لوحات الانتفاضة الأولى: هل جلبت رياح التغيير؟


10 حزيران 2013

في 28 يناير 2011 رفعت اللافتات التالية أمام السفارة المصرية بدمشق: "خبز وحرية وكرامة" و "نعم للحرية" و "لا لقتل شباب مصر" و "مين يلي يقدر ساعة يحبس مصر"، مرفقة بلوحات وقبضة تحدي وكاريكاتير للرئيس المصري حسني مبارك.

 الصحفي والناشط "عامر مطر" يعتبر أن هذه الوقفة وتلك اللوحات تحمل "ملامح أول يوم حقيقي للثورة السورية"، الأمر الذي يعيدنا إلى أسئلة من نوع: كيف اندلعت الانتفاضة السورية؟ ما هي الشرارة الأولى؟ وقبل الشرارة ماهي المحرضات التي ساهمت في انطلاق الشرارة؟ هل بدأت الانتفاضة في الخامس عشر من آذار حين تظاهر ثلّة من مجانين الحرية في سوق الحميدية في دمشق؟ أم في الثامن عشر من آذار في درعا؟ أم حين خطّ أطفال درعا شعاراتهم المعجونة بالأمل على حائط مدرستهم ؟ أم حين صرخت تظاهرة بريئة التمت على عجل في سوق الحريقة احتجاجا على إهانة شرطي لمواطن ليصرخ المحتشدون: الشعب السوري ما بينذل؟ أم قبل ذلك كما يقول عامر؟ وهل ساهمت تلك اللوحات في صنع الحرية التي لا يزال السوريون يخوضون غمارها؟

أسئلة كثيرة دفعتنا في "سيريا أنتولد" للبحث عمّا حصل من حكايات قبل تلك التواريخ، عن اللحظة التي عاشها السوريون بين اندلاع الربيع العربي في تونس ومصر وبين وصوله المحطة السورية، عن السوريين الذين رفعوا أمام السفارة المصرية شعاراتهم وهتفوا أغانيهم " يارياح التغيير هبي"، متحايلين على الحرية وراجين أن " تهب "رياح التغيير" على بلدهم وألّا تنساه، ولأنهم لم يركنوا لليأس، بل ذهبوا إلى العمل جاءتهم الرياح وغمرتهم، الأمر الذي دفعنا للبحث عن ملامح هذا اليوم في وجوه من حضروه وخططوا له، لنفاجأ أن من بينهم  السينمائي الراحل "باسل شحادة" وعامر و"ثلاث صديقات"، إذ يقول عامر: " دار نقاش طويل مغلق على الفيس بوك، واتفق الخمسة على دعوة الأصدقاء لإشعال الشموع أمام السفارة، للتضامن مع شهداء الساحات المصريّة. مسّنا الجنون الجميل حينها، وأرسل باسل الدعوة من هاتفه الخليوي إلى الأصدقاء، رغم الحذر من استفزاز نظام يرتجف خوفاً من رياح التغيير"، ليتم رسم اللوحات والشعارات المرفوعة تجهيزا ليوم الاعتصام، ولنكون أمام أوّل اللوحات التي رسمت لأجل الحرية السورية.

اللوحة مأخوذة من صفحة الصحفي عامر مطر
اللوحة مأخوذة من صفحة الصحفي عامر مطر

وعن السبب الذي دفعهم لذلك يقول عامر: "كنا نحلم أن تتوسع رقعة الحرية، من اللوحات الصغيرة إلى كل بقعة في سوريا، وهو ما حصل فعلاً. كانت الحجة مصر في ذاك اليوم، ولم تتوقف الوقفات الاحتجاجية بعدها أبداً، استمرت لأيام أمام باب السفارة، وانتقلت لبعض ساحات دمشق، كساحة عرنوس وباب توما. ثم رفعت اللافتات نفسها في الوقفات التالية، والوقفة امام السفارة الليبية أيضاً".

أمام السفارة كان السينمائي الراحل "باسل شحادة" ينتظر أصدقاءه ببسمته المعهودة، و "كان هناك تقريبا ٢٠٠ شخص. انقسموا لمجموعتين بسبب الجدار الأمني الذي كوّنه رجال حفظ النظام، ومنعهم الناس من التقدم. تم رفع اللافتات والغناء "هبي يا رياح التغيير"، وبعد ربع ساعة جاء أحد ضباط الأمن، وهدّد الحاضرين بعبارة: "روحو من هون أحسن ما أفلت عليكم الشوايا"، وبعد مشادات كلامية وتهديدات اضطر الجميع للمغادرة".

اللوحة مأخوذة من صفحة الصحفي عامر مطر
اللوحة مأخوذة من صفحة الصحفي عامر مطر

و رغم أن "التواجد الأمني كثيف، ولم نتوقع أن يتعامل الأمن يومها كمراقب هادئ. وبالتأكيد كانت بمثابة مجازفة..غنّى أحد الاشخاص يومها: "هبي يا رياح التغيير"، لتؤكد أن وقفتنا تلك ليست بريئة و " أنّ مطالبنا أو طموحاتنا أعلى من الاحتجاج فقط على ممارسات حسني مبارك"، الأمر الذي دفع قوات الأمن لتصعّد عنفها في الأيام القادمة، وهو الأمر الذي صبّ في صالح التظاهر إذ دفع الأمر الناس لزيادة سقف التحدي.

عامر الذي يعيش اليوم في المنفى الذي غادر إليه سرا وهربا من بطش الأجهزة الأمنية، يتذكر تلك الأيام "ننظر إليها بعين الحنين والشوق لأول الأحلام، ولرمزيتها وما حملته من دلالة، أنّ الحرية هي أول كلمة ترفع في لافتات الثورة السورية"، على أمل أن تعم الحرية على كامل البلاد السورية.

تبقى في النهاية بداية عامر ورفاقه عن الانتفاضة واحدة من بدايات كثيرة، لا تزال تحظى بنقاش السوريين دون أن يختلفوا حولها على أنها "البدايات" التي صنعت بمجموعها أعظم حدث في حياتهم المعاصرة، إلى درجة أن "الموت ولا المذلة" انتقل من الشعار وفاض إلى الواقع ليزيدهم إصرارا على التخلص من نظامهم المستبد.

اللوحة مأخوذة من صفحة الصحفي عامر مطر
اللوحة مأخوذة من صفحة الصحفي عامر مطر

 

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد