من الهزيمة إلى دمشق: الكوادر النازية السابقة في أول بعثة عسكرية ألمانية في سوريا، 1948- 1949


28 تموز 2026

تورا بيندوس

طالبة دكتوراه في جامعة فيليبس في ماربورغ في ألمانيا، وحاصلة على منحة دراسية من مؤسسة غيردا هينكل. حاصلة على درجة الماجستير في العدالة الجنائية الدولية. تركز أبحاثها على تاريخ وتطور الجهاز الأمني السوري، مع التركيز بشكل خاص على دور وتأثير المستشارين العسكريين الألمان والنازيين المنفيين في الفترة ما بين عامي 1945 و1990.

هذه المقالة هي الأولى من سلسلة من أربع مقالات تتناول بعثات الكوادر النازية السابقة في سوريا، وتستند إلى أطروحة الماجستير التي أعدتها الكاتبة تورا بيندوس، التي تتضمن توثيقاً كاملاً للمصادر والمراجع.

إشراف تحريري وترجمة إلى العربية: سليمان عبدالله، كل الحقوق محفوظة. يُحظر أي شكل من أشكال نسخ النص أو إعادة إنتاجه أو إعادة نشره.

***

بعد أن خرجت سوريا من تحت الحكم الفرنسي في العام 1946، حصلت أخيراً على سيادتها بعد انتظار طويل، لكن القليل من الوسائل لتدافع عن نفسها. كانت قواتها المسلحة قائمة على بقايا القوات الخاصة بقيادة فرنسا، ما جعل البلاد تملك بعض القوات، لكن القليل من بنى القيادة المستقلة. وكشفت حرب العام 1948 والهزيمة أمام إسرائيل هذا الضعف بشكل صارخ. خلال بحثها المحموم عن خبرات عسكرية، استعانت دمشق برجال من ماكينة الحرب النازية المهزومة: ضباط فيرماخت وجهاز "إس إس"، بمن فيهم شخصيات متورطة بشدة في الجرائم النازية.

وبين عامي 1948 و1956 عملت أربع بعثات ألمانية استشارية متعاقبة في سوريا، كُلفت بإعادة تنظيم وتحديث بنى البلاد العسكرية والاستخباراتية، وصياغة مسار تطور جهازها الأمني الناشىء. هذه المقالة الأولى تركز على المرحلة التأسيسية بين عامي 1948 و1949، عندما جلبت شبكات التجنيد الممتدة عبر أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، عناصر من الفيرماخت وجهاز "إس إس" إلى سوريا، وأرست أساسات علاقة ستستمر عبر ثلاث بعثات أخرى، حتى العام 1956، ثلاثة أعوام قبل أن يجد ألويس برونر طريقه إلى المخابرات السورية.

هذه المقالة تستند بشكل رئيسي إلى المصادر الأرشيفية وتلك المنشورة في الغرب، إذ أصبح التعاطي السوري العام والأرشيفي مع الموضوع ممكناً فحسب، بعيد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. وما زال الوصول إلى أرشيف الدولة السورية التاريخي مقيداً للغاية. وليس من الواضح أيضاً إلى أي حد نجت السجلات العسكرية والاستخبارية العائدة للفترة محل الدراسة، وما إذا ستصبح متوفرة مستقبلاً. لذلك، ينبغي النظر إلى المصادر الحالية على أنها تعكس الوضع الحالي للبيانات المتاحة، وليست تمثيلاً كاملاً للسجل التاريخي.

قناة التهريب إلى سوريا

فشلت أول حملة تجنيد سورية رسمية تحت قيادة شكري القوتلي على الفور تقريباً. المجموعة الأولية لأكرم طبارة (اسمه المستعار حمصي) انطلقت نحو روما، لكنها لم تصل قط إلى مبتغاها، إذ قُبض عليها فيما كانت تحاول العبور إلى النمسا بطريقة غير شرعية. لم يكن الطريق الذي استخدموه سرياً، إذ كان جزءاً من كوريدور كثير الاستخدام من قبل الفيرماخت وقدامى عناصر جهاز "إس إس"، يمتد من نقطة تواصل مركزية في ميونيخ، عبر إنسبروك وبيرن وروما إلى بيروت ودمشق. وفقاً للخطة، كان من المقرر أن يحصل هؤلاء الذين جندهم حمصي على جوازات سفر سورية في النمسا قبل التحرك إلى سويسرا، حيث ستصدر السفارة السورية وثائق سفر رسمية لرحلتهم القادمة إلى مصر وسوريا. كانت البعثات الدبلوماسية السورية والمصرية عبر أوروبا قد باتت عملياً محطات تجنيد خفية للعناصر العسكرية الألمانية. كان من المقرر تلقيح المستشارين وإصدار وثائق صحية لهم ووضعهم على متن رحلات جوية إلى سوريا (1).

العملية الفاشلة أوقعت بعد ذلك بوقت قصير بحمصي نفسه، الذي كان أيضاً عنصراً سابقاً في جهاز "فافن إس إس". عندما أُرسل لإيجاد الألمان المختفين، قُبض عليه أيضاً وسُجن، قبل أن يهرب ويعود إلى سوريا. وأُفرج عن المجندين الذين تم إقناعهم بعبور الحدود بشكل غير قانوني بعد عدة أسابيع، ووصلوا في النهاية إلى سوريا أيضاً (2). بوصولهم إلى دمشق، بدأ هؤلاء بجذب الرفاق القدامى إلى المشروع السوري. وفي حين وسّع ذلك سريعاً الشبكة الألمانية في سوريا، لكنه لم يكن في مصلحة سوريا بالضرورة، إذ بدأت عملية التجنيد تجتذب على نحو متزايد المغامرين وأفراداً لديهم خبرة عسكرية محدودة أو معدومة.

لا يزال من الصعب تحديد الحجم الدقيق للبعثة الألمانية. وفقاً لوكالة المخابرات المركزية (سي آي ايه)، قدّر الضابط هيازينث غراف شتراشفيتز، القائد السابق لقوات الدبابات في الفيرماخت ورئيس المجموعة الأولى للبعثة في سوريا، نفسه أن عددهم لم يتجاوز 47 شخصاً. وثيقة أخرى للوكالة تشير إلى ثلاثين رجلاً، تحت إمرة شتراشفيتز، فيما يشير تقريران آخران إلى 235 ضابط "إس إس" سابق، سافروا إلى سوريا مع حلول نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول 1948، بمن فيهم 35 يشغلون وظائف مدنية.

الاتفاق كان يناسب الجانبين. بالنسبة لسوريا، كانوا يعرضون عليها خبرة قتالية حديثة، ومعرفة تقنية، وبعداً سياسياً؛ لم يكونوا ممثلين عن بريطانيا أو فرنسا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو الاتحاد السوفيتي. وكانوا أيضاً أقل كلفة نسبياً، وساعدوا سوريا في تجنب الانحياز المبكر في الحرب الباردة. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك صلات صداقة تقليدية مع ألمانيا. وكان التعاطف السوري مع ألمانيا قبل وخلال الحرب العالمية الثانية، يعود إلى تطلعات معادية للاستعمار، أكثر من كونه دعماً للأيديولوجيا النازية.

كان يُنظر إلى ألمانيا خلال الانتداب الفرنسي كقوة موازنة محتملة للهيمنة الفرنسية والبريطانية، رؤية قوتها الاتصالات الألمانية مع الحركات المعادية للاستعمار. استغلت ألمانيا النازية هذه المشاعر عبر بروباغندا باللغة العربية، مقدمة نفسها كداعمة لاستقلال العرب وكخصم للحكم الاستعماري. لذا رُبط صعود شعبية ألمانيا بعد هزيمة فرنسا في العام 1940، بشكل أساسي بآمال إنهاء الهيمنة الأجنبية، لا بالتماهي واسع النطاق مع الأيديولوجيا النازية (3). لاحقاً، عندما وصل الألمان إلى سوريا، كانت هناك تآلفات بين معاداة الصهيونية لدى بعض من النخب العربية ومعاداة السامية لدى النازيين (4).

بالنسبة للألمان، وفرت سوريا لهم المال وإمكانية الحفاظ على الرتب العسكرية، والسكن، وتكاليف السفر، ومخرجاً من أوروبا ما بعد الحرب. يظهر العقد المبدئي لولتر فايس مع "حمصي" على سبيل المثال، مدى جاذبية العرض:

“يوافق السيد والتر فايس على العمل في خدمة الجمهورية السورية بصفته مستشاراً تقنياً. ووفقاً لرتبته في الفيرماخت الألماني، سيتقاضى فايس راتبه وفقاً للسلم الراتبي للجيش السوري. بالإضافة إلى ذلك، سيتلقى مخصصاً شهرياً للأجانب قدره 15 جنيهاً إسترلينياً. وبناءً على طلبه، يمكن تحويل جزء من راتبه بالعملة الألمانية أو بأي عملة أجنبية أخرى. سيدخل السيد فايس في خدمة الجيش السوري بنفس الحقوق التي يتمتع بها الضابط السوري من نفس الرتبة (بما في ذلك الحصول على العلاج الطبي المجاني، والتأمين ضد الإصابة بعجز، وما إلى ذلك). عند توقيع العقد الأولي، سيحصل السيد والتر فايس على نقل مجاني من روما إلى دمشق. يسري هذا العقد لمدة ستة أشهر اعتباراً من تاريخ التوقيع. عند انتهاء هذه المدة، يجوز للطرفين إعادة النظر في ما إذا كان ينبغي استبدال العقد الأولي بعقد طويل الأجل. وفي حال عدم تمديد العقد بعد ستة أشهر، تتعهد الحكومة السورية بتعويض المستشار الفني عن نفقات السفر إلى أي وجهة يختارها” (5).

إلا أن الشخصية الأكثر سوء سمعة في شبكة التجنيد هذه كانت فالتر راوف، وهو ضابط سابق برتبة "شتاندارتن فوهرر" في قوات الأمن الخاصة (إس إس) تابع للمكتب الرئيسي للأمن في الرايخ (RSHA)، وكان مسؤولاً عن تطوير شاحنات الغاز المتنقلة التي استُخدمت لقتل أكثر من نصف مليون شخص. بعد الحرب، هرب عبر إيطاليا ولعب دوراً رئيسياً، بصفته ممثل "حمصي" في روما، في إنشاء وتنسيق شبكة الهروب بعد الحرب التي ساعدت الهاربين النازيين على الوصول إلى سوريا (6). وقد جعلت خلفيته في المكتب الرئيسي للأمن في الرايخ (RSHA) انتقاله لاحقاً إلى المخابرات السورية أمراً ذا أهمية خاصة.

لم تكن أهمية هذه الشبكة تكمن في المقام الأول في عدد الأفراد الذين جلبتهم إلى سوريا، بل في أهمية بعض أولئك الذين استخدموها للبحث عن ملاذ. وكما يجادل المؤرخ مارتن كوبرز، ينبغي بالتالي اعتبار سوريا إحدى الوجهات المهمة التي لجأ إليها مرتكبو الجرائم النازية بعد الحرب العالمية الثانية (7).

كما تولى تنسيق عملية التجنيد أيضاً الضابط السوري تشارلز غاماسي، المقيم في سويسرا، الذي اتسمت أساليبه بتنظيم أكبر بكثير من تلك التي استخدمها حمصي. فبدلاً من الاعتماد على جهود تجنيد واسعة النطاق، ركز على جذب أفراد مدربين في مجال الطيران. وكان يتم نقل المجندين المرشحين أولاً إلى مخيمات اللاجئين في إيطاليا، حيث يخضعون لإجراءات التسجيل ويحصلون على وثائق هوية سورية، وأزياء عسكرية، ودفعة مقدمة قدرها 200 ليرة سورية. أما أولئك الذين تمكنوا من إثبات مؤهلاتهم المهنية كطيارين أو ملاحين، فقد كانوا يحصلون على 120 ليرة سورية إضافية. وقد حالت هذه الاستراتيجية دون تجنيد المغامرين والألمان الذين يفتقرون إلى الخبرة العسكرية. وبمساعدة رجال دين ألمان، رتب القائمون على العملية لاحقاً عبور المجندين على متن سفن صغيرة إلى لبنان، ومن هناك إلى سوريا (8).

الألمان على الجبهة .. مجدداً

قبل أن تتخذ البعثات الاستشارية شكلاً مؤسسياً، كان أفراد سابقون من الفيرماخت ووحدات "إس إس" ينشطون بالفعل على الجبهة الفلسطينية – وهي حرب اندلعت، وفقاً للمؤرخ ماثياس كونتزل، لأن "البروباغاندا النازية المعادية للسامية والمناهضة للصهيونية استمرت في السيطرة على الثقافة السياسية في العالم العربي بعد هزيمة ألمانيا“(9). قاتل بعض الألمان في جيش التحرير العربي بقيادة فوزي القاوقجي، بينما خدم آخرون مباشرةً ضمن الوحدات السورية أو ساعدوا في تأسيس سلاح الجو السوري.

بعد أن أمضى سنوات في ألمانيا وخدم برتبة كولونيل في الفيرماخت إلى جانب الهيئة الخاصة لفلمي، تقلد القاوقجي قيادة جيش التحرير العربي في ديسمبر 1947. وفي إطار هذه الشبكة التي نشأت في زمن الحرب، كان المحاربون الألمان القدامى أكثر من مجرد مستشارين بعيدين: فقد قاد سيغفريد كايل، المعروف باسم أحمد زينوفيتش، وحدة خاصة متنقلة، ويُقال إنه حصل على وسام شجاعة سوري تقديراً لدوره في القتال؛ ونظم ويلي ليهمان، وهو ضابط سابق برتبة ”أوبيرستورمفوهرر“ في قوات ”إس إس“، ما عُرف باسم فصيل "توتنكوبف"، على غرار بنى ”فافن إس إس“. كما يرد في المراجع رجال آخرون – مثل ليبكاو، وهولداك، وكريجر، وإيخيل، وويغرز، وبالزر، ومور – كمحاربين ألمان قدامى على الجبهة الفلسطينية، استمروا لاحقاً في العمل لصالح سوريا (10).

كانت قيمتهم العسكرية متفاوتة، فقد ظلت مساهمتهم محدودة في ساحة المعركة. أما في الجو، فقد سدّت خبرتهم فجوة حاسمة؛ فقد كانت سوريا تفتقر إلى الطيارين المدربين والمدربين والخبرة الفنية. وساعد مدربون ألمان وأجانب مرتبطون بدول المحور في تدريب بعض أوائل الطيارين العسكريين السوريين في مدرسة طيران تابعة للانتداب الفرنسي سابقاً في لبنان، ثم لاحقاً في سوريا نفسها. وكان فريتز شتيهل وألوين ماير وماتو دوكوفاك من بين أوائل المدربين؛ وكان من بين طلابهم صلاح جديد، الذي قاد لاحقاً اللجنة العسكرية التي قامت بانقلاب البعث عام 1963 (11).

من ناحية أخرى، لعب الطيارون الألمان دوراً حاسماً في العمليات الحربية الأولى للقوات الجوية السورية المتشكلة حديثاً: "لم تقتصر أهم مساهمتهم على العمليات ضد القوات البرية الإسرائيلية، فقد مكنت روحهم القتالية وحماسهم في القتال، إلى جانب خبرتهم العملياتية الواسعة، القوات الجوية السورية الصغيرة من تنفيذ أكثر من 400 مهمة في فترة زمنية قصيرة نسبياً"(12). إلا أن الخدمة على خط المواجهة سرعان ما أصبحت مخاطرة؛ فقد خشي العديد من الألمان من أن يتم التعامل معهم، في حال أسرهم من قبل القوات الإسرائيلية، لا كأسرى حرب عاديين بل كمتعاونين مع النازيين. ونتيجة لذلك، قلصت العقود اللاحقة دورهم ليقتصر على المناصب الاستشارية فقط.

غراف شتراشفيتز يتولى القيادة

في كانون الثاني/يناير 1949، وصل هيازينث غراف شتراشفيتز إلى دمشق، وكان معروفاً بكونه أحد قادة الدبابات الأكثر تميزاً في الرايخ الثالث. وكانت سوريا تتوقع منه أن يقود البعثة الألمانية ويساعد في بناء قوة مدرعة. وكانت طموحاته كبيرة؛ فقد أفادت تقارير آنذاك أن شتراشفيتز كان يخطط للحصول على 100 دبابة و"اجتياح دولة إسرائيل بأكملها وصولاً إلى البحر الأحمر"(13). غير أن خططه وعرضه العسكري فشلا في إقناع الجانب السوري.

كان يتبع مباشرةً القائد العام السوري، وكان يتقاضى راتباً شهرياً قدره 1500 ليرة سورية، وهو مبلغ لا يتجاوز إلا قليلاً متوسط راتب الطيار السوري العادي. وضع شتراشفيتز خططاً تدريبية ومخططات لإعادة التنظيم، إلا أن البعثة التي قادها كانت متشرذمة منذ البداية. عندما وصل، كان الطيارون الألمان والمحاربون القدامى بالفعل على الخطوط الأمامية في سوريا، وكان ضباط القوى الجوية "لوفت فافه" السابقون، والمتخصصون في المركبات المدرعة، ورجال الاستخبارات، وخبراء الأسلحة يتنافسون على النفوذ. وكان من بين دائرته الأوسع شخصيات مثل يوهان-هاينريش فيلر، وهو ضابط سابق برتبة ملازم أول ومساعد شخصي لشتراشفيتز؛ وهانز هايتمان، وهو عضو سابق في الحزب النازي (NSDAP) وأقرب المقربين من شتراشفيتز في سوريا؛ وهانز شليمير، وهو فريق خلال الحرب العالمية الثانية وحاصل على وسام ”الفارس الصليبي الحديدي مع أوراق البلوط“(14)، لكن التنافس الشخصي وتداخل الشبكات كانا يحكمان سير العمل اليومي. وصف الكاتب الألماني ألبريشت كروب ذلك لاحقاً بأنه "صراع الجميع ضد الجميع"(15).

من الجيش إلى المخابرات

لم تكن البعثة عسكرية خالصة البتة. فقد عمل بعض الألمان في مجالات اللوجستيات والأسلحة والتدريب (بما في ذلك في معسكر للجيش في قطنة، كان يضم أكثر من 2700 جندي في نهاية عام 1948)؛ بينما انخرط آخرون بشكل متزايد في الاستخبارات والأمن الداخلي. وبعد انقلاب حسني الزعيم، الذي دعمته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي ايه)، توسع على سبيل المثال دور فالتر راوف.

وبينما ظل شتراشفيتز منخرطاً في مجالي التدريب والتنظيم، أصبح راوف مستشاراً أمنياً للنظام الجديد وعمل مع ”المكتب الثاني“، وهي الهيئة التي اعتبرت لبنة الأساس لجهاز المخابرات العسكرية السورية. وقد وصف راوف بنفسه لاحقاً المنصب الذي شغله داخل الحكومة السورية قائلاً: "كانت عائلتي لا تزال في القطاع الروسي من ألمانيا، وبمساعدة بعض القساوسة تمكنت من إحضارهم إلى روما. كنت قد وقعت للتو عقداً مع الحكومة السورية وذهبت إلى دمشق بصفتي مستشاراً تقنياً للشرطة السرية ورئيس حرس رئيس الدولة. وبقيت في دمشق حتى عام 1949 [...]".

نهاية البعثة الأولى

عندما انتهت البعثة الأولى، لم تكن قد أكملت مهمتها، لكن المشهد السياسي في سوريا كان قد تغير من حولها. فقد أدى الانقلاب الذي قاده حسني الزعيم — والذي دخل فيه الجيش الساحة السياسية للمرة الأولى — إلى إضعاف موقف شتراشفيتز، بينما استفاد منه راوف الذي تولى قيادة المرحلة الثانية من البعثة بعد ذلك بوقت قصير. لم تنجح بعثة شتراشفيتز في تحديث الجيش السوري؛ فقد كانت البعثة منقسمة للغاية، ومرتجلة للغاية، ومعتمدة بشكل مفرط على دولة تعاني من الاضطرابات.

ومع ذلك، كانت لها أهميتها؛ فقد شكلت أول عملية دمج منهجي لأفراد سابقين في الفيرماخت والـ"إس إس" في الهياكل العسكرية والأمنية السورية. وبالتالي، فشلت البعثة فشلاً ذريعاً كمشروع تحديث، لكنها نجحت في فتح الطريق، فقد وجد الأفراد النازيون السابقون ملاذاً وعملاً، وفي بعض الحالات، نفوذاً كبيراً داخل الدولة السورية الناشئة. وستبني البعثات الاستشارية التي تلت ذلك على هذه الأسس.

المصادر:

مقالات متعلقة

الأجهزة الأمنيّة ودورها في مفاصل الحياة في سوريا

11 كانون الثاني 2022
ازدادت وحشيّة هذه الأجهزة وتغلغلها في كافة مفاصل الحياة اليوميّة للسوريين في الفترة التي تلت استلام عائلة الأسد الحكم في سوريا، عقب انقلاب حافظ الأسد عام 1970، حيث لعبت دورًا...
ذاكرة سورية في معسكر نازي

31 تموز 2019
زارت الكاتبة، إنانا عثمان، أحد المعسكرات النازية السابقة في ألمانيا، والذي تحوّل معلما تذكاريا اليوم. الزيارة وضعتها وجها لوجه مع تاريخها الشخصي من جهة، والتاريخ العام لسورية وألمانيا من جهة...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد