تجمع نبض للشباب المدني السوري


07 كانون الثاني 2013

"نقل سوريا إلى دولة مدنية تعددية" و "محاربة الطائفية" و"تعزيز وحدة النسيج المجتمعي السوري" هي أهم الأهداف التي ولد تحت وطأتها "تجمع نبض للشباب المدني الديمقراطي" الذي يخوض غمار الانتفاضة منذ ولادته حتى اللحظة، مقاتلا على كل الجبهات: ضد النظام من جهة، وضد الطائفية التي تتزايد يوما بعد يوم بفعل العسكرة، ساعيا لغرس أجنّة مدنية لمجتمع ديمقراطي يحلم به شباب التجمع ويسعون له، وهم ينتقلون من شارع لشارع، ومن حي إلى آخر، ومن محافظة إلى أخرى، ليرفعوا لافتاتهم المدنية التي تعبّر عنهم، مبتكرين أساليب نضال بسيطة وهادئة، لكنها عميقة وبعيدة الغور من ناحية التأثير، وصعبة التنفيذ رغم سهولتها، لأن من يعرف قمع النظام ووحشيته يدرك مدى الخطورة التي يضع فيها أنفسهم هؤلاء الشبان الذين لم يغادر أغلبهم العشرينيات من العمر.

"نبض": إنه الاسم الذي فرض نفسه على كل تيارات الحراك المدني والسياسي في سوريا، حتى بات عنوانا من عناوين الانتفاضة الشبابية في سوريا، ورقما صعبا في معادلة التغيير السورية، والأهم أنه صناعة سورية وشبابية بامتياز، تكاد حكايتها تختصر تاريخ الانتفاضة السورية، بعلاقتها مع الأجيال السابقة من المناضلين، وتجاوزها لها بنفس الوقت، بحيث أنها تكاد تكون التعبير الأمثل عن جيل الشباب السوري الذي صنع انتفاضة كانت برسم المستحيل، فأصبحت حقيقة واقعية على أيديهم، وأيدي غيرهم من الشباب السوري الذي لم ينخرط أكثره في تجمعات بل بقي يناضل بعفويته، وسلاحه: شعار وغصن زيتون ووردة ولافتة تعلن: "أوقفوا القتل"، فمن هؤلاء؟

عاصمة الانتفاضة: مسقط  رأس "النبض":

كما كانت حمص عاصمة الانتفاضة السورية، فإنها كانت مسقط رأس "تجمع نبض" الذي ولد من نقاشات يومية ومستفيضة كانت تحصل في المقهى الذي يملكه " حسان" ( اسم مستعار) بين مجموعة من الشباب بعد عودتهم من التظاهرات التي يشاركون بها في أحياء حمص المتعددة، لتولد ضرورة وجود جسم تنظيمي يجمعهم ويوّحدهم.

إلا أن العامل الحاسم الذي قد يكون عجّل بولادة التجمع هو الأعراض الطائفية التي باتت تظهر يوما بعد يوم مع اشتداد عنف النظام من جهة، وجنوح البعض من الأحياء الفقيرة للعامل الطائفي للرد على عنف النظام، فكان النقاش يتركز على ضرورة إيجاد حاضنة وطنية تمنع الانزلاق نحو الطائفية وتقطع الطريق على السلطة الساعية لإغراق الجميع في الطائفية والعسكرة ( آنذاك) التي تجيد اللعب فيهما، إضافة إلى إيجاد وسيلة فعالة تتيح لأبناء الأحياء المؤيدة بالتظاهر في الأحياء الأخرى.

نزولا عند الأفكار السابقة، اجتمع في يوم الثامن والعشرين من حزيران عام 2011 خمسة عشر شابا ينتمون لكل المشارب الطائفية والسياسية، ليناقشوا ويقرروا ولادة تيار نبض للشباب المدني الديمقراطي، حيث تمت الموافقة بالإجماع على اسم التجمع وإطلاق بيانه التأسيسي الذي حدد فكرة التجمع وكيفية الانتماء إليه ونظامه الداخلي و أهدافه التي تمثلت بـ " تعزيز وحدة سوريا" و " تنشيط حركة المجتمع المدني متبعاً الوسائل السلمية للحراك" و تحرير هذا المجتمع من كافة أشكال التبعية" وغيرها من الأهداف والوسائل إلى تحقيقها التي تضمنها بيان التجمع التأسيسي.

وعن هذا الاجتماع قال لسيرياأنتولد syriauntold الشاعر السوري "عمر سليمان" الذي شارك التجمع اجتماعه التأسيسي قبل أن ينفصل عنه لاحقا: " كنا مجموعة من الشباب الحالم والساعي لتأطير الحراك السوري والعمل على مساعدة الشارع لكي لا ينجذب نحو لعبة الطائفية التي يحاول النظام جر الجميع إليها".

وكان نشاط التجمع في البداية محصورا بمدينة حمص السورية لأن المؤسسين منها، متمثلا بتنظيم التظاهرات و المشاركة فيها، و توزيع بيانات و مناشير التجمع في أحياء حمص المختلفة، التواصل مع نشطاء التجمعات الأخرى بغية إيجاد آلية عمل مشتركة.

أوّل نشاط للتجمع بصفة رسمية، تمثّل بتنظيم تظاهرة في حي باب السباع، حيث تقول إحدى الناشطات أن "الذين خرجوا في البداية بما لا يزيد عن عشرين شخصاً بحي باب السباع في حمص نادوا "بينا رح تعمر هل دار.. الشعب يريد اسقاط النظام.. سوريا لينا وماهي لبيت الأسد". و "شيئاً فشيئاً استُقبل أعضاء التجمع في كثير من الأحياء المنتفضة في حمص وزاد عدد المشاركين حتى باتت مظاهراته حاشدة يشارك فيها أعضاء من نبض حمص ومصياف والسلمية مع الأهالي".

وعن تظاهرات التجمع الأولى قال عمر: "أدت التظاهرة الهدف المرجو منها تماما، حيث كان الاحتقان الطائفي وقتها شديدا، فكان قدوم شباب وشابات من طوائف أخرى، وخاصة من الطائفة العلوية للمشاركة في تظاهرة الخالدية التي يقطنها سنة، بمثابة تنفيس لهذا الاحتقان المتصاعد الذي تعمل السلطة على تسعيره، حيث أحدثنا أوّل اقتراب بين الطوائف، لتتبدد بعض الانطباعات السلبية في ثوان كثيرة، إذ لا أزال أذكر كيف كانت فرحة أهالي الحي غامرة حين أدركوا أن ثمة من  يشاركهم توقهم للحرية".

رموز الطابع السلمي للثورة السورية

أنشطة التجمع: إبداع، ابتكار، متعة:

بعد مشاركة التجمع في تظاهرات مدينة حمص، بدأ يتوسع عمله ويقوم بتظاهرات خاصة به يدعو لها في المناطق ويحشد لها، حتى باتت تظاهرات التجمع ذات نكهة ولون خاص، تتميز بوجود الصبايا والشباب المنتمين إلى طوائف ومشارب سياسية متعددة، حاملين لافتاتهم وشعاراتهم المعبّرة عنهم، والمؤكدة على الوحدة الوطنية وضد الطائفية، عبر حملات كثيرة (يصعب حصرها في مقال واحد ) نظمها التجمع أو شارك بها منذ بداية الانتفاضة حتى الآن، منها حملة "أسبوع الوحدة الوطنية: حمص تحارب الطائفية" التي بدأت من 20 كانون الأول (ديسمبر) 2011 و حتى 30 من الشهر نفسه، حيث نظم التجمع تحت هذا العنوان عدد من النشاطات، مثل تأليف الأغاني و بث الشعارات الوطنية و تأمين انتقال ناشطين من مناطق للتضامن مع مناطق أخرى، وقيام نساء من طوائف مختلفة بزيارة النساء اللواتي تعرضن لعنف النظام لتقديم دعم معنوي ونفسي ومادي لهم.

وهناك حملة "ادعس هنا" التي قام الناشطون خلالها بتوزيع صور الطاغية بشار الأسد في شوارع اللاذقية مكتوب عليها عبارة "ادعس هنا"، وحملة "لصاقات الحرية في حافلة دمشق" التي وضع الناشطون خلالها ملصقات الحرية في معظم حافلات النقل العام بدمشق، إضافة إلى وضع الملصقات على عدد من السيارات المركونة في قلب دمشق، وحملة "بخ غرافيتي" التي قام بها شباب وشابات التجمع بالتعاون مع تجمع شباب الزبداني وناشطات مستقلات بحملة بخ غرافيتي، وبخ عبارات ثورية وذلك فجر 18/5/2012 في مدينة الزبداني، و حملة "أوقفوا القتل نريد أن نبني وطنا لكل السوريين"، و حملة "إزالة صور الطاغية"، وحملة "نقود الحرية" حيث ألقى الناشطون نقودا مكتوب عليها شعارات مناهضة للنظام.

ومنذ بداية الانتفاضة حتى الآن لم تتوقف حملات التجمع، إذ كان آخرها حملة "توقف يوم واحد عن الحياة، دفاعا عن حقي المسلوب بالحياة" بتاريخ 22/8/2013، بالتعاون مع لجان التنسيق المحلية، ياً، وحملة " نحنا بخينا الحيطان والنظام... بخنا بالكيماوي" التي تم تنفيذها في حمص المحاصرة بتاريخ 27/8/2013. وهما حملتان جاءتا ردا على قيام نظام الأسد بضرب الغوطتين بالسلاح الكيماوي المحرم دولياً.

حضور أسر وجميل للمرأة السورية:

ومن أكثر ما ميّز تجمع نبض هو التواجد الكثيف للأنثى السورية في نشاطاته وبياناته، فالأنثى هنا إلى جانب الرجل في كل شيء. تقود معه معركة النضال ضد الدكتاتورية بيدا بيد، من تحضير البيان السياسي إلى ساحات التظاهر إلى تنظيم الحملات وتهريب الناشطين وتوزيع المنشورات في الشوارع، إيمانا منها بأن طريق حرية المرأة يبدأ من المشاركة في كل شيء وليس التواري والاختباء.

وهذه المشاركة اليومية للأنثى في ساحات النضال، لن تجعلها بعيدة عن حقوقها المهدورة كأنثى في مجتمع شرقي، بل لا تني تذكر الجميع بحقوقها عند كل موعد، فها هن نساء التجمع يصدرن بيان خاص بعيد المرأة في الثامن من آذار 2012 جاء فيه: " نحن نساء سوريا الثائرات نقول للنظام السوري في يوم عيد المرأة العالمي: أننا ثرنا عليه لطغيانه وجبروته، وسنواصل ثورتنا حتى إعطائنا كافة حقوقنا المسلوبة، كحق المرأة في الترشيح لرئاسة الجمهورية ، و حقها في منح جنسيتها لأولادها...".

تجمع نبض أثبت بحق أن الانتفاضة أنثى كما تقول الصبايا المشاركات فيه، وأنّ الخلاص من الدكتاتورية لا ينتهي برحيل المستبد بل لابد من تغيير الذهنيات المتوارثة عبر مئات السنين، وهذا ما يناضل لأجله التجمع الذي تمايز بهذا الأمر عن الكثير من التيارات المعارضة التي حصرت هدفها بإسقاط النظام فحسب، وهو ما جعل الناشطة "زينة" تقول: "أن ما ميّز الحركات الثوريّة الشابّة التي انبثقت عن الثورة السوريّة ليس ابتعادها فقط عن الذهنيّة الأيديولوجية للأحزاب التقليدية، بل تمايزها في البنية التنظيمية أيضا"، وهذا ما سمح لها أن "تمتلك قدرة كبيرة على الحركة في الشارع، وجنّبها إمكانية الانهيار نتيجة الاعتقالات التعسفيّة التي تقوم بها السلطات الأمنية .. البنية التنظيمية للحراك الشاب مرنة ومفتوحة لكل من يوافق على الأهداف العامة للثورة. إذ لا تتواجد قيادة مركزية هي المتحكّمة بجميع الأمور، بل على العكس الكل مشارك والكل صاحب قرار وفعل". ولهذا تمكن التجمع من الصمود حتى الآن رغم الاعتقالات الكثيرة التي تعرضت لها كوادره.

الوسوم:

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد