الفن والمجتمع في سورية.. ملامح أولية


دفعت الحالة السورية الاستثنائية، منذ ربيع 2011، إلى طرح السوريين، ومن بينهم الفنانون، أسئلةً جذرية حول معاني الهوية والانتماء والعمل الفني. أتت هذه الأسئلة مرفقة بسيرة الفنان الشخصية وصلته الحياتية الإبداعية بالشأن العام، أو ضعف هذه الصلة، في ظل قسوة حاضرٍ سريع التحول، وتدميرٍ طاول المكان والذاكرة ومزق المجتمع.

28 شباط 2019

(لوحة للفنانة سلافة حجازي، وهي تعرض بموافقة من الفنانة والحقوق محفوظة لها)
علي جازو

شاعر وناقد سوري، ولد في مدينة عامودا عام 1973. تميل كتابة جازو إلى التأمل والبحث فيما وراء المعنى، في شعره أو مقالاته على السواء. أصدر عدة مجموعات شعرية، من أبرزها "الغروب الكبير" و"ابتهالات".

"يريد الفن أن يجعل نفسه شَبَه نفسه ذاتها، خالياً من الهيمنة والتشوّه. الفن هو الروح التي تنكر نفسها بحكم بنية عالمه الأصيل". (ثيودور أدورنو)

دفعت الحالة السورية الاستثنائية، منذ ربيع 2011، إلى طرح السوريين، ومن بينهم الفنانون، أسئلةً جذرية حول معاني الهوية والانتماء والعمل الفني. أتت هذه الأسئلة مرفقة بسيرة الفنان الشخصية وصلته الحياتية الإبداعية بالشأن العام، أو ضعف هذه الصلة، في ظل قسوة حاضرٍ سريع التحول، وتدميرٍ طاول المكان والذاكرة ومزق المجتمع.

لقد انتهت سوريا الأبدية، وبعد مرور قرابة ثماني سنوات، صدرت مؤلفات وأبحاث عديدة حاولت رصد التحول وتقييمه، منها ذات التوجه التوثيقي كما في موقع الذاكرة الإبداعية للثورة السورية، وكتاب (قصّة مكان– قصّة إنسان: بدايات الثورة السوريّة 2011- 2015)، إضافة لأعمال أدبية وفنية (كتاب سوريا تتحدث)، وشهادات ضمن سلسلة (بيت المواطن) وسواها. من تلك الأعمال، كان الفن التشكيلي أغزرها بروزاً وتنوعاً، بسبب قوة تأثير البعد البصري وسهولة النشر، المترافق مع انتقال فنانين كثر خارج سوريا، مما أتاح لهم مواصلة أعمالهم بأمان وحرية.

تتناول هذه الورقة، وهي جزءٌ من بحث أوسع نطاقاً وتفصيلاً، علاقة الفنون التشكيلية بالمجتمع في سوريا قبل ربيع 2011، وأثر الثورة السورية على اتجاهات الفن التشكيلي، إضافة لمتابعة تحولات مجموعة من الفنانين السوريين من خلال حوارات ومقابلات مسجلة صيف وخريف 2018.

الفن والمجتمع قبل ربيع 2011

"رقابة الدولة موجودة في كل مكان. لذلك لا يدفع الطابع المسالم للفنون التشكيلية بشكلٍ عام إلى الاستغراب. مثلاً في أعمال الفنان الموهوب عبد الكريم مجدل بيك، حيث يُصوَّر موضوع الزمن من خلال جدران منازل قديمة متداعية، يمكن التساؤل عن سبب بقاء ما يحدث هنا وهناك مخفياً خلف الأسوار".

لا يقرر الفنُّ السياسةَ، لكنه يحيا وسط حقائق سياسية. أهمية الفن تأتي من مركز غير مباشر، يتجاوز اللحظة التي يكتمل فيها العمل الفني، فهو يعود إلى الذاكرة، كما أنه يخطو خطوة إلى الأمام عبر إعادة التفكير بما هو حاضر الآن

هذا المقطع من التحقيق المشار إليه، أجرته منى سركيس ونُشرت ترجمته العربية في موقع قنطرة عام 2010، يختصر حال الفن في سوريا قبل 2011.  إن عبارة "الطابع المسالم" تشي بنوع من الخضوع الضمني وهيمنة نظام أخفى حقيقة المجتمع السوري. الإشارة الصامتة لما هو مخفي في سوريا كانت نوعاً من الحديث اليومي، ليس على صعيد الفن وحسب. مع ذلك فإن النشاط الفني لم يتوقف، بل وجد الفن السوري، كأعمال فاتح المدرس ومحمود حماد ولؤي كيالي مثلاً، طلباً متزايداً بعد العام 2000، لكن جمهوره كان خارج سوريا، البلد المغلق والمخنوق داخلياً. هذه الطبيعة المتناقضة، من انغلاق ورواج، والتي تعايش معها السوريون انفجرت بوجه الجميع بعد فترة قصيرة.

لقد تغيرت سوريا على نحو جذري خلال السنوات الثماني الماضية. قبل ذلك بسنوات قليلة (2006-2010) طرأ تبدل مفاجئ على المشهد الفني التشكيلي بظهور صالات عرض جديدة (أيام 2006، تجليات 2008 مثلاً) ومقاهٍ ثقافية في دمشق التي جمعت كتاباً وفنانين وصحافيين من مختلف مناطق سوريا.

بعد العام 2000، مع عهد توريث بشار الأسد الحكم، أخذت طبقة أثرياء جدد تظهر في دمشق وحلب. ترافق هذا التحول السياسي وادعاء الانفتاح الاقتصادي مع أمرين: الأول ارتفاع القيمة المالية للأعمال الفنية وطرق تسويقها، والثاني غياب مواضيع ميّزت الفن السوري عموماً، حسب ملاحظة للفنان ناصر حسين الذي درس الفن بدمشق وDüsseldorf ، ويقيم في حالياً في برلين، وذلك خلال لقاء شخصي معه.

ربما تتضمن ملاحظة ناصر حسين غياب أو تضاؤل الطابع المحلي للعمل الفني السوري، وتفضيل خيارات الغاليريهات، ذات المنحى التسويقي خارج سوريا، على تجارب الفنانين أنفسهم. إذا صح هذا الاستنتاج مبدئياً، تتحول الغاليريهات إلى سلطة فنية ضاغطة تضاف لسلطة سياسية خانقة أصلاً، مما يجعل خيارات الفنانين محاصرة بسلطة مزدوجة.

بعد العام 2000، مع عهد توريث بشار الأسد الحكم، أخذت طبقة أثرياء جدد تظهر في دمشق وحلب. ترافق هذا التحول السياسي وادعاء الانفتاح الاقتصادي مع أمرين: الأول ارتفاع القيمة المالية للأعمال الفنية وطرق تسويقها، والثاني غياب مواضيع ميّزت الفن السوري عموماً

رأى البعضُ التحولَ الثقافي علامة لازدهارٍ فني، رغم ظهور نقاشات ناقدة عن هذا التوجه في حينه، كما ورد في متابعة لرنا زيد بصحيفة الحياة: "المركز الثقافي الفرنسي بدمشق، خاطب نهاية عام 2010 الجمهور السوري بمحاضرة ذات عنوان رنّان "الفن العربيّ المعاصر في زمن العولمة: مخاطر قصة نجاح"، واضعاً نموذجاً له صورة إعلانات طرقية لسبهان آدم، ولم يأت باحث المعهد الفرنسيّ للشرق الأدنى إيف كيخانو بجديد في محاضرته، إنما استقرأ عشوائياً واقع التشكيل..، وعلى الأخص سجال غاليري أيام ويوسف عبدلكي وصفوان داحول على صفحات جريدة"السفير"، خالصاً إلى القول: "استسلم فنانون لإغواء الأرباح المالية، استقوها من اعترافٍ دوليٍّ أفضل، غير أنّ بعضهم قام بمزيدٍ من التساؤل حول المكانة التي أصبح يحتلّها في الإنتاج التشكيلي نمطٌ جديدٌ من الوسطاء"، كيخانو حكم بسهولة على لا هوية الفن السوري، وختم بأن الفن السوري يلحق الموضة العالمية،...".

على العكس من أجواء تبادل الاتهامات والجدل النقدي (علم جمال العبيد)، كانت هناك رؤية أخرى متفائلة ومتسائلة في آن: "أوائل عام 2000، شهدت سوريا نمواً فنياً كبيراً. افتتاح صالات جديدة وإطلاق فعاليات عديدة بالشراكة مع منظمات في الخارج، وتزايد ظهور فضاءات فنية مثل Le Pont Gallery في حلب وغيرها، والتي واصلت جذب فنانين عالميين. هذه العوامل، مع دفعة من صعود سوق الفن في الخليج، غيرّت كيفية تلقي الفن وتوزيعه في سوريا"، كما تشير القيّمة الفنيّة ميمنة فرحات في تقديمها لـ SYRIA'S APEX GENERATION (2014) ، حيث سلطت الضوء على تجارب كل من عبد الكريم مجدل بيك ونهاد الترك، عثمان موسى، مهند عرابي، وقيس سلمان، الذين تشكل تجاربهم الفنية، مع غيرهم، مدخلاً لإلقاء نظرة على تاريخ ثقافي أوسع.

(لوحة للفنان ياسر صافي، وهي تعرض بإذن خاص من الفنان والحقوق محفوظة للفنان)

في الحقيقة أن هذا الوسط الجديد، الذي يبدو حيوياً في الظاهر، يتناقض مع الحياة الفعلية للفنانين: "علاقتي مع الحيز العام ضعيفة وهشة، مما جعلني أشعر بعدم الانتماء، وكان شعوراً متعباً جداً. في دمشق عشت قرابة عشرين سنة. في مجتمع صغير داخل كلية الفنون كانت اهتماماتنا مشتركة، لكننا كنا نجهل الحياة في الخارج، فدمشق مجهولة، عدا صالات السينما أو المسرح، وهي أماكن مغلقة شبيهة بجو كلية الفنون"، هذا ما تقوله الفنانة إيمان حاصباني التي انتقلت إلى برلين عام 2015.

لم يكن الحال أفضل بالنسبة للوسط الصحافي والنقدي. "بشكل عام"، يقول عادل داوود المولود في الحسكة، شمال شرقي سوريا، والمقيم في فيينا حالياً "لم ألاحظ تلك الجدية والمهنية للصحافة الفنية في سوريا. أعتقد أن النقد الصحافي كان نوعاً من المجاملة يفتقر إلى المصداقية". أما غيلان الصفدي، من السويداء جنوب سوريا ومقيم في بيروت حالياً، فيضيف: "للأسف عندما كنت طالباً لم يكن عندنا صحافيون مختصون يقدمون تحليلاً للتجربة الفنية وجماليات العمل".

الجدير بالذكر أن معظم الفنانين السوريين ليسوا من دمشق، مقر كلية الفنون التي تأسست عام 1962. لقد سكنوا دمشق سنوات طويلة، ومع ذلك فإنها لم تظهر في أعمالهم، كانت المدينة غائبة، فيما الفن حاضراً! الأمر نفسه تقريباً ينطبق على ازدهار الدراما التلفزيونية، التي فضلت إما خيارات كوميدية مستهلكة، أو تناول تاريخ سوريا العثماني أو الفرنسي. كانت دمشق وفق هذا المنحى مدينة قديمة جداً، ولم يكن للشأن المعاصر واليومي أي حضور يُذكر. إن إلغاء الحاضر والمعاش اليومي من النقاش والتداول كان بهدف واضح هو إرجاء الحقيقي والماثل أمام العين لصالح ماضٍ وهمي يتوافق مع ترويج النظام عن سوريا. بهذا الشكل، فإن الفن يخدم، حتى دون أن يقصد ذلك، النظام. ثمة حلقة دائرية كاملة ومحكمة تسيطر على رواج أفكار معينة أو تسويق أعمال أدبية وفنية، شرط عدم التعرض ليس فقط لما هو سياسي أو محظور، بل لأي شأن يمكن أن يتعارض أو يختلف عن توجهات النظام الحاكم.

(حفر لعلاء شرابي، واللوحة تعرض بإذن خاص من الفنان، والحقوق محفوظة للفنان)

كان الجميل (الفني والجميل) أمراً مجرداً من الصلة بالعيش والإقامة، ويعود ذلك إلى مناهج التدريس، الجمود الوظيفي والانتظار الأبدي الغامض، مثلما نجد ملامحه في منحوتات محمد عمران (انتقل إلى باريس عام 2010)، أو بسبب الدور الرقابي للنظام الحاكم كما يظهر في مجموعة أعمال لولاء دكاك (باريس). كان دور الأستاذ في كلية الفنون سلبياً في العموم، نظرياً وذا طابع مفهومي جامد في حقل دراسةٍ كل ما فيه يتحول إلى شيء حسي وملموس، كما أشارت كل من إيمان حاصباني ونغم حديفة (خلال لقاءات شخصية معهم)، فيما كانت الخيارات الفنية تخضع لمصادفات حسب تجربة ياسر صافي (من مواليد القامشلي ومقيم في برلين).

تقول نغم حديفة، المقيمة في باريس (أنهت عام 2015 رسالة دكتوراه عن مروان قصاب باشي الفنان السوري –الألماني) إنها اختبرت تأثير الفن من خلال عينَي طفل أكثر مما قدمه أساتذتها بكلية الفنون: "كنت أكره كل شيء يُكتب عن الفن في سوريا، وفضلت ألا يكتب شيء على هذا النحو. الصحافة الفنية والنقدية كانت منفرة".

(رسم لنغم حديفة، واللوحة تعرض بإّذن خاص من الفنانة والحقوق محفوظة للفنانة)

أثر النزاع على الفن في سوريا

"هزت الثورة مفهوم الفن من جذوره". هذه خلاصة مكثفة لما كتبه الشاعر والصحافي السوري إيلي عبدو عام 2014. لقد تحول السؤال إلى الجذر، الأصل، مع قلب تعريف المعاني المألوفة: القصيدة، اللوحة، الأغنية، الثقافة بالعموم كيف يمكن تحديدها وفصلها عن دعاية راجت ومفهوم "الفن الملتزم" في سوريا! تماهى الفن الشعبي المرافق الثورة، غناءً وأداءً، مع ما هو غريزي ومباشر، فوري وتلقائي، قادماً من فئات مهمشة خارج الحقل الثقافي المعهود، وبدا التقليدي والمحلي أغنى وأكثر حداثة وبعداً عن "فن ملتزم" راكد وبلا صلة بالحياة الحقيقية لعموم السوريين.

على نحو متسارع، وجد الفنانون السوريون أنفسهم يواجهون القتل اليومي. العلاقة انقلبت، منذ ربيع 2011، مع ظهور أسئلة ذاتية عن ماضي الفنان الشخصي والعام، المكان والذاكرة، الفن والحقيقة والحرية. بين عامي 2012 و2015 صار معظم الفنانين السوريين خارج سوريا.

المكان والذاكرة  

بالنسبة للنحاتة نور عسلية، القادمة من السلمية (حماة) إلى دمشق، والمقيمة الآن في باريس حيث تعد رسالة دكتوراه عن الهشاشة في النحت، فإن صلتها بالناس أكثر أهمية من قوة الأمكنة، المكان هو الشخص-الإنسان. لا تحن عسلية إلى دمشق ولا إلى السلمية مدينة طفولتها: "كان على الفنان أن يظهر بصورة تجميلية ويتواجد في أوساط مختلفة عن بيئته الحقيقية، ليس بالضرورة لفارق طبقي وإنما لفوارق فكرية ومعرفية تجعله غريباً عن أوساط مقتني اللوحات وأصحاب الغاليريهات، لكن يبدو هذا أيضاً موجوداً في النسيج السوري الاجتماعي؛ عبر إظهار ما نحن لسنا عليه حقيقةً لإخفاء ما نعتقد أنه يجرح صورتنا أو الصورة التي نحب أن نبدو عليها".

(من مجموعة ذاكرة لنور عسلية، واللوحة تعرض بإذن خاص من الفنانة، والحقوق محفوظة للفنانة)

لم يكن من المتاح سابقاً الإدلاء بشهادات من هذا النوع. كان الحيز النقدي ضيقاً وروتينياً، أقرب إلى الخبر منه إلى التحليل، مما أضفى على تلقي الأعمال الفنية نفسها سمة حيادية حتى إن لم تكن كذلك في جوهرها. هذا الحياد يترك خلفه نوعاً من التأمل البارد في الفن وتأثيره، كما أنه يغفل عن السيرة الشخصية للفنان، حيث يجري تقديمه مجرداً وعارياً عن صلة واضحة مع المكان الذي يعيش فيه. بالمقابل فإن الربط المباشر بين الفن والثورة يتجاوز التغير داخل العمل الفني نفسه من خلال تحويله إلى رسالة سياسية متعالية عن الفروق والاختلافات. كل هذا يكون على حساب الفنان كفرد، والفن كخيار غير مشروط. وربما هذا الربط السياسي الضحل يشوه الصلة الفنية/ المجتمعية بدل أن يفحصها، فالثورة ليست فقط تغيراً في حركة الجموع وتعابيرهم، بل هي جوهرياً على تماس عضوي بدخيلة الفرد/ الفنان الذي ليس كائناً وظيفياً مقابل ثورة جرى تحويلها إلى معيار أوحد تُقاس به الفنون.

النظام، الفن، الوظيفة

جوهر وظيفة النظام السوري تحديد وظائف لكل من هو خارجه، وتحجيمه داخل نمطٍ لا يمكن تجاوزه أو كسره. حيّز الفن وفق هذا المنحى هو "الجمال" و"الجميل" مفهومين مجرّدين، من دون ارتباط بمكان وزمان محددين. ومثلما كانت سوريا دولة –وظيفية لشأن أهم يقع خارجها دائماً وخارج خيارات شعبها وفق إيديولوجية النظام، كان للفن وظائفه الرسمية. بطبيعة الحال، يقع الفن والعمل الفني خارج أي نظام، لذلك فإن الفنانين السوريين هم فئة مستهدفة، حتى إن ادعى بعضهم غير ذلك. ويأتي هذا الاستهداف على نحو كلي، يظهر في تحديد النمط العام للفن كوظيفة قبل أن يكون خياراً ذاتياً، كتلقين ونقل عوض التجريب والتلقائية. هذا الأمر بلا شك يحيل إلى محو الفرد الذي يشكل الفن/ الفنان أبرز وجوه تعبيره الذاتي. لكن، من جهة مقابلة، ينبغي عدم إغفال أن الثورة، منحت فرصة لتوظيف الفن نحو خيار واحد، خاصة كما تبدت في التوجه الإعلامي، مما يوحي بنوع من التشابه المقلوب: نظام/ فن/ وظيفة مقابل ثورة/ فن /وظيفة. هذا الأمر، إذا صحت المقارنة، يجعلنا في دائرة مقفلة، لجهة تعريف الفن وتوظيفه، لغرض سياسي، رغم الفرق الحاسم بين الحالتين.

(سكيتش بعنوان "بلادي بلادي" للفنان عبد الكريم مجدل بك، واللوحة تعرض بإذن خاص من الفنان، والحقوق محفوظة للفنان)

الذاكرة الشفهية، غياب التدوين

سوريا بلد بلا أرشيف، مُنع تداول تاريخه المعاصر واليومي، ومن ثم دراسته وتوثيقه. عاش المجتمع السوري، رهن ذاكرة شبحية متقطعة تنتقل من جيل إلى جيل ومن منطقة إلى أخرى على نحو ضبابي ضعيف. شاعت تصورات أقرب لنماذج جامدة وطوى الجهل عقوداً نكاد لا نعرف عنها شيئاً. قد يكون هذا سبباً من أسباب ضعف الصلة مع تاريخ الأمكنة وسير سكانها المحليين، جرّاء تحوّل العيش لوظيفة آلية، حتى لمن هم خارج البيروقراطية والروتين الجامدين.

حقيقة سياسية، تعبير فني 

لا يقرر الفنُّ السياسةَ، لكنه يحيا وسط حقائق سياسية. أهمية الفن تأتي من مركز غير مباشر، يتجاوز اللحظة التي يكتمل فيها العمل الفني، فهو يعود إلى الذاكرة، كما أنه يخطو خطوة إلى الأمام عبر إعادة التفكير بما هو حاضر الآن. للفن مسافة، تمنحه نوعا ًمن الاستقلالية، فالعمل الفني بهذا المعنى مركب من لحظتين منفصلتين ممتزجتين معاً، الأولى هي كما تتبدى الذاكرة في ماضي الفنان، والثانية كما هي الآن أثناء استحضارها من خلال الفن كما نجد في مجموعة (ذاكرة) النحتية لنور عسلية، التي تركز على لحظة مفصلية، اللحظة التي تسبق الموت مباشرة.

(من مجموعة ذاكرة لنور عسلية، واللوحة تعرض بإذن خاص من الفنانة، والحقوق محفوظة للفنانة)

وفق هذا الاعتبار العمل الفني يوسّع الزمن ولا يبقى رهين أزمة سياسية خانقة؛ ربما تكون سبباً في نشوئه. ليس العمل الفني حصيلة تغيرات سياسية، ليس آنياً ولا مرافقاً للحدث والمجتمع في حركتهما وتبدلهما. لا تحتاج اللوحة إلى وقائع ومفاهيم اجتماعية كي تكون كما تحلم أن تكون. ولعل أخطر ما يُشاع هو تحويل العمل الفني إلى وثيقة، إذ أنّ الفن ليس بديلاً للتاريخ ولا يحل محله، بهذا المعنى الفن ليس تاريخاً، لكن يصلح كإشارة إلى التاريخ نفسه من خارجه. من خلال ذلك يمكننا العثور على بعد اجتماعي سياسي، إذ يصلح العمل الفني طريقاً، من بين طرق أخرى، لقراءة المجتمع.

المركز والهامش/ انفصال مزدوج

معظم الفنانين السوريين ليسوا من دمشق، لم تكن العاصمة التي عاصرها الفنانون موضوع أعمالهم الفنية غالباً، كما أنهم لم يدرسوا الفن السوري الحديث " كان الأمر الجيد هو الصداقات، أما المحاضرات في العموم كانت غير جيدة. كانت المواد والكتب تغطي حتى مرحلة الستينات وذلك عائد إلى فترات تحصيل الأساتذة. بهذا المعنى كنا بعيدين عن الأعمال المعاصرة" حسبما يذكر محمد عمران في لقاء شخصي معه. أمام هذه الحالة، طوّر الفنانون نمطاً خاصاً يعود إلى ذكرياتهم وأماكن عيشهم السابقة على الدراسة والإقامة في دمشق، أو اختبروا مكاناً ما داخل أنفسهم عبر بحث شخصي، لم يكن ذلك المكان المركز ولا الهامش، وفي كل الأحوال تظهر هشاشة الصلة بأمكنة العيش الفعلية.

معظم الفنانين السوريين ليسوا من دمشق، لم تكن العاصمة التي عاصرها الفنانون موضوع أعمالهم الفنية غالباً، كما أنهم لم يدرسوا الفن السوري الحديث

لم تكن العلاقة الأكاديمية جيدة في العموم، في بعض الأحيان كانت سلبية، كما حدث مع إيمان حاصباني التي انتقلت إلى برلين منذ أربعة أعوام، ونغم حديفة التي تدرس وتعيش في باريس. بالنسبة للصحافة النقدية كانت بالغة السوء عدا استثناءات قليلة جداً، كما هو الحال مع الناقد عبد العزيز علون مثلاً الذي استشهدت به النحاتة نور عسلية، وأسعد عرابي كما أشار ياسر صافي.

(لوحة "المكان" لتمام عزام، واللوحة تعرض بإذن خاص من الفنان، والحقوق محفوظة للفنان)

سلافا حجازي، التي نشأت ودرست المسرح في دمشق، وهي حالياً في برلين، أشارت إلى وجود نوع من "طائفة ثقافية" كانت تعيش خارج دمشق المدينة، رغم أنها من مختلف مناطق سوريا وتسكن في دمشق، إلا أنها اخترعت نمط عيش لا صلة له بدمشق العامة واليومية، كما أن هذا النمط فقد الارتباط بالمدن والقرى التي جاء منها هؤلاء الفنانون والكتاب والصحافيون. لعب الفن والوسط الثقافي، بوعي أو من دونه، بتواطؤ أو بسبب غياب فرص أخرى، دوراً غريباً وأليفاً في آن واحد: رفعُ المجال الفني والثقافي عن صلته بالمكان والمجتمع، إضفاء قيمة مسبقة على الفن، قيمة تكاد تكون مجردة عن الزمن، وتضييق الفعل الثقافي – المجتمعي إلى عمل وظيفي آلي.

الحدث والتأويل

ربما من الأفضل النظر إلى الفن السوري وترابطه مع حدث غير عادي، بالقدر نفسه الذي ينبغي تأمله بانفصاله عن الثورة كمبدأ مطلق! هكذا يتعين الفن كمعرفة غريزية حيثية وتجربة فردية غير صادرة عن أساس واحد. مع ذلك فإن الفن ليس حيادياً ولا هو مجرد ناقل مادي. يداخلُ العملَ الفني تأويلٌ ونقدٌ يرافقان المجتمع من دون مطابقة، ولا يمكن قراءتهما (النقد/ التأويل، والمجتمع/ الفن) إلا لجهة أنّ الفن انفصل أو يكاد ينفصل عما صدر عنه بدايةً.

(لوحة للفنانة سلافة حجازي واللوحة تعرض بإذن خاص من الفنانة، والحقوق محفوظة للفنانة)

لكن، وهذا هو المهم كما أفترض، العمل الفني حدثٌ بحد ذاته. أي أنه ليس تعليقاً على حدث، ولا تحويلاً له، على الرغم من تأثره به. العمل الفني حدثٌ بالمعنى الاجتماعي، له كيانه وحيّزه الخاصان، يحفر له مكاناً داخل المكان، فالذاكرة الجمعية ليست محصورة بالأحداث العامة، وقد نتأثر بالخيال أكثر مما نتأثر بالوقائع.

الفن الألماني – السوري: مقارنة موجزة

تناول الفنانون الألمان الحرب والعنف، راقبوا الهوّة الاجتماعية خاصة بعد الحرب العالمية الأولى، موجهين السخرية للطبقة العسكرية الحاكمة، كما هو الحال في رسومات جورج غروس (1893-1959) وماكس بيكمان (1884-1950) وأوتو ديكس  (1891-1969) . لدى غروس تظهر هذه السمات الغرافيكية ذات الخطوط النحتية الدقيقة في مجموعتي رسومات (Ecco Homo) 1923، و (Hintergrund) 1928  :  وجوه عسكرية وجنود بهيئات مشوهة وحادة، جرحى ومعاقو الحرب بمواجهة أثرياء غير مبالين. لقد صوَّر الفن الألماني هذه التناقضات وأبرزها، وصارت الآن جزءاً من التاريخ الثقافي والسياسي لألمانيا. اسكيتشات عبدالكريم مجدل بيك لها الموضوع نفسه تقريباً، الشكل النحيل والصارم، الساخر من قوة ذكورية مزيفة واستعراضية، مع غياب ملامح اجتماعية إذ يظهر الجنود والضباط لوحدهم. اللاعقلاني والطفولي، الخام وشبه البدائي، يظهر في لوحات ياسر صافي، كما أن التمزق المادي والتشتت الاجتماعي يبرزان أكثر وضوحاً في أسلوب تمام عزام، في معرضه الأخير بغاليري Kornfeld في برلين.

(لوحة للفنان الألماني، جورج غروس)

مجتمع الفن/ الوثيقة والحياد

العمل الفني ليس حصيلة أوتوماتيكية لتغيرات سياسية، لكن تحييد الفن عن السياسة والمجتمع وهمٌ أو نوعٌ من حبس إضافي. من جهة مقابلة، لعل أخطر ما يشاع هو تحويل العمل الفني إلى وثيقة، إذ أن الفن ليس بديلاً للتاريخ. العمل الفني، وهذا هو المهم كما أفترض، حدثٌ في ذاته، قيمة الحدث الفني أنه يصلح كإشارة إلى التاريخ. قد يكون الفن هشاً، حتى إن بدا متيناً في ظاهره البصري، لكنه يحتفظ بوجوده وكيانه المميزين. ومن خلاله يمكننا الدخول إلى تاريخ مجتمع تفوق تدميره على فنونه. هذا الأمر يولد نزعة مضادة عند الفنانين، الذين يجدون في أعمالهم نوعاً من محو التدمير، وتحصين الذاكرة الجمعية ضد العنف والنسيان، لكن الفنانين السوريين ليسوا كتلة واحدة، ولم يشكلوا تياراً فكرياً خاصاً. قد نراه أمراً جيداً يعزز التنوع والفرادة، وربما يوحي بنوع من التمزق داخل المجتمع الفني نفسه.

نادراً ما يجري رصد هذا التمزق داخل المجتمع الفني، التعاون المتقطع أو التنافس الآني أو القطيعة التامة، إضافة إلى عوائق العلاقة مع صالات العرض. يجري تناقل أحاديث شفاهية، غير أنها تبقى بلا فحص ومراجعة نقدية. عادة ما يتحدث الفنان السوري عن خصوصيته. إنه يفضل الحديث عن نفسه كفرد مستقل، فيما يشير البعض منهم إلى توترات وغياب الانسجام الفكري، إلى تضخيم قيمة أعمال فنية لا بسبب جدارتها، بل بسبب مديح إعلامي، من دون تحديد أسماء بعينها.

خلاصة

هناك فجوة هائلة بين المجتمع والفن في سوريا، جرّاء الرقابة البوليسية والمنحى الأكاديمي وتعريف الفن نفسه كمفهوم وممارسة. كذلك الحال بالنسبة لنوعية المتابعة الصحافية حسب الحفار علاء شرابي الذي انتقل من دمشق إلى الإمارات " كانت تزيينية يملؤها التغني بتجربة الفنان واستعمال الكلمات الشاعرية".

هذا الأمر، المترافق مع الطابع الشعاراتي والتضخيمي للكتابة النقدية، أدى لتفريغ المجتمع من حضوره في الفن، وتحييد الفن عن المجتمع. إن تعليب المجالات المعيشية والفنية وفصلها بعضها عن البعض سمة رئيسية للحالة السورية، لكن القيمة الفنية تحررت من الخطابة المتحجرة، بعد 2011، صارت أكثر تداولاً ومحل جدل سياسي. وجد الفنانون معاني جديدة لأعمالهم، إذ أصبحت ذات علاقة عضوية مع بلدهم، أمام الطلب الإعلامي السطحي والفوضوي أحياناً، والذي يجد البعض (ياسر صافي وإيمان حاصباني وعبد الكريم مجدل بيك ونغم حديفة) أنه يحصرهم داخل صفات اللاجئ على نحو ضيق. هذه الحالة تغفل سير حياة الفنانين وتجاربهم الشخصية، أي أهميتهم كأفراد أولاً، لا عينات من بلد يتمزق بوحشية.

أمام مخاوف النسيان والإحباط، يقف الفن قوة حامية، ناقلاً الذاكرة ومحولاً معناها من حيز عمومي غامض الملامح إلى تجربة شخصية متجذرة تعيد الاعتبار لصلة الفنان بالمجتمع كفرد وصلته بنفسه ذاتها، قبل دمغه بنموذج فني دارج، كفنان قبل أن يكون لاجئاً.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد