(دير الزور) في بداية شهر حزيران/يونيو الماضي، انتشر على منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يوثق حادثة اغتيال؛ يظهر فيه مسلَّحَان يترجلان من دراجة نارية ويطلقان النار على راتب الهاشم عطيوي، عنصر في وزارة الدفاع السورية، ويردياه قتيلاً، قبل أن يستقلّا الدراجة ويفرا نحو صحراء الباغوز وتلالها الوعرة المتصلة بالحدود العراقية شرقي سوريا.
كان ذاك المشهد يظهر إحدى عمليات الاغتيال التي نفذها عناصر خلية تابعة لتنظيم داعش في بلدة الباغوز في وضح النهار، والتي سرعان ما تبنتها معرفات التنظيم في دلالة على تصاعد وتيرة عملياته خلال الفترة الأخيرة. بعد أقل من شهر، وتحديداً في 2 من شهر تموز/يوليو الحالي شهدت الباغوز عمليتي اغتيال مماثلتين راح ضحيتهما اثنان من أبناء المدينة.
استهدفت العملية الأولى أحد الأشخاص في الملعب البلدي بطلق ناري أثناء مباراة ودية لكرة القدم بين فريقين محليين. بعد فرارهم، فتح القتلة النار عشوائياً على بعض المحال في السوق التجارية، وقتلوا مدنياً آخر وأصابوا آخرين بينهم طبيب بجروح بليغة، كما تعرضت نقاط تابعة لوزارة الدفاع والأمن السوري لهجمات بالأسلحة الرشاشة في كل من الباغوز والسوسة والميادين الشهر الفائت.
تنذر هذه التطورات الميدانية بمرحلة جديدة من نشاط داعش، لم يخفِ الدليل المحلي الذي رافق سوريا ما انحكت توجسه وخوفه بسببها، وهو من أبناء إحدى البلدات المجاورة للباغوز، فالتجوال في غاية الخطورة بوجود عدسة كاميرا، ووجوه غريبة تتحدث إلى الأهالي وتستمع لشهادتهم.
مدنيون وجهاً لوجه مع داعش
أطفال ونساء "داعش" المنسيات
23 حزيران 2026
بعد وصولنا إلى الباغوز مروراً بمدن الشعفة والسوسة والبو بدران وهجين والعشرات من البلدات الأخرى، كان بالإمكان مشاهدة شوارع متضررة وبنى تحتية مدمرة وأسقف طابقية منهارة، وقد أصبحت كثير من المنازل والمحال التجارية أطلالاً، أما التي نجت من القصف وشظايا القذائف فلم تسلم أبوابها ونوافذها وجدرانها من التهاوي، جراء ضغط الانفجارات أثناء المعارك بين عناصر التنظيم من جهة، وقوات التحالف الدولي وقوات سورية الديمقراطية (قسد) من جهة ثانية في آذار/مارس 2019، والتي أفضت إلى القضاء على سيطرة داعش الجغرافية والعسكرية. وفي كانون الثاني/يناير من هذا العام استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها.
تملكتنا مشاعر مختلطة من الخوف والقلق عند اقتراب كل دراجة نارية أو سيارة مسرعة، ظناً منا بأنها كمين لعناصر التنظيم جاء لاستهدافنا، أو دورية خاطفة لخلاياه النائمة. شعارات "داعش باقية وتتمدّد"، و"خلافة على منهاج النبوة" لا تزال مطلية باللون الأسود على كثير من الجدران المتهاوية. على الرغم من هزيمته جغرافياً وعسكرياً منذ سبعة أعوام، لا يزال التنظيم يحتفظ بعملاء سريين ينفذون عمليات إرهابية مستغلين تضاريس البادية مترامية الأطراف.
وتقع قرية الباغوز في أقصى شرق محافظة دير الزور على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وتتبع إدارياً لمدينة البوكمال، وتبعد عن مركز دير الزور نحو 125 كيلومتراً، وتتاخم الحدود العراقية السورية حيث تقابلها قرية "الباغوز العراقية" في محافظة الأنبار.
في أحد منازلها استقبلنا مشعل البالغ من العمر أربعين عاماً، الذي بقي داخل البلدة طوال السنوات الماضية، وعاصر سنوات حكم التنظيم وقبضته الأمنية الصارمة. سُجن مشعل حينها أو خضع إلى ما كان يعرف بـ"الدورة الشرعية"، بعد مصادرة علبة سجائر من جيبه، وشاهد حالة إعدام ميدانية وعشرات الحوادث التي بقيت عالقة في ذاكرته. نزح عن مسقط رأسه أثناء معركة التحالف ليعود إليها مطلع 2020، ويشهد انسحاب قوات قسد وعودة القوات النظامية.
عند دخولنا إلى غرفة الجلوس، شاهدنا سلاحه الرشاش على الطاولة وبادر إلى الحديث بأن المنطقة تشهد تقلبات ميدانية متسارعة، كما تعيش حالة من الفراغ الأمني وأكد أنه كحال غالبية سكان البلدة يعيشون حالة من الخوف الدائم: "خائفون على أرواحنا وأنفسنا من خلايا (داعش) التي تسرح وتمرح دون وجود رقابة أمنية، هذا الفلتان لا يدفع ثمنه سوى المدنيين البسطاء".
وعن موقف التنظيم من السلطات الانتقالية، زعم القيادي في التنظيم وجود تفاهمات غير مباشرة منعت الصدام المباشر في البادية، بين التنظيم من جهة وهيئة تحرير الشام وفصائل ردع العدوان خلال معركة إسقاط نظام الأسد وما تلاها، كما أفاد بأن التنظيم انقسم بعد سقوط النظام بين تيارٍ يفضل الوصول إلى تفاهم مع الحكومة الجديدة ووقف الأنشطة، وتيارٍ آخر يصرّ على استمرار التحركات والقتال في سوريا، ويبدو أن المواجهة بين الحكومة والتنظيم استؤنفت مؤخراً بعد تكرار استهداف مقار وعناصر الحكومة.
ولفت إلى أن حادثة اغتيال راتب الهاشم عطيوي الشهر الفائت أعقبها اغتيال اثنين آخرين من أبناء مدينته، ما دفعه وجيرانه إلى تشكيل لجان حراسة ليلية: "كل كم يوم نواجه هكذا حالة ونسمع عنها، مرور دورية راجلة للتنظيم تهدد، وحالة ابتزاز للتجار وملاحقة عناصر الأمن كلها باتت حوادث شبه يومية"، يطرق ثم يضيف: "لن ننتظر حتى نُقتل بدم بارد كالحوادث التي زادت مؤخراً".
في السوق التجارية للباغوز بدت الحركة ضعيفة نسبياً مع تبضُّع عدد قليل من الأهالي، يشترون مواد غذائية ومستلزمات زراعية. حسب عماش، مهندس مدني في الـ 32 من العمر، تأثرت الحركة جراء التدهور الأمني. شهد عماش لحظة فتح مجهولين النار على أصحاب المحال في الثاني من الشهر الحالي، التي أدت إلى مقتل أحد أقربائه. في حديثه لسوريا ما انحكت، ذكر بأن أهالي الباغوز والشعفة والسوسة خاصة "يعيشون حال خوف وقلق متزايد نتيجة عمليات الاغتيالات المتكررة، فهذه الحوادث الصادمة أثارت حالة من الذعر بين السكان لغياب الاستقرار الأمني".
لجأ عماش إلى تركيا رافضاً العيش تحت حكم داعش، ثم قرر العودة إليها بداية شباط/فبراير الماضي بعد سيطرة قوات السلطة الانتقالية، ويُعيد تكرار حوادث الاغتيال إلى عوامل أمنية واقتصادية "أبرزها غياب القبضة الأمنية وعدم انتشار وزارتي الداخلية والدفاع لضبط الأمن، إلى جانب تردي الأوضاع المعيشية وتراجع القدرة الشرائية للسكان، نتيجة قلة الوظائف وضعف الخدمات وتدهور البنية التحتية".
بحسب عماش فإن هذا الواقع دفع بعض الشبان وضعفاء النفوس: "للبحث عن فرص عمل ومصادر دخل بديلة، بينها العمل مع خلايا داعش التي وفرت لهم المال، مستغلة الفراغ الاجتماعي والاقتصادي كحاضنة خصبة للتطرف والعنف".
ذاكرة مثقلة..
دير الزور: بورتريه محافظة منسية .. يكافح سكانها للتأقلم مع واقعها الديموغرافي الجديد
01 تشرين الأول 2025
تستحضر عفاف المتحدرة من الباغوز ذاكرة نساء المنطقة اللواتي عايشن سنوات حكم داعش والحرمان من الحريات العامة والشخصية، وتعرض بعضهنّ للعنف والاستعباد الجسدي. تعمل عفاف وهي في عقدها الخامس اليوم، في المسح الميداني، متطوعة في منظمة مدنية عاملة في مجال "التمكين والقيادة المجتمعية"، وتسمع يومياً شهادات نسوة المنطقة ومخاوفهن من تصاعد العنف حولهن.
وتخشى هذه الناشطة كحال الكثيرات العودة إلى سنوات القمع المجتمعي الصارم، قائلة: "خلال عملي الميداني مافي امرأة ولا فتاة أقابلها إلا وتعبر عن رعبها من زيادة هجمات التنظيم. مجرد التفكير بعودة قبضة (الدواعش)، الفكرة بحد ذاتها ترهبك وتحبطك، كل حدا عاش تحت حكم التنظيم يعرف مرارة تلك السنوات".
ويتطابق كلام عفاف مع كثير من شهادات أهالي المنطقة، الذين حذروا من خطورة تمكّن خلايا داعش من استعادة نشاطها وترتيب صفوفها، ما يعكس حالة من التوجس الكبير جراء الأساليب التي يتبعها التنظيم. ولم تكتفِ خلايا التنظيم بالعمليات المباغتة والتهديدات المباشرة لإرهاب سكان المنطقة، بل عاودت فرض سياسة الابتزاز وطلب الأموال من التجار ورجال الأعمال، وتهديد الشخصيات البارزة لتمويل تحركاتها. تطلق خلايا داعش على الأموال المطلوبة من المدنيين تحت التهديد مسمى "الزكاة"؛ فيما يطلق عليها الأهالي "الإتاوات".
ثامر، وهو اسم مستعار لتاجر من أبناء مدينة السوسة شمالي الباغوز، يشرح كيف طالبت خلايا داعش خلال الشهر الماضي ما لا يقل عن عشرة تجار وأصحاب أموال بدفع إتاوات للتنظيم، وكيف تختلف سياسة الابتزاز بحسب طبيعة تجارة المستهدف:" يُطلب من البعض دفع مبلغ ألفي دولار أميركي، ومن آخرين نحو خمسة آلاف، فيما طُلب من حالات أخرى ضعف هذه الأرقام".
ويتعرض كل من يرفض الدفع لهجوم مباشرـ وقد سُجل تصاعد في عدد حوادث إطلاق النار خلال الأشهر الثلاثة الماضية، منها ما استهدف محالاً تجارية ومنازل، كما تم زرع عبوات ناسفة وقنابل صوتية أمام بيوت الرافضين بغية ترهيبهم. وعادةً ما تتحرك الخلايا على دراجات نارية أو بسيارات عادية، وفق روايات الأهالي، مستغلين الظلام الدامس ليلاً، لرصد أهدافهم، في ظل غياب الإنارة في القرى والبلدات.
ذكر بعض من التقتهم سوريا ما انحكت مشاهدة دوريات للتنظيم على طريق بادية الجزيرة أو تلة الباغوز في أوقات متفرقة من النهار، ويخشى غالبية سكان المنطقة التحرك والسفر ليلاً خشية مواجهة تلك الحواجز.
لقاء مباشر مع زعيم في التنظيم
يرى محمد حسان، وهو زميل مشارك في معهد الشرق الأوسط، يتحدر من دير الزور، وتتمحور أبحاثه حول دراسة تنظيم داعش والجماعات الجهادية، أن "التنظيم طوّر باستمرارٍ (خلال السنوات التي أعقبت انهياره وحتى سقوط الأسد وهروبه في 8 ديسمبر 2024) خططاً لنجاته، عبر تبديل هيكليته وخططه العسكرية، ثم عبر تغيير مواقع نشاطه وطرق تواصله مع المجتمعات المحلية، مروراً بتمكين أدواته للتحشيد والتجنيد، مستفيداً من أزمات خصومه الداخلية".
التقى محمد حسان وجهاً لوجه مع أحدَ قادة التنظيم في البادية مطلع العام الجاري، عرف عن نفسه بأبي مقداد العراقي. خلال لقاء، سهله وسطاء من أهالي تدمر، في خيمة عائلةٍ بدوية على بُعد خمسة وثلاثين كيلو متراً غربي تدمر، استهل أبو مقداد حديثه بأن عمليات قتل المدنيين في البادية خلال الفترات السابقة، وخاصّةً جامعي الكمأة لم تكن من فعل مقاتلي التنظيم، متهماً الميليشيات المدعومة إيرانياً بتنفيذها.
"من هذه البوابة تعيد داعش تجنيد عناصر جدد غاضبة من سياسات الحكومة، ويكمن الخطر الحقيقي في نجاح التنظيم في إقناع المزيد من الموالين بالانضمام إليه بهدف توسيع شبكاته، عبر استغلال ثغرات أمنية واقتصادية واجتماعية أخرى لإقناعهم وتنفيذ سياساته الترهيبية".
وعن موقف التنظيم من السلطات الانتقالية، زعم القيادي في التنظيم وجود تفاهمات غير مباشرة منعت الصدام المباشر في البادية، بين التنظيم من جهة وهيئة تحرير الشام وفصائل ردع العدوان خلال معركة إسقاط نظام الأسد وما تلاها، كما أفاد بأن التنظيم انقسم بعد سقوط النظام بين تيارٍ يفضل الوصول إلى تفاهم مع الحكومة الجديدة ووقف الأنشطة، وتيارٍ آخر يصرّ على استمرار التحركات والقتال في سوريا، ويبدو أن المواجهة بين الحكومة والتنظيم استؤنفت مؤخراً بعد تكرار استهداف مقار وعناصر الحكومة.
واليوم تتوارى خلايا التنظيم في البادية السورية الممتدة من ريف مدينة البوكمال الجنوبي، إلى ريف مدينة السخنة غرباً، مروراً بريف مدينة تدمر والجبال التدمرية الجنوبية وأطراف بلدتي القريتين ومهين في القلمون الشرقي، وصولاً إلى ريف مدينة الضمير، وتصل شرقاً إلى حدود تلول الصفا ضمن مساحة تقدر بنحو أربعة آلاف كيلومتر مربع. وتساعد جغرافية المنطقة الصعبة خلايا التنظيم على التواري بين التلال والأحراش الجبلية الوعرة، التي تضم عدداً كبيراً من الكهوف، أمرٌ منع سابقاً القوات الروسية والنظام السابق والميليشيات الإيرانية وحلفاءهم من تنفيذ عملية عسكرية واسعة والقضاء على داعش فيها.
ويؤكد الباحث محمد حسان كيف شاع اعتقاد أن نشاط التنظيم انتهى في سوريا: "مع صعود سنّةٍ محافظين إلى الحكم وفقدان داعش أهم أركان خطابها التعبوي. لكن بمتابعة نشاط الخلايا الأخير وتكيّفها وإصرارها على الوجود في سوريا، في ظل العداوة بينها وبين فصائل الثورة السورية، والثغرات التي يعاني منها الحكم الجديد، يتضح أن معركة داعش لم تنتهِ بعد، إذ يرى التنظيم أمامه فرصة لإعادة الانبعاث في سوريا، مستغلاً غضب السكان المحليين من السلطات الحاكمة، في إعادة التجنيد ورفع وتيرة أنشطته الإرهابية".
ويعتمد التنظيم على ثلاثة مصادر رئيسية لدعم أنشطة خلاياه بالمال والسلاح والذخيرة، أوّلها مدافن الأسلحة التي تركها أثناء سيطرته على شمال سوريا وشرقها بين سنتَيْ 2015 و2016، كما يشير الباحث محمد حسان: "منها مستودعات عياش غرب محافظة دير الزور، أكبر مستودعات السلاح الاستراتيجية بشرق البلاد، ومستودعات الأسلحة في تدمر شرق محافظة حمص، وقد توفرت للتنظيم كمّيات أسلحةٍ زادت عن حاجته مع ركود جبهات قتاله، ليقوم بتخزّينها في أماكن تحت الأرض بالبادية السورية بعيداً عن القصف الجوي لطيران التحالف".
أما المصدر الثاني في تمويله فهو عمليات الابتزاز والغنائم التي حصل عليها عقب هجماته على قوات قسد والنظام السابق وحلفائه، "فيما يأتي المصدر الثالث من شراء السلاح من السوق السوداء عبر وسطاء متعاونين مع خلايا التنظيم، أبرزهم ضباطٌ فاسدون في جيش النظام السابق و متزعمو ميليشيات إيرانية وعراقية في صفقات تقدر بمبالغ مالية كبيرة".
أرقام مقلقة ..
يرصد سعيد، اسم مستعار لناشط إعلامي يتحدر من الشعفة المجاورة للباغوز، هجمات التنظيم وعملياته، ويرى بأن خلايا التنظيم نجحت ولو نسبياً في استعادة الدعاية الإعلامية على منصات وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يحاول استغلال الغضب الشعبي من عمليات التسوية التي تجريها السلطات الانتقالية في الرقة وريف الزور، "التي منحت بموجبها الأمان لكثير من قادة وعناصر المجموعات والميليشيات التي قتلت السوريين وكانت إما تابعة للنظام السابق أو للميليشيات الإيرانية".
ويؤكد سعيد خلال حديثه مع حكاية ما انحكت "من هذه البوابة تعيد داعش تجنيد عناصر جدد غاضبة من سياسات الحكومة، ويكمن الخطر الحقيقي في نجاح التنظيم في إقناع المزيد من الموالين بالانضمام إليه بهدف توسيع شبكاته، عبر استغلال ثغرات أمنية واقتصادية واجتماعية أخرى لإقناعهم وتنفيذ سياساته الترهيبية".
وتشير الإحصاءات والتقارير الأمنية الصادرة عن مراكز الرصد مثل "المرصد السوري" و "منصة سيريا مونيتور" والأخيرة متخصصة في رصد وتوثيق تحركات التنظيم، إلى أن هجمات داعش شهدت تقلبات بين عامي 2025 و2026، وفق التغيرات السياسية والعسكرية بسوريا وعمليات التحالف الدولي.
وبلغ المنحنى البياني في عام 2025 متوسط هجماته نحو 29 هجوماً بشكل شهري، تسببت في مقتل ما يقارب 15 شخصاً بمتوسط عام، أما الربعان الثالث والأخير من 2025 فسجّلا تصاعداً تدريجياً في العمليات ليصل إلى 9 هجمات أسبوعياً، تزامناً مع استغلال التنظيم لفترات إعادة الترتيب الميداني والفراغات الأمنية.
فيما شهد النصف الأول من عام 2026 انخفاضاً في العمليات الإرهابية حيث تراجعت بنسبة 17 بالمئة في الربع الأول، ثم تراجعت بنسبة 67 بالمئة في الربع الثاني، لتعود فتسجل ارتفاعاً ملحوظاً في شهر حزيران وبداية تموز الحالي.
يقول الصحفي والباحث صبحي فرنجية، الذي يغطي التغيرات الميدانية والتقلبات التي تشهدها الساحة الداخلية السورية، في حديثه لحكاية ما انحكت بأن التنظيم بقي أكبر مصدر قلق عند المدنيين في سوريا، وفي شرق البلاد بشكل خاص: "لا سيما قدرة خلاياه وعملائه السريين على تنفيذ هجمات شبه يومية ضد القوات الحكومية، عبر استهداف وجهاء مدنيين وشخصيات دينية وعناصر أمن. كما أن خطره ليس في الهجمات المسلحة فحسب، إنما في عودة خلاياه إلى ابتزاز أصحاب الأموال في المنطقة".
وعلى الرغم من تركز تحركات داعش شرقي سوريا والبادية إلا أن ذلك لا يعني بطبيعة الحال عدم وجود نشاط خفي للتنظيم في مناطق أخرى. هكذا اعتقلت الحكومة السورية في منطقة البدروسية بريف اللاذقية الشمالي خلية نشطة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وأوقفت مجموعات أخرى في مدن حمص وريف دمشق ومناطق أخرى في الجنوب السوري، وأضاف فرنجية: " هذا مؤشر خطير بالنسبة للحكومة، على نيّة التنظيم التحرك نحو مناطق جديدة والاختباء فيها لتنفيذ هجمات ضد المدنيين، بهدف زعزعة الاستقرار وتقويض جهود الحكومة الأمنية".
يشدّد فرنجية على أن مواجهة داعش في البادية السورية وتلول الصفا تحتاج جهداً كبيراً قد يتعدى إمكانات الحكومة الحالية، ويعزو السبب إلى تدمير إسرائيل غالبية الترسانة العسكرية السورية بعيد سقوط نظام الأسد، مرجحاً ألا تكون مهمة مواجهة التنظيم في تلك المنطقة على عاتق السلطة الانتقالية وحدها؛"على ما يبدو، قد نشهد مهمات مشتركة جديدة بين الحكومة السورية والتحالف الدولي".


















