نازحو ريفي إدلب وحماة

بين سندان القصف ومطرقة الإستغلال


عادت عشرات العوائل السورية من الحدود السورية والتركية والمخيمات إلى مساكنها لتقبع تحت القصف العنيف نتيجة الحالة المأساوية للنازحين وعدم قدرتهم على تأمين متطلباتهم، حيث يمضي غالبية أهالي ريفي إدلب وحماة حياتهم خائفين ومقهورين، ينتظرون تحرك ضمائر البشر والمنظمات الإنسانية.

15 حزيران 2019

(امرأة في مخيم الوضيحي في سرمدا بتاريخ 11 حزيران 2019. تصوير: نايف البيوش/ خاص حكاية ما انحكت)
نايف البيوش

كاتب وصحفي من ريف إدلب

(ريف إدلب)، بيدين متعبتين ووجه خضبته أشعة الشمس الحارقة، تعجن أم محمد الخمسينية الخبز لأولادها الجائعين الذين لم يجدوا ما يسدون به جوعهم بعد نزوحهم من ريف إدلب الجنوبي، نتيجة الحملة الهمجية التي يشنها نظام الأسد والروس على مناطقهم التي دمرتها طائرات الغدر والإجرام.

أم محمد وغيرها آلاف السوريين من الذين نزحوا إلى مناطق الشمال السوري باحثين عن الأمن والسلام، هربا من القصف الذي أجبرهم أن يسكنوا تحت أشعة الشمس الحارقة وبين الأشجار وفي الأراضي الزراعية التي لا تقيهم حرّ الصيف ولا برد الشتاء.

تصف أم محمد لحظات نزوحها من مدينتها، كفر نبودة (جنوب إدلب وشمال غرب مدينة حماة)، لحكاية ما انحكت، حيث تقول: "لم نستطع أن نخرج شيئا من أمتعتنا وأرزاقنا. خرجنا بثيابنا فقط حتى وصلنا إلى منطقة سرمدا الحدودية، لنفاجئ بأسعار إيجارات البيوت الخيالية التي لا نملك ربع ثمنها، ما دفعنا إلى السكن تحت أشجار الزيتون دون مأوى أو مرافق خدمية".

كفر زيتا وقلعة المضيق والهبيط وخان شيخون لم يكن حظها أحسن من حظ سابقتها نتيجة القصف الممنهج على المراكز الحيوية والمناطق السكانية، ما اضطر سكانها إلى النزوح منها إلى مخيمات الشمال التي تفتقد لأبسط مقومات الحياة.

أم محمد من كفر نبودة في ريف حماة الشمالي: لم نستطع أن نخرج شيئا من أمتعتنا وأرزاقنا. خرجنا بثيابنا فقط حتى وصلنا إلى منطقة سرمدا الحدودية، لنفاجئ بأسعار إيجارات البيوت الخيالية التي لا نملك ربع ثمنها

يروي خالد الأحمد (مزارع) رحلة نزوحه عن منزله بقرية الهبيط بريف إدلب الجنوبي، قائلا: "نجونا بأعجوبة.. القرية كانت تحترق تحت ضربات النظام الجوية والبرية، لم نكن نسمع إلا أصوات القصف والصواريخ والطائرات، بالإضافة لصراخ المكلومات وأنات المصابين. خرجنا من منزلنا الذي تدمر كليا بفعل القصف، لم نستطع حمل أمتعتنا لعدم توافر واسطة نقل حيث مشينا أكثر من ثلاث ساعات على أقدامنا مخافة من الطيران الرشاش الذي يستهدف الآليات والسيارات، حيث استقر بنا الحال في مخيم سلقين".

يصمت قليلا، ليتابع بصوت مرهق: "لم أكن أتخيل أن أعيش في مثل هذه الظروف المعيشية القاسية حيث نبيت في العراء بعيدا عن منزلنا الذي باتت العودة إليه صعبة المنال".

مسكن خالد الجديد يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة كالماء والغذاء والأغطية والدواء بالإضافة لإنتشار الحشرات والعقارب، حيث أنّ العديد من الأطفال أصيبوا بحبة اللاشمانيا، في ظل غياب شبه تام للمنظمات الإنسانية والجمعيات الإغاثية.

محمد الخالد (62 عاما) يشكو سوء حالته، حيث يقول لحكاية ما انحكت: "ما في لا مي ولا أكل ولا دوا". يصمت قليلا ليتابع: "ما آلمنا أكثر من نزوحنا وتهجيرنا هو عدم اكتراث المنظمات الإنسانية واستغلال الناس لنا في هذه الأوقات العصيبة. ليس هذا فحسب فقد طلب بعض مالكو الأراضي من النازحين الذين لم يجدوا مأوى، دفع مقابل مادي للسماح للنازحين بالبقاء في أراضيهم".

مسؤول التنسيق في مديرية الإغاثة والتنمية، محمود العمر، يقول لحكاية ما انحكت: "نقوم بإحصاء أعداد العائلات التي تحتاج إلى مساعدة عاجلة حيث تجاوز عدد العائلات الثلاثمئة عائلة مشردة في البساتين، كما أنّ العدد مرشح للازدياد نظرا لاتساع رقعة التصعيد والقصف من قبل قوات النظام والطائرات الروسية ليشمل مناطق جديدة مكتظة بالسكان كما نبه إلى أن نداءات الإستغاثة لم تلقى أي إستجابة من المنظمات الإنسانية المعنية بمساعدة النازحين في الشمال السوري".

نتيجة هذا الوضع الصعب، عادت عشرات العوائل السورية من الحدود السورية والتركية والمخيمات إلى مساكنها لتقبع تحت القصف العنيف نتيجة الحالة المأساوية للنازحين وعدم قدرتهم على تأمين متطلباتهم، حيث يمضي غالبية أهالي ريفي إدلب وحماة حياتهم خائفين ومقهورين، ينتظرون تحرك ضمائر البشر والمنظمات الإنسانية.

رامي الحمدان (٤٤ عاما) من النازحين العائدين من مخيّم سلقين إلى مناطق التصعيد في ريف إدلب الجنوبي في مدينة كفرنبل، يقول لحكاية ما انحكت "فضلت أن أعود إلى منزلي الذي تتساقط حوله الصواريخ من كل حدب وصوب على أن أعيش تحت رحمة أشخاص مستغلين يستغلون أوضاعنا المأساوية

رامي الحمدان (٤٤ عاما) من النازحين العائدين من مخيّم سلقين إلى مناطق التصعيد في ريف إدلب الجنوبي في مدينة كفرنبل، يقول لحكاية ما انحكت "فضلت أن أعود إلى منزلي الذي تتساقط حوله الصواريخ من كل حدب وصوب على أن أعيش تحت رحمة أشخاص مستغلين يستغلون أوضاعنا المأساوية فآجار البيوت مرتفع، والمنظمات الإنسانية تكاد لا تظهر، ننام في العراء، بالإضافة لانتشار الأوبئة والأمراض وندرة الأدوية أن أموت في منزلي أهون عندي من التشرد والذل في مخيمات النزوح والتهجير".

مقالات متعلقة

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد