرمين أن يكونوا أبطالها، فأهل الجنوب عاشوا الجيرة بكل ما فيها من حلوٍ ومرٍ لعقود، حقيقةٌ ثقيلةٌ لا تصلح لشحذ السكاكين. في صبيحة الهجوم، قدِم أحد معارف جدي القدامى من البدو إلى منزله، وحذّر ساكنيه من الهجوم، وقام بنقلهم بسيارته إلى إحدى قرى درعا القريبة، حيث تم تأمينهم في إحدى الكنائس.
في برلين ينقبض صدري فجأة في الليل ويتقطّع النفس، أوسّع بضربات ثابتة من معولي حفر السقاية حول الزيتون، بعزمٍ أضرب الأرض الوعرة حتى تتشقق يداي وينزّ الدم من أصابعي. تختلط الأحلام بالكوابيس ويلسعني الحنين، أتجول في البيت العتيق، أراه أرحب بغرف كثيرة، أتناول عروسة اللبنة المالحة وأغمسها بزيت زيتون قوي وحاد لم أذق مثله حتى اليوم، كل شيء هناك يبدو بعيداً جداً وجميلاً جداً. لطالما حلمت بالعودة بعد سقوط الأسد، لكني الآن أيضاً لن أستطيع عبور تلك الحواجز، فهذه القرى أصبحت كوكباً آخر، من يحاول الوصول إليه ليتفقد شجرة أو باباً، يُقنَص قبل أن يلمس الأرض.
في الثالثة فجراً أفتح الـ"جوجل إيرث" لأرى بيتنا في لبين من الأعلى، صورة قديمة لم تُحدَّث منذ عام 2022. أشاهد بيتاً لا أدري إن كان ما زال موجوداً، أُثبّت نظري على تلك الشرفة الفسيحة، أركل الكرة الصينية الرخيصة أقوى من اللازم فتقفز إلى البستان خلف الدار، وتختبئ بين أشجار الزيتون. أنزل الدرج مستعيناً بسهم الماوس، أمشي بين الأشجار إلى منزل عمي، ثم أعود.
أعود إلى الطريق الرئيسي، أسترجع بيوت الأقرباء واحداً واحداً، إلى أن أصل إلى بيت جدي في البلدة القديمة. أراه هناك، أمام المضافة، تحت الدالية، غافياً وهو يستمع إلى أخبار مونتي كارلو.
لو أستطيع النوم يا جدي.






