حول خيارات الحل السياسي في سوريا: "العملانية" قبل الورق(10)


09 كانون الأول 2014

غازي دحمان

كاتب سوري يكتب في عدد من الصحف والمجلات والمواقع العربية مثل الحياة والجزيرة نت

واحدة من المشكلات التي واجهتها سورية للخروج من أزمتها الراهنة، هي الافتقاد إلى رؤى متماسكة ومقبولة وقابلة للتنفيذ على أرض الواقع. ولطالما تميزت الرؤى التي صدرت عن أطراف محلية أو دولية، إما بانحيازها لأحد طرفي الصراع، أو بعدم واقعيتها واستحالة تحويلها إلى إجراءات واقعية تفيد في حل الأزمة وصنع السلام والاستقرار في بلاد عاشت حربا دمرت النسيج الوطني ومزقت المجتمع السوري، والأهم من كل ذلك، عطّلت كل قدراته وطاقاته.

الإشكالية في جميع الرؤى أنها تقفز مباشرة إلى الإجراءات الدستورية وبناء السلطة الانتقالية، وذلك انطلاقا من فرضية أن الحرب قد توقفت وأن الإشكالية الوحيدة المتبقية هي إجراء ترتيبات اليوم التالي على صعيد إدارة مؤسسات الدولة وكيفية تشغيلها بفعالية وبأداء لا تشوبه شائبة.

الواقع أن المهمة الأكثر إلحاحاً هي وضع رؤية لكيفية إدارة الأزمة في المرحلة الأولى، ضبطها وتحديد أطرافها وتحديد الهياكل العسكرية وتعديل قواعد الاشتباك في اللعبة، وهذه مرحلة قد تستغرق بين الــ ستة أشهر والعام، كحد أدنى، وفي هذه المرحلة يتم وضع آليات لوقف المعارك.أي باختصار، إعادة تنظيم مسرح المعركة وتوضيح القوى المشاركة فيه، وهذه العملية لا يمكن أن تتم بدون وجود أطراف خارجية، وعلينا ألا نمارس عملية دفن الرؤوس في الرمال والقول أن السوريين يرفضون التدخل الخارجي.

المهمة الثانية تفكيك مشهد الحرب، من عدد وتشابكات ومناخ، وبناء الثقة بين الأطراف، وفي الأثناء إيجاد بدائل اقتصادية وسياسية للبنى التي صنعتها الحرب، وهنا تأتي مرحلة بناء مؤسسات للقيام بهذه المهمة، على أن تكون ذات طبيعة انتقالية هدفها إعادة إحلال الدولة على الأرض السورية، وهذا بدوره يستلزم إعادة تعريف دور الدولة ومهمة الثورة في الوعي الجمعي السوري، فلا الدولة الآن يتم تصديرها بدورها الحقيقي، بعد أن أصبحت تعني السلطة ومؤيديها في نظر الطرف الآخر وتعني لهم مزيداً من التسلط والقمع، ولا الثورة يجري فهمها على أنها حراك سياسي اجتماعي يقوم به وطنيون سوريون، لذلك فإن المؤسسات الانتقالية يجب أن تركز على نمط من الدولة العادلة والحاضنة للجميع.

على ذلك، لا يمكن اعتبار المؤسسات الحالية مؤسسات رسمية أو مؤسسات دولة، فقد جرى استدخال الكثير عليها أثناء الأزمة وخاصة على مستوى الكادر البشري التنفيذي أو على مستوى القوانين واللوائح الناظمة لعملها في إطار عملية تجميع الموارد وبلورتها لتحقيق النصر في الحرب لصالح السلطة، كما لا يمكن اعتبار المعارضة، بتركيبتها السياسية وتشكيلاتها المسلحة، بنية صافية وصالحة لتمثيل الثورة بعد أن تم استدخال الكثير إلى بنيتها، وأيضا يهدف تحقيق الانتصار على السلطة، والعدل يتطلب تفكيك جميع البنى التي ساهمت في تعميق مأساة السوريين أو ساعدت في تقوية التسلط ولا فائدة من عملية إصلاحها، فهي بنى مؤسسة على نمط من الذهنية والأدائية بحيث لا تصلح سوى في إنتاج هذه الحالة واستدامة اشتغالها.

بدلاً من ذلك، يتوجب إطلاق آلية فعالة على مستوى البلد بأكمله تأخذ الطابع اللامركزي، كأن يتم اختيار مجموعة ممثلين على مستوى كل محافظة، تكون مهمتهم التنسيق مع مختلف الحساسيات الحزبية والفعاليات الاجتماعية وقيادات الثوار، بالإضافة إلى ممثلين عن النظام من البيئات المحلية نفسها، ثم يجري اختيار عدد محدد لمؤتمر جمعية عمومية تكون مهمتها صنع التشريع للمرحلة الانتقالية على أن تراعي في تكوينها العضوي مسألة الخبرة والمعرفة، وهذه البنية التشريعية توجب تشكل مقابل تنفيذي لها، يتكون من خبراء المؤسسات الموجودة مع أطراف جدد يتم دمجهم ويشترط أن يكونوا من "التكنوقراط"، لوضع الخطط والإشراف عليها.

وثمة ما يجب التنبيه إليه وهو ضرورة تحديد من هي السلطة التي ستشارك في التفاوض، فإذا كان المقصود بها التركيبة الراهنة، بكل تفرعاتها السياسية والأمنية، فهي بنية غير شرعية من الناحية القانونية، والعطب في شرعيتها يتأتى من العطب ذاته في شرعية بشار الأسد نفسه، وهذا العطب هو أحد أسباب الخلل الذي شكل حافزاً للثورة، وبالتالي لا يمكن اعتماد السلطة بتعبيراتها المشار إليها كطرف تفاوضي لحل أزمة كبيرة، ناهيك عن أن هذه التشكيلات السلطوية كلها متهمة بارتكاب جرائم الحرب والدمار في سورية، فهي إما صانعة قرار أو مراكز دعم لصنع قرار الحرب على الشعب السوري، أو آليات تنفيذ لهذا القرار، ما يجعلها شريكة في المسؤولية.

البديل عن ذلك، هو إشراك الجهة المرجعية لهذه السلطة، أو الجهة التي أنتجت هذه السلطة، وهي حزب البعث، ولهذا الأمر فوائد سياسية واجتماعية يتوجب عدم الإغفال عنها:
- اعتبار حزب البعث هو مرجعية السلطة الحالية يتوافق مع رغبة السوريين في توصيف الحالة على أنها صراع سياسي وليس طائفي، وبالتالي فإن هذا الأمر يساعد كثيراً في إيجاد مخارج وطنية للأزمة تبقي على وحدة سورية وتماسكها.
- على الصعيد الاجتماعي، يوجب هذا الأمر الاعتراف بالواقع الاجتماعي الجديد الذي أفرزه حكم البعث على مدار 5 عقود واعتباره أحد منطلقات التفاوض على العقد الاجتماعي الجديد، ذلك أنه وعلى مدار عقود من إدارة البعث للسلطة في سورية، شكّل حاملاً اجتماعيا هو ما نسميه اليوم بالبيئة الحاضنة للنظام، وهي منتشرة أفقياً بين مختلف المكونات السورية، ومرتبطة أيديولوجياً ومصلحياً به، أياً تكن نسبتها وحجم تأثيرها الحالي.

وبالنسبة للدستور، لا يجب الاعتماد على البنية القانونية الناظمة للوضع السوري في مرحلة ما قبل الثورة، ولعل واحدة من الإشكاليات التي أدت إلى هذا المآل هي منظومة القوانين والتشريعات النافذة أصلاً، فهي إضافة إلى كونها لم تستطع التوافق مع التغيرات فإنها لم تستطع أن تكون آلية لاحتواء التدهور، وبالتالي فإن إعادة إنتاج هذه الآليات يضع المجتمع السوري أمام بنية العطالة نفسها والمناخ نفسه الذي تسبب في الأزمة، والمشكلة أن البناء الدستوري معمول ليستطيع النظام الحالي معاودة إنتاج نفسه دائما، وهو يضع عوائق كثيرة أمام أي تغيير ويضمن استمرار النظام. كل بنود الدستور 2012 مصممة بحيث تؤدي إلى سيطرة النظام برأسه الحالي، فالصلاحيات الممنوحة له تجعله نظاما مكتفيا بذاته وتجعل المنظومة كلها بما فيها السلطتين التشريعية والقضائية مجرد أدوات تنفيذ ودعم لهذه السلطة، ولا يمكن حل الإشكالية بتعديل بعض أجزاءه وإبقاء الأجزاء الأخرى على حالها، إذ سينتج عن ذلك تشوها كبيرا في الأداء وتعطيلا للفعالية.

دستور 1952 لا يصلح لمرحلة ما بعد الثورة، ثمة تطورات وتغيرات لا يلحظها، وثمة إشكالات كثيرة ينطوي عليها، من ضمنها أنه يمثل نخبة معينة لها تصوراتها ورؤاها وانحيازاتها، والإصرار على استعادته من قبل أشخاص معينين، يجعلنا نجزم أنهم يتصورون أن المجتمع السوري بقي ساكناً طوال تلك الفترة ولم تحصل تغييرات اجتماعية كبيرة وتحولات على صعيد بنى المجتمع وتشكيلاته والبنى الاقتصادية ووسائل الإنتاج. على سبيل المثال لا يلحظ هذا الدستور قانون الإصلاح الزراعي والتغيير في ملكية الحيوزات الزراعية وأثرها في التغييرات الاجتماعية في سورية، ولا دور القطاع العام وأثره في التغيير الطبقي الذي حصل في سورية.

لا شك أن الأزمة السورية معقدة بدرجة يصعب تفكيكها عبر إجراء أو مجموعة محددة من الإجراءات، والصحيح أننا بحاجة إلى تطوير آليات دائمة تستمر على مدى زمني واسع لتمكين السلام في المشهد السوري وذلك لن يكون بدون آليات مرنة ومؤسسات انتقالية ذات طابع مرحلي ترتكز على تقديرات قريبة الأمد في إطار إستراتيجية طويلة وبعيدة الأمد.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من