آذار… شهر الذكريات:
بالنسبة لي، آذار هو شهر يعيد إليّ ذكريات مختلفة ومتناقضة.
إنه الشهر الذي يبدأ فيه الربيع بألوانه وطيوره المغردة وأيامه المشمسة.
في آذار 2011 اندلعت الثورة السورية، وكانت التجربة الأهم والأغنى في حياتي، حد وضعي العام 2011 وشماً على ذراعي اليمنى كذكرى ترافقني مدى الحياة.
في آذار أيضاً تحتفل أمي بعيد ميلادها.
في آذار 1992 اعتُقل والدي للمرة الأخيرة.
وفي آذار 2014 بدأت أمي علاجها من السرطان.
وفي آذار 2025 وقعت المجازر في الساحل السوري.
وفي آذار 2012، وبعد عشرين عاماً من اعتقال والدي، اعتُقل باسل صفدي.
الناشط .. ونهاية ثورة:
بالنسبة للعالم، كان باسل ناشطاً سلمياً ومبرمجاً فلسطينياً سورياً بارزاً.
كان شاباً موهوباً جداً، وربما كان له أن يصبح، في ظروف مختلفة، ستيف جوبز آخر (وهو بالمناسبة ينحدر أيضاً من عائلة سورية).
كان باسل يؤمن بمفهوم المصدر المفتوح، وبإتاحة المعرفة للجميع، وبحرية التعبير.
وعندما بدأت الثورة، انخرط فيها بعمق، وكان من أشد المناصرين للمقاومة السلمية.
دعم باسل الانتفاضة السورية على مستويات عديدة، أهمها توفير الاتصال الآمن، والمشاركة بالمظاهرات السلمية وتوثيقها، وتوثيق الانتهاكات العنيفة من قبل السلطات الأمنية ضد المتظاهرين السلميين، وتقديم المساعدات الإنسانية والطبية للمحتاجين، إضافة إلى نشر الوعي حول حقوق الإنسان والحقوق الرقمية.
كان النظام السوري يرى في نشاطه السلمي وشهرته العالمية خطراً أكبر بكثير من خطر الميليشيات المسلحة.
اعتُقل باسل في 15 مارس/آذار 2012 من قبل سرية المداهمة التابعة للاستخبارات العسكرية 215، حيث نصبوا له كميناً في حي المزة في دمشق.
وخلال عشرة أشهر، نقلوه إلى عدة أفرع أمنية، منها فرع التحقيق العسكري 248، حيث كان تحت ضغط الاستجواب والتعذيب، ثم نُقل إلى سجن دمشق المركزي أو ما يعرف بسجن عدرا لمدة ثلاثة أسابيع، حيث كانت الظروف المعيشية أفضل بكثير، إلا أنه كان ممنوعاً من رؤية عائلته أو التواصل معها أو مع محامين، وقد أحيل إلى محكمة الميدان العسكرية، ثم نقل إلى سجن صيدنايا العسكري السيء الصيت وبقي فيه ثلاثة أسابيع أخرى، حتى تم نقله أخيراً إلى سجن عدرا مجدداً وأتيح له التواصل مع عائلته وتلقي الزيارات، وذلك بفضل حملة "الحرية لباسل" العالمية.
لكننا وللأسف علمنا أنه محال لمحكمة الميدان العسكرية بتهم تتعلق بالتجسس لصالح دولة معادية.
بعد سنتين وتسعة أشهر، في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2015، اختفى باسل مرة أخرى من سجن عدرا، ولم نتوصل لأي خبر عنه حتى الأول من شهر آب/أغسطس 2017 حيث علمت بإعدامه وأعلنت عن ذلك.
اعتُقل باسل قبل أسبوعين فقط من موعد زفافنا، لكننا عقدنا قراننا في سجن عدرا في السابع من يناير/كانون الثاني 2013.
بالنسبة لي، باسل هو الرجل الذي غيّر حياتي إلى الأبد، وترك في قلبي جرحاً مفتوحاً.
لقد فقدته عدة مرات:
المرة الأولى عندما اعتُقل، المرة الثانية عندما نُقل إلى صيدنايا، والمرة الثالثة والأخيرة عندما اختفى إلى الأبد من سجن عدرا.
ولأنه لم يكن هناك جثمان، ولا معلومات دقيقة عن مصيره أو مكان دفنه، كنت أشعر بالفقدان مرة بعد مرة كلما ظهرت لي معلومة جديدة تؤكد إعدامه، في يوليو/تموز 2018 عندما تسلم والده شهادة وفاته، في ديسمبر/كانون الأول 2024 عندما فُتحت أبواب السجون أخيراً ولم يخرج باسل، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025 عندما حصلت على وثيقة حكم الإعدام.
رسائل باسل:
بعد شهر من سقوط نظام الأسد، بدأت بمراجعة رسائل باسل، بعد أن قررت مع بعض أصدقائه جمعها ونشرها في كتاب.
هذه الرسائل هي الإرث المادي الوحيد الذي بقي لي منه، وهي أغلى ما أملك.
لا أريد لها أن تصبح مجرد ذكرى، بل أعتقد أنه يجب أن تكون متاحة للجميع.
استغرق الأمر مني عشرة أشهر لمراجعة أكثر من 2000 صفحة من الرسائل التي تبادلناها خلال تلك السنوات، إذ لم تكن النسخ الأصلية للرسائل معي وإنما بحوزة صديقتي رحيق. لطالما أردت إبقاء الرسائل في مكان آمن، ولدي قناعة دائمة أن المكان الذي أعيش به لا يمكن أن يكون آمناً.
كانت رحيق تقوم بنسخ الرسائل على دفعات وإرسالها لي لمراجعتها.
معظم الرسائل كانت بيني وبين باسل، وبعضها بينه وبين أصدقائه وعائلته وحبيباته السابقات، نشرنا البعض القليل منها على وسائل التواصل الاجتماعي.
لم تكن طريقة تواصلي مع باسل خلال سنوات سجنه تعتمد فقط على الزيارات والمكالمات، بل على الرسائل المكتوبة التي كنا نتبادلها، نتناقش من خلالها ونتحدث عن كل شيء.
وقد أصبحت أيضاً الوسيطة بينه وبين كثير من أصدقائه، أنقل الرسائل إليه وأستلمها منه، حتى بدأت أفعل ذلك لمعتقلين آخرين وعائلاتهم وأصدقائهم أيضاً.
كنت مشغولة دائماً في تلك الفترة بكتابة وقراءة الرسائل وتسليمها واستلامها، حتى عندما كانت القذائف تتساقط والقناصة يطلقون النار، كنت أواصل الذهاب إلى سجن عدرا حاملة الرسائل.
قيمة هذه الرسائل في أنها تحكي جزءاً أساسياً من تاريخ باسل، ومن تاريخي، ومن تاريخ سجون عدرا وصيدنايا وفروع الأمن العسكري، وبعبارة أخرى تاريخنا وتاريخ سوريا.
أؤمن بأن هذه الرسائل وثائق تاريخية، وأحياناً هي الوثائق الوحيدة التي تحتوي معلومات عن معتقلين اختفوا إلى الأبد.
كما تحكي عن نضالنا وعن الرحلات الطويلة التي كنت أقوم بها إلى سجن عدرا أسوة بمئات عائلات المعتقلين والمختفين قسرياً.
كما أن بعض الرسائل قد تعتبر أدلة جنائية، ولذلك أشعر بمسؤولية كبيرة لنشرها.
لذلك يجب أن تكون متاحة للجميع، لمعرفة ما حدث، ولإبقاء ذكرى باسل حية في الذكرى الرابعة عشرة لاعتقاله، وكذلك ذكرى كل السوريين الذين اختفوا في سجون نظام الأسد.
خاتمة:
لربما أن هناك سبباً ومعنى لكل ما نمر به، استغرق مني الأمر ما يقارب تسع سنوات على رحيل باسل حتى وقعت في الحب مرة أخرى.
التقيت محمود في باريس في يوليو/تموز 2024، فنان لبناني يتحدث بلكنة دمشقية ممزوجة بكلمات فرنسية،
أخيراً لم أعد وحدي، محمود هو هدية الحياة لي لتعويضي عن كل الألم الذي عشته.
تزوجنا في الثالث من مايو/أيار 2025، بحضور الكثير، ومنهم أصدقاء باسل في حملة الحرية لباسل، وأصدقاءه الذين شاركوه السجن يوماً.
بعد موعدي الغرامي الثاني مع محمود، وأنا في طريقي إلى المنزل، شعرت أنني أقع في الحب من جديد، وأخبرت باسل بهذا السر، وقد استطعت رؤيته في السماء بين النجوم يبتسم لي، وكانت تلك المرة الأولى التي أراه فيها سعيداً، منذ آخر مرة رأيته فيها في سبتمبر/أيلول 2015.








