مكتبات مهاجرة وأخرى مهجورة.. أثر البيت الأخير


ماذا جرى للمكتبات التي تركناها في البلاد البعيدة؟ كيف يتذكر الكتاب والناس مكتباتهم التي هجروا؟ وكيف يكوّنون مكتباتهم الجديدة؟ وهل تهاجر المكتبات كما يهاجر أصحابها؟

07 كانون الثاني 2019

(مكتبة الشاعر والكاتب الفلسطيني رائد وحش في هامبورغ، والصورة مرسلة من قبل الكاتب في ديسمبر 2018/ خاص حكاية ما انحكت)
دلير يوسف

كاتب ومخرج من سوريا، أخرج عدداً من الأفلام السينمائيّة منها: "أمراء النحل" و"منفى" و"بانياس: البدايات" و"حبل غسيل". وله كتاب مطبوع بعنوان "حكايات من هذا الزمن" صدر في العام 2014 من بيروت. مقيم حالياً في برلين- ألمانيا.

نقّل فؤادك حيث شئتَ مِن الهوى      مَا الحبُّ إلّا للحبيبِ الأولِ

كم منزل في الأرضِ يألفُه الفتى           وحنينُه ابدًا لأولِ منزل

(أبو تمام)

تدور حكايتي. تمضي بي الحياة وتقذفني في كلّ اتجاه، صواعدُها نوازلٌ. تمضي الحياة وتتغير ملامح الوجه كما ملامح الأماكن التي أعيش فيها. وحين أتعب أعود بخيالي إلى بيت الشام؛ وفي الشام أرتاح. في بيت الشام خمسة غرف كبيرة وصالتان نستعملهما للجلوس والطعام والمسامرة ومشاهدة التلفاز، نسميهما الصالون الكبير والصالون الصغير، وفي البيت شرفتان واحدة صغيرة بابها في غرفتي وأخرى كبيرة، ننام فيها في الصيف ومدخلها في الصالون الصغير.

نتقاسم غرف البيت الذي بناه جدي. واحدة من هذه الغرف هي غرفة المكتبة. كانت غرفة عمي من قبل، ومن قبله كانت غرفة أخيه ومن قبل هذا الأخ سكنها أخٌ آخر، لكنها كانت مكان الكتب الدائم. معظم هذه الكتب هي كتب عمي المترجم (هفال يوسف). بعضها كتبٌ تعود إلى أخي الذي غادر البلاد منذ سنوات طويلة. وبعضها الآخر كتب أبي وأخرى لأمي وأخرى لي وأخرى لأعمامي الذين تركوا البلاد تباعًا، ابتداء من بداية الثمانينات إلى أن بقيت جدتي وحيدة تزور البيت أحيانًا وتتأمّل الغبار الذي يعتلي المكتبة المهجورة.

رائد وحش: لو جمعنا اللهفات التي عشناها في السعي وراء الكتب لتعادلت مع لهفاتنا في السعي المحموم وراء الحب، بل ربما تفوّقت عليها، لكنْ يبدو أن تاريخ الحبّ حافل بالثرثارين، فيما تاريخ القراءة حافل بالصامتين

من هذه المكتبة بدأت قراءاتي. كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري حين قرأت اللص الظريف أرسين لوبين. ومن ثم تتالت القراءات في رحلة لا تنتهي، مثل نهري دجلة والفرات اللذان لا يتعبان في جريانهما وهم يعبرون بلادًا وممالكًا وأحداثًا ومعاركًا دون أن يهتم ماؤهما بكلّ هذا. هذه كانت مكتبتي الأولى، مكتبة العائلة التي أصبحت مكتبتي. أردتُ أن أحكي عن هذه المكتبة، وعن مكتبات أخرى فقدتها. أردت أن أعود إلى ذاكرتي الأولى علّي أستعين بها على أيامي. بعد الشام كان عندي مكتبة صغيرة جدًا في القاهرة ومن ثم نقلتها معي إلى بيروت فكبرت هناك. عدد كبير من تلك الكتب ضاع وفُقد خلال تلك التنقلات الكثيرة. الآن في برلين بنيت مكتبتي التي أداري كتبها برمش عيني، لكنني بين فينة وأخرى أحكي عن الشام وبيت الشام ومكتبة الشام. أردت أن أحكي عن هذه المكتبة لكن حكايتها ليست حكايتي، هي حكاية كلّ العائلة. فقلت لنفسي: أسأل عمكَ صاحب النصيب الأكبر من هذه الكتب. احكي معه قليلًا عن ذاكرتكم المشتركة.

مكتبة الشام.. حزن على المخطوطات

عمي هو هفال يوسف (50 سنة، مقيم في بيروت)، الكاتب المترجم عن اللغة الروسيّة، يرسل لي رسالة صوتية عبر تطبيق الواتساب مجيبًا على أسئلتي: "لقد ساهمت في بناء ثلاث مكتبات في حياتي؛ أولها في الاتحاد السوفيتي تحتوي على كتب صادرة بمعظمها عن دار التقدم ودار رادوغا". كانت تلك مكتبته المشتركة مع صديقه الكردي في واحدة من غرف السكن الطلابي في مدينة لينينغراد. كانوا، صديقه القارئ النهم وهو، يزوران موسكو كلّ بضعة شهور لزيارة دار التقدم وإقتناء ما يقدرون من كتب. "كانت مؤلفات الكتّاب الكلاسيكيين الروس مثل مكسيم غوركي وتولستوي وتشيخوف..الخ، تحتل الجزء الأكبر من المكتبة" يحكي لي هفال.

وبعد أن تركنا البلاد وأصبحنا سكّان بلاد أخرى، حزنت الكتب واعتلاها الغبار. حزنت جدتي على أولادها وأحفادها وكتبهم. خافت على الكتب، وهي التي كانت تقول مازحة: "لو كان عندي تنور مثل الأيام القديمة لحرقت جميع كتبكم فيها". جمعت جدتي الكتب في صناديق كرتونيّة حفاظًا عليها.

خلال خمس سنوات أسّس الشابان مكتبة ضخمة، وحين غادرا الاتحاد السوفيتي وعادا إلى سوريا تركا الكتب في عهدة بعض الأصدقاء على أن يتبرّعوا بها لجمعيّة طلابيّة لاحقًا. لا يعرف عمي ما الذي حدث لهذه الكتب بعد أن استقر به المطاف في دمشق.

في دمشق آنذاك كانت مكتبتنا، مكتبة العائلة مؤلفة من كتب جدي الدينيّة والتاريخيّة وكتب سير القادة وكتب أبي. أبي الذي قرأ ما كان يُقرأ في السبعينات من مؤلفات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس وفيكتور هوغو.

حين عاد عمي هفال إلى سوريا استكمل مسيرته بالقراءة، وهو من هواة اقتناء الكتب، إذ يقول لي "كنت أشتري كتبًا أكثر من قدرتي على القراءة، فتعمرّت مكتبة العائلة وصارت أكبر". كبرنا نحن، أنا وإخوتي، وأحببنا القراءة، فصرنا نقتني الكتب فكبرت المكتبة معنا. وبعد أن تركنا البلاد وأصبحنا سكّان بلاد أخرى، حزنت الكتب واعتلاها الغبار. حزنت جدتي على أولادها وأحفادها وكتبهم. خافت على الكتب، وهي التي كانت تقول مازحة: "لو كان عندي تنور مثل الأيام القديمة لحرقت جميع كتبكم فيها". جمعت جدتي الكتب في صناديق كرتونيّة حفاظًا عليها.

(مكتبة المترجم هفال يوسف في بيروت، والصورة مرسلة من قبل المترجم في ديسمبر 2018/ خاص حكاية ما انحكت)

غادر عمي سوريا منذ تسع سنوات قاصدًا بيروت. تزوج من لبنانيّة تحبّ القراءة وعندها مكتبة فكانت هذه المكتبة الثالثة التي ساهم بتشكيلها. صارت مكتبة الزوجان عامرة. هكذا ساهم هفال بإنشاء ثلاث مكتبات في ثلاثة دول مختلفة، لأنّ المكتبة هي أهم شيء في حياته، ومكتبته تأخد أهميتها من الكتب التي تحتويها. يقول لي: "الأصح أن تسألني عن أهمية الكتاب والقراءة في حياة الإنسان لا عن أهمية المكتبة". يقضي هفال ساعات طويلة يوميًا وهو يقرأ، يقضي وقتًا مع الكتب أكثر من أي شخص أو شيء آخر. يساعده في ذلك عمله في الترجمة والتحرير.

هفال يوسف: وجود المكتبة في البيت يدلّ على نمط تفكير معين وعلى نمط حياة أصحاب هذا البيت

"القراءة ساعدتني على تحسين لغتي الروسيّة ولغتي العربيّة مما أتاح لي العمل في الترجمة والتحرير والكتابة. دون القراءة ما كان من الممكن حصول أي من هذا" يقول لي، "لذلك تشكّل المكتبة جزءًا أساسيًا من حياتي الشخصية كالنوم والشرب والطعام. في اليوم الذي لا أقرأ فيه أشعر بنفسي مريضًا وكأنّني لم أحصل على الدواء اللازم لاستكمال الحياة".

يحكي هفال إنّ وجود المكتبة في البيت يدلّ على نمط تفكير معين وعلى نمط حياة أصحاب هذا البيت. يقول إنّه يبحث بعينيه عن المكتبة إذا ما دخل بيتًا للمرة الأولى. يشعر حين لا يرى أيّ كتب وكأنّه يمشي في صحراء. يسأل نفسه: "كيف يعيش أهل هذا البيت دون قراءة؟"

أسأله عن مكتبتنا في الشام مرة أخرى، فيقول إنّه لا يحزن على كثير من الكتب لأنّه يستطيع شراءها مرة أخرى لكن حزنه الأكبر هو على المخطوطات. فـ"هناك مخطوطة كتاب كتبها أبي بخط يده ووعدته بنشرها بعد موته لكن حدث ما حدث وبقيت المخطوطة في الشام". وفي الشام أيضًا مخطوطتان لكتابين ترجمهما هفال ولم ينجزهما بشكل كامل بعد. يحزن على بعض الكتب النادرة غير المتوفرة الآن وعلى كتب أهديت له بشكل شخصي من كتّابها.

رائد وحش.. المكتبة هويتي

أردت أن أوسع الحكاية لتتضمن مكتبات أخرى. سألت أصدقائي عن مكتباتهم وعن كتبهم. أرسلت رسالة صغيرة على فيسبوك إلى صديقي الشاعر رائد وحش (37 سنة، مقيم في هامبورغ)، وقلت له: "أريد أن أكتب حكاية عن المكتبات التي تركناها خلفنا. أتذكر حديثنا عن مكتبتك التي تركتها خلفك في مخيم خان الشيح في ريف دمشق. هل أستطيع أن أسألك بعض الأسئلة عن المكتبات؟". تحمّس رائد وأجاب عن أسئلتي بحبّ وحماس، قال: "أي شيء عن الكتب، أنا أؤيده". سألته: "لمَ، ما أهمية المكتبة في حياتك؟" قال: "المكتبة هويتي".

(الشاعر والكاتب الفلسطيني رائد وحش/ الصورة مرسلة من قبل الكاتب في ديسمبر 2018/ خاص حكاية ما انحكت)

يكتب رائد لي في رسالة إلكترونيّة "إنّ قراءة الكتب تتيح للإنسان أن يصنع هويته مقاومًا وسائل التواصل الاجتماعي التي تخلق هوياتنا الجديدة. القراءة مقاومة في زمن آليات الهيمنة على عقولنا وتفكيرنا وتصنيع توجهاتنا". لكنه يتدارك فيقول: "ليس كلّ قراءة قراءة، فكثير من القراءات خاضعة لمنطق العصر الاستهلاكي. ما أتحدّث عنه هو القراءة ذات الاستراتيجية المعرفية التي ترفض الخضوع للتسطيح والسيطرة ومنطق الرائج".

رائد وحش: قراءة الكتب تتيح للإنسان أن يصنع هويته مقاومًا وسائل التواصل الاجتماعي التي تخلق هوياتنا الجديدة. القراءة مقاومة في زمن آليات الهيمنة على عقولنا وتفكيرنا وتصنيع توجهاتنا

أسأله: "يا رائد: كيف تأسّست المكتبة؟ كيف جَمعت كتبها؟". "بصراحةٍ" يجيب "هذه الأسئلة على بساطتها شديدة الإثارة، إذ تُشعر المرء أنه لا سبيل للإجابة عليها دون التطرّق إلى ما قرأه كتابًا كتابًا، بل صفحةً صفحة".

لا يستطيع رائد قبول فكرة البيت دون مكتبة. هذا مبدأ نما داخله. وحكاية بناء المكتبة حكاية لا تنتهي لديه. يعود بحكايته إلى إنسان العصر الحجري الذي رسم على جدران الكهوف صورًا للعالم الخارجي، ربما بغرض بثّ قوة سحريّة.

(مكتبة الشاعر الفلسطيني رائد وحش في مخيم حان الشيح للاجئين الفلسطينيين في سورية، والصورة مرسلة من قبل الكاتب في ديسمبر2018/ خاص حكاية ما انحكت)

يشبّه رائد بيته بذلك الكهف والمكتبة بجداريات كهفه وتمائم سحره الوحيدة. لذلك يبني الآن مكتبته في بيته في ألمانيا، رغم مشقة الحصول على كتب عربيّة. يوصي أصدقاءه بجلب الكتب إن هم قدموا من بلاد عربيّة. يشتري من الأنترنت كتبًا ويدفع ثمن شحنها متغاضيًا عن مرارة انتظار الكتاب. يحاول رسم جدارياته بكتب متنوعة مختلفة علّها تعوضه عن كتبه التي تركها خلفها في بيت عائلته في مخيم خان الشيح، والتي يقول عنها: "واحدٌ من أسباب التفاؤل القليلة في هذا الوقت، على الرغم من الحرب القاسيّة التي كانت حصّة المخيم، كما غيره من المدن والبلدات السوريّة، هو أن كتبي بعافيّة. الأقارب الذين يسكنون بيتنا الآن يرسلون، بين حين وآخر، صورًا للمكتبة من باب الاطمئنان عليها. سأخبرك بسرٍّ عائلي؛ أهلي الذين لم يكترثوا لحال تلك الكتب في يوم من الأيام، هم من يلحّون على سكّان بيتنا أن يصوّروا المكتبة، وكأنها البقيّة الباقية من معنى البيت. مكتبتي التي لم يقرؤوا أيًا من محتوياتها صارت عندهم أثر البيت الأخير. ما الذي يريده المرء أكثر من ذلك؟"

في منفاه يفتقد رائد المجلات كثيرًا. يقول إنّه امتلك في البلاد أرشيفًا من أعداد بعض المجلات الثقافية والفكرية مثل "الكرمل" و"فصول" و"الطريق" و"النهج" و"الاجتهاد" وغيرها. يقول "إنّ المرء يستطيع أن يناضل من أجل الحصول على كتب من بلاد بعيدة، لكنه يعبث بوقته وبوقت الآخرين في طلب مجلات جلّها محتجب".

المكتبة اللاجئة

خلال البحث عن حكايات المكتبات سمعت بقصة مكتبة الشاعر فؤاد م. فؤاد (57 سنة، مقيم في بيروت). وفؤاد هو طبيب جراح وأستاذ جامعي في الجامعة الأمريكيّة في بيروت. تواصلنا بشكل مباشر عن طريق الهاتف بعد عدة محاولات وسمعت منه حكايته.

قال لي بأنّه سيحكي لي حكايته قبل أن أسأل أسئلتي. وافقت. بدأ حكايته بالقول: "مكتبتي لاجئة مثلي. مثلما يلجأ الإنسان إلى بلاد أخرى لجأت مكتبتي إلى بلاد أخرى".

(بعض كتب الدكتور فؤاد محمد فؤاد والصورة مرسلة من قبله في ديسمبر 2018/ خاص حكاية ما انحكت)

الكتب بالنسبة للدكتور فؤاد هي "بشرٌ صاروا كلامًا وصورًا وضعت بين غلافين، لذلك أصبحت المكتبة جزءًا من حياة البشر، فالكلّ دوّن حياته ومدوناته على ورق، لذا كان من الطبيعي أن يكونوا معنا، ليس بالضرورة في البيت لكن في الحياة. المكتبة ضرورة للبشريّة. المكتبة هي المكان الذي يحوي حياة البشر. والكتاب ليس تعليمًا وقراءة وتسليّة فقط، بل هو حياة كاملة تعيش. ولأنّ الإنسان كائن اجتماعي تراه يعيش مع الكتب وبينها". من أجل ذلك لم يستطع فؤاد م. فؤاد أن يتخلص من كتاب واحد في حياته. حتى الكتب السيئة لم يستطع أن يتخلص منها، لأنّه لا يستطيع بكلّ بساطة أن يتخلص من حياة شخص ما.

فؤاد محمد فؤاد: مكتبتي لاجئة مثلي. مثلما يلجأ الإنسان إلى بلاد أخرى لجأت مكتبتي إلى بلاد أخرى

منذ اقتنى رواية "زقاق المدق" للروائي المصري نجيب محفوظ وهو في سن الثانية عشرة بدأت مكتبته بالتشكل. "في سن السادسة عشر أصبح اقتناء الكتب عادة روتينيّة" إلى أن أصبح يمتلك ما يقارب ثمانية آلاف كتاب. جمعها في بيته ومن ثم في عيادته في مدينة حلب بعد أن امتلأ البيت الصغير، ولم يعد يتسع لكتب إضافيّة. كانت كتبه موزعة بين بيته القديم الصغير وبيته الجديد الأكبر وعيادته الطبيّة.

حدث في البلاد ما حدث وتدمرت حلب وتهجّر الناس. نزح الدكتور فؤاد مع عائلته إلى لبنان تاركًا وراءه كتبه الموجودة في حيّ المنشيّة أي في منطقة اشتباكات خطرة، وأخذ معه من كتبه "موسوعة حلب المقارنة"، لخير الدين الأسدي، وترك البقيّة خلفه على أمل اللقاء.

لم يستطع فؤاد م. فؤاد أن يتخلص من كتاب واحد في حياته. حتى الكتب السيئة لم يستطع أن يتخلص منها، لأنّه لا يستطيع بكلّ بساطة أن يتخلص من حياة شخص ما.

بقيت كتبه هاجسه. كان يريد الاطمئنان عليها وجلبها إلى ملجأه في بيروت بما إنّ العودة إلى حلب مستحيلة. في يوم من أيام سنة ٢٠١٤ اقترح عليه بعض الأصدقاء أن يتبرّع بكتبه إلى مكتبة الجامعة الأمريكيّة في بيروت، حيث يعمل، ومكتبة الجامعة الأمريكيّة هي واحدة من أعرق وأهم المكتبات في الشرق الأوسط، وقد افتتحت سنة ١٨٦٦، سنة تأسيس الجامعة.

فكر فؤاد بحال الكتب وكان خياره أن تجد الكتب مكانًا آمنًا خير لها من البقاء في منطقة حرب لا يُعرف مستقبلها، لم يكن يريد لكتبه أن تموت وحيدة. طرح الأمر على أمين المكتبة الذي رحب بالفكرة، وقال إنّ الجامعة ستتكفل بعملية النقل.

اتفقت الجامعة مع شركة نقل على جلب الكتب إلى بيروت وتكفلت شركة النقل بالتفاصيل، بعد الاتفاق مع أحد معارف الدكتور فؤاد من أجل الدخول إلى البيتين والعيادة. في تلك الأثناء كان قد تم الاستيلاء على واحد من بيتيه وعيادته من قبل بعض المسلحين، و"بعد مشاورات عديدة وموافقات أمنيّة كثيرة وتجهيز قوائم والتخلص من بعض الكتب التي قد تعتبر ممنوعة في سوريا الأسد تم تجميع الكتب في سيارة نقل ونقلها إلى دمشق. خلال هذه العملية فُقدت بعض الكتب؛ بعضها صودر من قبل حاجز للجيش السوري مثل كتاب الحيوان للجاحظ وكتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني وغيرها من الكتب الثمينة". لا يعرف الدكتور فؤاد ما هي الكتب التي فقدها حتى الآن.

(عملية نقل كتب الدكتور فؤاد محمد فؤاد من حلب إلى الجامعة الأميركية في بيروت، والصورة مرسلة من قبل محمد فؤاد/ خاص حكاية ما انحكت)

في دمشق، وخلال نفس الوقت، كانت عائلة المسرحي الكبير سعد الله ونوس قد قررت بأن تتبرع بمكتبته الكبيرة لمكتبة الجامعة الأمريكية في بيروت. "إدارة المكتبة كانت قد اتفقت مع شركة النقل ذاتها. فقامت شركة النقل بجمع الشحنتين سوية وجلبها إلى بيروت بعد الحصول على موافقات أمنيّة جديدة".

وصلت الكتب إلى بيروت في بداية العام 2017، لم تُعرف كتبه من كتب سعد الله ونوس لأنّ الكثير من الكتب مشترك، لا هو يملك قوائم لكتبه ولا عائلة ونوس تملك قوائم. في مكتبة الجامعة تمّ تخصيص ركن لسعد الله ونوس تقديرًا لتبرعه، بينما كتب فؤاد م. فؤاد ضاعت بين الكتب الأخرى، وذلك لأنّه لم يتفق مع إدارة المكتبة على تخصيص ركن خاص له مثلما فعلت عائلة ونوس.

صار يمشي في ردهات المكتبة ويبحث عن كتبه. عرف بعضها، ضمها إلى قلبه، قبّلها وبكى معها.

(....)

فكرتُ بيني وبين نفسي كثيرًا بهذه الحكايات. فكرت كثيرًا قبل أن أشرع بكتابتها، وفكرت كثيرًا في كيفيّة صياغة هذه الأفكار. بعد البحث وإجراء المقابلات فكرت في طريقة كتابة الحكاية وفي نهايتها. ما الذي يمكن أن تقوله في ختام حكاية كهذه؟ لم أعرف كيف أنهي حكايتي. عدت إلى أحاديثي مع أصدقائي فما وجدت أفضل من جملة رائد وحش التالية أنهي بها الحكاية، وهكذا كان.

"ولو جمعنا اللهفات التي عشناها في السعي وراء الكتب لتعادلت مع لهفاتنا في السعي المحموم وراء الحب، بل ربما تفوّقت عليها، لكنْ يبدو أن تاريخ الحبّ حافل بالثرثارين، فيما تاريخ القراءة حافل بالصامتين". 

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد

بدعم من