خيارات نهاية تفاوضية لحرب مجنونة (12)


22 كانون الأول 2014

هوازن خداج

كاتبة سورية تكتب في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية حول قضايا المرأة والمواطنة والديمقراطية

ما آلت إليه الأوضاع في سوريا من كوارث إنسانية بمعناها الكامل وعلى كافة المستويات بعد أربع سنوات من الاقتتال لن تسفر مهما طال أمدها عن منتصر، وصار من الضروري البحث عن مخارج آمنة ورسم ملامح الطريق لخيارات انتقال سياسي، حتى وإن كان فيها بعض المجازفة نتيجة كثرة الدماء التي أريقت ولم تثمر إلا في تشكيل هوة واسعة بين المتصارعين وزيادة الأحقاد بينهم، وقد قدم مركز كارتر مسودة للانتقال السياسي تبدو هي الأكثر منطقية في محاولة إعادة التوازن للمشهد السوري المؤلم.

تضيء المسودة على ثلاث خيارات تعتمد على تشريعات سابقة وعلى مبادئ جنيف 2 ضمن إطار المساهمة في عملية انتقال دستوري قادمة.

يطرح الخيار الأول تعديل دستور عام 2012 واستبدال وإلغاء بعض المراسيم وقد تم توضيح هذه المراسيم بصورة تعيد هيكلة الحياة السياسية السورية وتحد من صلاحيات الرئيس وتمهد الطريق نحو حكم جديد لسوريا، وهو طرح ضروري، وذلك تمهيدا لفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ومنع هيمنة رئاسة الجمهورية على عمل هذه السلطات. لكن هذا الخيار قد يلاقي بعض القبول لدى السلطة مقابل الرفض الكبير لدى المعارضة التي تحاول طرح البديل عبر الخيار الثالث وهو اعتماد دستور 1950 الذي أثار بالنسبة إلى بعض المشاركين ذكريات ومشاعر حقبة ديمقراطية ورضائية وسلمية في تاريخ سوريا كما أشارت المسودة، وهذا يبدو غريبا بعض الشيء، فالدساتير لا تكتبها المشاعر إنما يحكمها الواقع الذي تنحكم فيه حاليا جملة من القضايا والتطورات الكارثية التي أنتجت بدورها مجموعة من الانقسامات الشاقولية والأفقية وانتشار للأصوليات الدينية والتشظي الطائفي والمذهبي أدت إلى ضياع الهوية الوطنية، ما يعني عدم مواكبة دستور 1950 للمرحلة الحالية ولمسيرة تطور البلدان وحاجة الشعب للتغيير، والتي قد تتطلب في هذه الحالة السير في الخيار الثاني. وهو الاتفاق على دستور حكم مؤقت " وتبني ترتيبات دستورية مؤقتة لفترة محددة وصولا إلى تكريس دستور على المدى الطويل وإصلاحات أخرى " حسب نص المسودة. فهو على الرغم من فشل التجربة في بعض البلدان (اليمن مثلا) إلا أنّه الطريق الأكثر ملائمة في ظل الاحتدام الحالي وهو ما يمهد الطريق نحو دستور جديد يمكن التحاور عليه بشكل أكثر فعالية مما قد يساهم في فتح آفاق جديدة لخلق نوع من التوافقية بين المعارضة والنظام، ويمكن التعويل عليه في تحقيق المصالحة الوطنية بين كافة القوى والأحزاب والفعاليات الاجتماعية والثقافية, وإنهاء واقع الإقصاء المتبادل بين الجميع، وهذا يتطلب استرجاع بعض خطوط الثقة اللازمة والقبول بالتسويات بين المعارضة والنظام للجلوس على طاولة حوار موّسعة تحاول فيها الأطراف جميعها ألا تسيء لنفسها في " روليت روسية " للحوار.

إن النظام والمعارضة على حد سواء لم يقدما أي مشروع أو دليل يظهر سعيهما الفعلي نحو استنباط حل سياسي وطني ملائم، فمن المعروف في أيّ صراع سياسي وحتى في تجليه الأعنف، أي الصراع العسكري، يجب ألا يكتمل طوق الحصار حول الخصم لأنه سيقاتل حينها حتى الرمق الأخير، بينما السعي لاختيار الوضع التوافقي بين السلطة والمعارضة يعني تشكيل حكومة إنقاذ وطني مؤقتة ذات عمر محدد سلفاً، يتم الاتفاق عليها بين الطرفين يكون الهدف منها العمل باتجاه تغيير ديمقراطي في البنية السياسية للدولة السورية القائمة وإصدار قوانين جديدة لإعادة تنظيم الحياة السياسية في البلاد, وخلق ثقافة التغيير الديمقراطي المرتكزة على أساسيات المواطنة وحقوق الإنسان باعتبارهما نواة لأي نص قانوني يمكن اعتماده. وهذا يقتضي وجود ضامن دولي محترم من قبل الطرفين لمراقبة تنفيذ ما يتفق عليه، وعلى الحكومة المؤقتة التي سيجري إقرارها أن تعتمد مسار الرغبة في تغيير شامل وتتبنى القوانين التي تعيد للشعب السوري بعض كرامته، وهذا يعني إعلان حق جميع المواطنين في تولي المناصب العامة بما فيها منصب رئيس الجمهورية على قاعدة المساواة وإلزام إجراء الانتخابات بين مرشحين متعددين، وإسقاط المادة 3 التي تنص على أن الفقه الإسلامي "مصدر رئيسي للتشريع" التي تمثل مفصلا هاما فيما وصل إليه الوطن السوري من خراب ودمار على الرغم مما قد تلاقيه من معيقات. فهذه المعيقات تحمل في باطنها ضرورة إلغائها من الدستور السوري بشكل كامل، وتم التنويه عنها في نص المسودة بأنها مادة إشكالية واقترح المشاركين بأن "من الأفضل عدم تغيير صيغة المساومة الحالية في المادة 3، وإلا فإن صياغة أكثر إشكالية قد تنجم عن هذا الأمر " ، هذا الطرح بحد ذاته يبدو نوعا من التوفيق الإرضائي الذي يحمل بيديه مسامير يدقها في نعش التغيير المطلوب في صياغة قانون نهضوي معاصرـ فليس المطلوب إنتاج دساتير مريضة تفرز نظاما مستقرا لمعالجة الأعراض الجانبية وليس معالجة المرض، ولا يهدف إلى بناء دولة المواطنة والقانون التي لا غنى عنها، ويساهم في إعادة تفعيل الشارع الشعبي الذي فقد الثقة في الأطراف المتحاورة نتيجة ممارساتها وازدواجية الخطاب السياسي أو السقوط في ارتهانات الخارج. وهذا يعني العمل بدقة على النصوص القانونية الناظمة لعمل الأحزاب السياسية والجمعيات وكافة مؤسسات المجتمع المدني الحديثة وتقديم الدعم المادي والمعنوي لها لتحقيق التوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي وإفساح المجال للتواصل بين مختلف الفئات الاجتماعية لإنهاء حالة التفكك الداخلي التي تتعرض لها سوريا مع احترام وتطبيق كافة المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والمواطنة والعدل الاجتماعي، وهنا يجب مراعاة الواقع السوري الذي لم يعد كما كان سابقا.

إنه يحتاج إلى قانون أحزاب يتضمن مواد ونصوصاً مكتملة لا تحتمل اللغط أو تمثل هدراً في ميزانية الدولة ومخصصاتها. فقد علمتنا التجربة ألا نقبل بما قد يمثل استنزافاً لأموال الشعب وهدرها على إعادة إنتاج متبطلين جدد أو إعادة دعم المتبطلين القدماء ليعيشوا على نفقة الدولة تحت اسم أحزاب سياسية أياً كان نوعها وحجمها وتأثيرها على الساحة.

وينبغي التأكيد على الفصل النهائي بصورة لا عودة عنها بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية, وضمان سيادة الحق والقانون والمساواة بين المواطنين إضافة لتنفيذ القوانين التي تضمن التداول السلمي للسلطة بين مختلف الأحزاب والتيارات السياسية الوطنية والقومية وإنهاء العمل بالقوانين المقيدة للحريات وإعادة النظر بصورة شاملة بالصلاحيات الممنوحة للأجهزة السلطوية وممارساتها الاستبدادية التي طاولت معظم أبناء المجتمع, ومكافحة ظاهرة الفساد والإفساد المتفاقمة، ومحاسبة تجار الحروب الذين بلغوا أوجهم في الفترة الحالية، وإخضاع الجميع لدولة جديدة للحق والقانون تضمن أمن المجتمع وكرامة الوطن والمواطن.

لقد قدمت المسودة صيغة معقولة حول آليات انتقال السلطة وتبيان مهامها في خلق ضوابط الترتيبات الانتقالية تعكس المبادئ الجوهرية المستندة إلى رأب الصدوع، الاحترام، السلام، المشاركة، المساواة بين الجنسين، الحرية، التغيير، المحاسبة، والفعالية، مع تصورات هامة للدستور وتنظيم العملية الانتقالية نحو مجتمع آمن ووضعت خطوط عريضة لأهداف المرحلة الانتقالية وآليات العمل ضمن إطار وطني يضمن المشاركة المجتمعية، لكن المعضلة ليست بما يتم إقراره على الورق، بل في كيفية التطبيق، مع تعقد الوضع الأمني السوري وصعوبة لمح بوادر للحل في ظل الصراعات وحالة الانشقاقات الموجودة على الأرض والتدخلات الاقليمية الدائرة التي قد تصل إلى أنفاق مغلقة يتم فيها- " بالتراضي " الإقليمي والدولي - قيام حكومة انتقالية كما في العراق ولبنان، ما سيشعل فتيل الحروب في كل حين أي تطييف سوريا أو اخضاعها للفدرالية وهذا لن يكون حلا للشعب الذي عانى ما عاناه طوال مدة الصراع، فالأمل يكمن في الخروج الحقيقي من المخاض الحالي بولادة سوريا مدنية جديدة لكافة أبنائها بدستور لا يعيد إنتاج بذورا لحروب مجنونة قادمة .

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من