صرخة إنسان تجمع شظايا وطن


03 أيلول 2014

 

بين ضفتي الشارع السوري الموّزع بحدية بين موالاة ومعارضة وما بينهما، وقفت الشاعرة والمغنية السورية "علا حسامو" حائرة وهي ترى جغرافية وطنها تتمزق وأرواح أصدقائها من الأطراف كلها تتنازع وتتباعد إلى درجة الصدام والقتل أحيانا بعد أن كانت تضمهم سهرة شعر واحدة، فبدأت تفكر بما يجمع في الوقت الذي يسير فيه القطار السوري حتى اللحظة نحو ما يفرّق ويقسّم، فكان أن أعلنت "صرخة إنسان" لتعبّر عن لسان الصامتين والساعين لجمع ضفتي وطن أنهكه الاختلاف حول المفاهيم قبل أن ينهكه الموت والاستبداد والقتل كما تقول "علا حسامو" لموقعنا "سيريا أنتولد Syria untold".

الصرخة التي ترويها هذه الحكاية، قد لا تكمن أهميتها من كونها صرخة فحسب، ولا من حيث كونها تعمل على جمع ما تمزّق، بل من حكاية ولادتها التي تكاد تكون حكاية بذاتها.

ميس حسامو وعلا حسامو ويوسف سقا أثناء التدريبات. المصدر: الصفحة الرسمية للفعالية على الفيسبوك
ميس حسامو وعلا حسامو ويوسف سقا أثناء التدريبات. المصدر: الصفحة الرسمية للفعالية على الفيسبوك

هذه الحكاية التي عاشتها المغنية والصرخة في رحم لحظة جمعت ألوان سورية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار إلى تدرجات المعارضة والموالاة، حين حضرت الشاعرة ورشة عمل في بيروت نظمتها شبكة "مبادرون" تحت عنوان " بناء جسور السلام والتعايش السلمي". وكان أوّل عمل تحضره الكاتبة بعد انطلاق ثورة السوريين، حيث اكتشفت خلال الورشات التي كانت تحاول وضع تعريفات لمفاهيم السلام والعدل والحرية كم يختلف السوريون حولها، إذ رغم مناداتهم ( موالين ومعارضين) بها إلا أنهم يختلفون حول معناها إلى درجة الصدام، الذي ترافق مع صور نمطية لكل محافظة عن الأخرى، ليكتشف الجميع في النهاية مدى جهلهم بالأخر الذي يقاسمهم الوطن إياه، لتأتي إحدى الورشات وتكون بمثابة القاصم لظهر التناقضات التي بدأت تعيش في روح الكاتبة، عبر تمرين يدفع كل مشارك إلى تمثيل شخصية من "الجيش الحر" و "الجيش النظامي" و "المعارض" و "الموالي" و "أم فقدت ابنها في الحرب" إذ على كل منهم أن يقدّم الصوت الإنساني لهذه الشخصية بعيدا عن بعدها السياسي، ليبدأ كل منهم اكتشاف الآخر في داخله، ليصل الجميع إلى لحظة بكاء وحدّتهم بعد أن وصلوا حدود اليأس، ليسود صمت قاتل لم يكسره إلا أغاني لا تحيل إلى أي وجع سياسي مثل "موطني" و"بكتب اسمك يا بلادي" ليتم البحث عن أغنية ثالثة لا تفرق بل تجمع، وفي أتون البحث هذا تحرّك شيطان الشعر لدى حسامو التي صرخت: "بتفاءل فيك / تضويلي العتمة" لتتحوّل الورشة من جو الصمت الملامس حدود الموت إلى حدود الفرح وكأنّ ثمة طاقة جديدة قد بثت بهم، الأمر الذي دفع إدارة "مبادرون" لأن تقترح عليها تحويلها إلى أغنية، لتقترح حسامو بدورها إنتاج ألبوم بدلا من الأغنية، خاصة أنها كانت كتبت بعض الأغاني ذات الطابع الإنساني من قبل، لتبدأ العمل بعد أن تمت رعاية المشروع ماليا من قبل "منتدى التنمية والثقافة والحوار" كما تقول لموقعنا سيريا أنتولد Syria untold.

التصميم الذي قدمه الفنان هاني عباس للمبادرة تطوّعا. المصدر: الصفحة الرسمية للفعالية على الفيسبوك
التصميم الذي قدمه الفنان هاني عباس للمبادرة تطوّعا. المصدر: الصفحة الرسمية للفعالية على الفيسبوك

بعدها بدأت عملية البحث عن فريق لا مجرد فرقة يساعدها في إنتاج الصرخة، وهي رحلة تصفها حسامو بأنها صعبة جدا، إلى أن تمكنت في النهاية من اختيار مجموعة ( مغنين، عازفين، استديو) وهم " ميس حسامو ( غناء) و ويوسف سقا ( غيتار وتوزيع) و يارا شقرا (غناء) و ووسيم جلول ( مكساج ومهندس صوت) ومهيار عبود (تشيلو) وعزام محفوظ (مونتاج) و الفنان "هاني عباس ( تصميم غلاف) وعلي حبيب (تنسيق كتابة) الذين قدما جهودهما تطوّعا.

رحلة البحث عن الفريق كانت مضنية وصعبة لحسامو التي أرادت أن يكون مشروعها ممثلا بأيدي سوريين ينتمون لكامل الطيف السوري، وأن يكونوا مؤمنين بفكرة الصرخة ولديهم الإمكانيات الإبداعية لتحقيق ذلك ضمن نطاق ميزانية محدودة ومدة زمنية قصيرة، لتكتشف أن هكذا عمل يحتاج موازنة ضخمة أكثر من المتاح، وبسبب عدم تلقيها المساعدات التي كانت تحتاجها، ولأنه لم يكن لديها خبرة في هذا المجال بقي العمل دون ما تطمح إليه، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الظرف الذي تمر به سوريا كان معيقا، لأن أغلب الأشخاص الذين كانت تبحث عنهم غير موجودون، إما لأنهم "احتياط بالجيش أو مكان بعيد وانشغالهم بالحياة الصعبة".

https://www.youtube.com/watch?v=nVyX2Ne_vz4

رغم هذه الصعاب تمكنت حسامو من تسجيل خمس أغنيات هي: "بالشام" و "فرخ الحمام" و"المرايي" و " بالشام 2" و "صرخة إنسان – شعر". ولعل أغنية "بالشام" تعتبر تكثيفا لجوهر مشروعها القائم على جمع المتضادات السورية، إذ تقول: "بالشّام طار الحَمام..بِجوانِح بَيضا/ كَنّو حَريرْ / بالشّام قلبي بينام..ع صدرا الدّافي / كَنّو شي ولد صغيرْ. بالشّام ..العالَم عم تِقْتل بَعضا/ والشّام.. نزفت تَ غِرقِت أرضا. والشّام مهما الإيّامْ ..حرقِتنا/ رَح نِخْلق من أوَّل وجديدْ/ والشّام قلب السّلامْ.. مَهما جَرحوها ولفّوا إيديها بحَديدْ/ والشّام رح ترجع تغنّي.. موّال الهوى/ والشّام رح ترجع تنَغِّم..تنرقص سوا. يا شااااامْ".

المربك أن الأغنية الشرارة التي أطلقت المشروع لم تنتهي بعد، إذ لا تزال صاحبة "حيث لا أحد" تعمل عليها، ولا يزال شيطان الشعر يحتفظ بها في مكان ما لزمن قد تولد فيه، وهو ما يجعل من مشروعها دائما ومستمرا، مشروعا يعمل على بناء الإنسان السوري بالضد من السلاح الذي يقتل ويدمر، وكأنها ترفع سلاح الموسيقى بوجه مدفع الموت ساخرة منه، وداعية السوريين نحو بناء خيط الأمل الطويل علّهم يصلون يوما نحو شامهم التي يحلمون بها.

الوسوم:

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد