خيارات لإنتقال سياسي في سوريا: تعديل دستور 2012 (9)


05 كانون الأول 2014

في ظل غياب أي حل قريب للصراع المسلح القائم في سوريا، والذي بدأ على شكل مظاهرات سلمية شعبية مطالبة بإصلاحات سياسية وحقوقية، لازال البعض يحاول مناقشة تفاصيل المرحلة الانتقالية- التي تلي التوصل إلى حل سياسي- بهدف توفير خيارات جاهزة يسهل مناقشتها، وذلك لمساعدة الهيئة الانتقالية على اتخاذ قرارات من شأنها أن تيسّر عملية انتقالية تؤسس لحكم ديمقراطي.

في هذا الإطار قام مركز كارتر بنشر مسودة تقرير بعنوان (سوريا: خيارات لانتقال سياسي)، يُسَلط فيه الضوء على الخطوط العريضة لخيارات دستورية وتشريعية لانتقال سياسي في سوريا. يدرس هذا المقال إمكانية تطبيق أحد الخيارت المطروحة والمتمثل بإعادة صياغة الدستور السوري لعام 2012 وما يتصل به من قوانيين ومراسيم لقيادة المرحلة الانتقالية إلى حين تبني دستور جديد خلال عملية ديمقراطية.

التحضير والإستفتاء:

برزت فكرة إعداد دستورعام 2012، كمحاولة من قبل النظام السوري لاحتواء التظاهرات الشعبية المناهضة له والتي بدأت في منتصف شهر آذار 2011. وعليه فقد دعي أكثر من 14 مليون سوري إلى الاستفتاء على دستور جديد يمهد بحسب كلمات وزير الداخلية السوري "محمد الشعار" لعهد جديد من التعددية السياسية، ويضع حدَّا لحوالي نصف قرن من قيادة حزب البعث الحاكم للدولة والمجتمع. غير أنه تم رفض هذا الدستور من قبل المتظاهرين المعارضين لحكم الاسد، والذي تجلى بالدعوة إلى مقاطعة الاستفتاء على هذا الدستور نتيجة عدة عوامل من أهمها: العنف المفرط الممارس من قبل النظام ومواليه ضد المتظاهرين السلميين، وانعدام الثقة بالنظام ومؤسساته الداعمة له نتيجة عدم تنفيذ أي من وعود الإصلاح السياسي التي تعهد بها، كما أن اللجنة التي أعدت الدستور لم يتم اختيارها بما يضمن مشاركة مختلف فئات المجتمع السوري السياسية والاجتماعية والاقتصادية بل بما يتوافق مع مصلحة نظام الأسد ولم تضم أيّ من معارضيه، وعدم موائمة الظروف التي تمر بها البلاد للقيام لأي نوع من الانتخابات، نتيجة ترافق "الإصلاحات الدستورية والتشريعية" مع تزايد عمليات النظام العسكرية وازدياد القمع.
وبالرغم من مقاطعة أعداد كبيرة لعملية الاستفتاء هذه إلا أنه تم إقرا الدستور الجديد بنسبة مشاركة لم تتجاوز الـ 57.4% وفق ما أعلنت وزارة الخارجية، غير أن هذه النسبة التي شكك الكثيرون بصحتها- نتيجة التلاعب بها ونتيجة التصويت القسري- تعتبر أقل بكثير من النسب التي يعلن عنها عادةً النظام السوري لتكون أكثر واقعية نتيجة الأوضاع التي تمر بها البلاد. وعليه فقد ساهم دستور 2012 في زيادة حالة الانقسام السياسي في البلاد وشكل بداية لمرحلة جديدة من الصراع سوريا.

أولويات تعديل الدستور:

على الرغم من أن مقترح إعادة صياغة دستور عام 2012 يتضمن معالجة العيوب التي يعاني منها هذا الدستور والتي من أهمها السلطة المطلقة الممنوحة لرئيس الجمهورية، والتي تعطل مبدأ فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما يمكنه من التحكم بجميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية سواء عبر التشريع أو الأوامر والتعليمات الإدارية؛ كما أنه لا معنى لأي انتخابات طالما أن الحزب الفائز بالانتخابات لا يستطيع تشكيل الحكومة حيث أنها من صلاحيات الرئيس؛ وعدم ضمان الدستور لحقوق جميع الفئات الدينية والعرقية في سوريا من خلال الاعتراف الواضح والصريح بها؛ وتغيير القوانيين الناظمة لعمل الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام و الانتخابات والجيش والقوى الأمنية وغيرها.
إلا أنّ عملية إعادة صياغة الدستور- التي تتضمن تغيير مواد الدستور المختلف عليها بالإضافة لتغيير القوانين والتعليمات الإدارية المرتبطة بها- هي من التعقيد بحيث أنّ الاتفاق على تعديلها يتطلب في بعض الأحيان موافقة شعبية، حيث أن القرار لا يمكن أن تتخذه مجموعة من الخبراء فقط، فعلى سبيل المثال: هل يبقي الدستور على علم الدولة ونشيدها خاصةً مع وجود علم مختلف لكل من طرفي النزاع الرئيسيين؟ أو تسميتها -الجمهورية العربية السورية- أم يجب تبني تسمية جديدة -الجمهورية السورية-؟ هذه المسألة شكلت أحد الخلافات الجوهرية بين الهيئات السياسية الكردية وغيرها من الهيئات السياسية ذات الاغلبية العربية. الأمر ذاته ينطبق على دين رئيس الجمهورية، الذي يحصره الدستور الحالي بالدين الاسلامي في حين أن البعض الآخر وخاصةً من غير المسلمين لايوافقون على ذلك ويعتبرونه أولوية، فالمعضلة هنا من الذي سيقرر فيما إذا كان موضوع التسمية هذه أولوية خلال المرحلة الانتقالية أم لا؟ حيث قد يعتبر البعض أن عدم اعتبار بعض القضايا أولوية ضمن الدستور الانتقالي من الممكن أن يقلل من فرص تعديله لاحقاً.

فرص النجاح:

تعتبر المرحلة الانتقالية من أهم المراحل التي تحدد مستقبل البلد وخاصةً عندما تتبع مرحلة صراع مسلح، حيث أن القرارت التي يتم اتخاذها في هذه المرحلة تلعب دور كبير في تحديد هوية البلد، كما أن نسبة الحساسية بين مختلف الفئات الاجتماعية والسياسية والقومية والدينية تكون في أعلى مستوياتها. لذا ينصح معظم خبراء التعامل مع الصراع وبناء السلام بأن تكون هذه المرحلة تشاركية وأن لاتطغى عليها معادلة الرابح والخاسر، بمعنى أن لا تخدم التعديلات الدستورية والتشريعية مصلحة الفئة الرابحة ضد مصلحة الفئة أو الفئات الخاسرة، لأنّ من شأن ذلك أن يصعب العملية الانتقالية ويشكل بداية لمرحلة صراع لاحقة.

إن فكرة الإبقاء على دستور 2012 بالرغم من إعادة صياغته من المتوقع أن تلقى اعتراض كبير من قبل طرفي النزاع الأساسيين في سوريا، ففي حين قد يعتبر بعض أنصار الاسد أن تغيير الدستور الحالي يعني انهزامهم لأن هذا الدستور تم استقبال إقراره من قبل كثيرين منهم كنصر سياسي وبداية لقرار النظام بحسم الصراع عسكرياً ضد خصومه، قد يعتبر الكثير من معارضي نظام الأسد أن الابقاء على الدستور إنما هو استمرار لحكم نظام الاسد حيث أن هذا الدستور قد فرض عليهم سياسياً وعسكريا، وأن قبول استمرار العمل به- بالرغم من كل التضحيات التي قدموها- يعتبر هزيمة لهم. وهو ما يؤكده التقرير من خلال ردة الفعل القوية الذي واجه به بعض محامي المعارضة هذا الاقتراح خلال نقاشات مركز كارتر لهذا الخيار كأحد الخيارات المطروحة للدراسة.

خاتمة:

إنّ توّقع معارضة عدد كبير من السوريين لإقتراح إعادة صياغة الدستور السوري لعام 2012 لقيادة المرحلة الانتقالية، لا يقتصر على الخلاف على المواد المراد تغييرها وطبيعة هذا التغيير بل يتعداه إلى الإرث السياسي المرتبط بالجهة التي أعدت هذا الدستور، وتوقيته، والطريقة التي أقرّ بها، وما يشكله من رمز سياسي ومعنوي لجميع أطراف الصراع في سوريا.

وبناءً على ذلك فإن تشكيل مجلس تأسيسي ممثل للشعب- يضمن مشاركة وتمثيل كافة فئات وشرائح الشعب- مشروع دستور يطرح للاستفتاء العام هو أفضل الخيارات المتاحة لأن من شأن هذا أن يحسم النقاش فيما يتعلق بجميع القضايا الاشكالية في الدستور السوري الحالي ويشكل بداية جدية لنظام ديمقراطي في سوريا.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من