محمد حبش كجزء من أزمة الإسلام السوري

"خطاب يناهض الأصولية، ولكنه يقف على أرضها"


من أين انبثقت كل هذه الأصوليات في سورية؟ ما هو الجذر الأساس لكل ما تشهده سورية؟ هل كان النظام السوري، هو الصانع الوحيد للطائفية أم أن هناك من ساعده في ذلك؟ تلك أسئلة، وغيرها، يحاول الباحث المتخص في الفكر الإسلامي، حمّود حمّود، أن يجيب عنها، من خلال تسليط الضوء على أفكار الدكتور ورجل الدين، محمد حبش، ناقدا كتبه ومقولاته، والدور الذي لعبه.

29 تموز 2019

(الدكتور محمد حبش، والصورة مأخوذة من وسائل التواصل وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)
حمّود حمّود

كاتب وباحث سوري، متخصص في الإسلاميات، يكتب وينشر في عدد من الصحف والمجلات والمواقع العربية، منها الحياة والمسبار. صدر له: "سورية والصعود الأصولي (حوار مع الكاتب عزيز العظمة)، دار الريس/ 2015، و "بحثا عن المقدس، البعث والأصولية" عن دار جداول عام 2014، إضافة إلى عدد من الترجمات.

ماذا يعني أنْ يتحول تراث الإسلام، وخاصة السوري منه، إلى مجرد "أبقار مقدسة"؟ الكلُّ للأبقار فداءً لها، والكلّ على الأبقار تضحيةً بها والصراع عليها. بل ماذا يعني أنْ يتحول الإسلام السوري إلى مجرد رموز فارغة، أو قل إلى حبال أخرى يُعلّق عليها علماء الدين الدمشقيين صراعاتهم الحالية في سبيل المال والسلطة؟ وكيف يساهم هذا التعليق في انتشار الأصولية التي مازالت تكتسح إلى الآن الشارع السوري؟

 محمد حبش، المتعدد المواهب الدينية والشيخ الشعبي المعروف، هو جزء من هذا الحطام السوري ومساهم كبير في صناعته وانتشار الأصولية فيه، على الأقل بعد سنة 2000. نحاول في هذه المادة سريعاً رصد بعض جوانب هذه الصناعة الأصولية.

حادثة تقول الكثير

أود البدء بهذه الحادثة التي عاصرتها في دمشق. في يونيو حزيران 2001 صدر لـ محمد حبش كتاباً يحمل عنواناً عريضاً "المرأة بين الشريعة والحياة"، كان قد قدمه شخصيتان، الأولى حنان لحام، وهي كاتبة إسلاموية شعبوية ليس لها وزن كبير ضمن يافطات علماء دمشق، والثانية هي محمد سعيد رمضان البوطي، الذي يحتل السلطة الرمزية الأكبر ضمن تلك اليافطات. ولا أخفي حينها مفاجأتي حينما وجدت اسم البوطي على غلاف الكتاب. فمن يقرأ البوطي ورأيه في تحرر المرأة في كتابه "المرأة: بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني" (دار الفكر، دمشق، 1996) وتصاريحه الهائلة ضد حركات التحرر النسائية واتهامها بالعمالة ([1])، تلك الحركات التي نشطت في دمشق خاصة بعد سنة 2000، يدرك المفارقة في وضع اسم البوطي كمقدّم للكتاب. أدركتُ حينها أنّ حبش، بوضعه اسم البوطي،  يبحث عن تسويغ وتشريع يحمل توقيع السلطة الدينية الأولى في سورية التي يمثلها البوطي في الشارع السوري. فبمجرد وجود اسم البوطي يكفي أنْ يصنع رواجاً لما أراده حبش في كتابه.

والحال، أنّ اسم البوطي لم يدم كثيراً على غلاف الكتاب (ومعه أيضاً اسم حنان لحام)، حيث اختفى هذا الاسم، ومعه كذلك مقدمته، في طبعته الثانية (يناير كانون الثاني 2002) والطبعة الثالثة (مايو أيار، دار التجديد، دمشق، 2002). المقدمتان تمّ سحبهما في الطبعتين التاليتين ليحل محلهما مقدمات أخرى. بَيْدَ أنّ ما أراده حبش من مقدمة البوطي هو اسم البوطي، أي سلطة الاسم، وليس البوطي نفسه أو رأي "شيخ جليل" في موضوعة تحرّر المرأة (والمطلع على خبايا هؤلاء الرجال ضمن مستنقعات بعض علماء الدين في دمشق، يدرك الكم الهائل من الخلافات والاتهامات المتبادلة بينهما). وبالفعل، فما أراده حبش من سلطة هذا الاسم قد حقّق مناه بالفعل. فالكتاب لاقى رواجاً هائلاً في الشارع السوري وطلاب شريعة الله وغير الله والأجهزة الإعلامية الرسمية...الخ، هذا فضلاً عن كمّ لا بأس به من المقالات والكتب الشعبوية في الردّ عليه، مثلاً كتاب: "عذراً يا صديقي الحبش" لمؤلفه محمد بسام رشدي الزين (دار التربية، 2002). والمثير أنه بعد صدور الطبعة الأولى، أننا بدأنا نسمع عن شنّ البوطي في دروسه الدينية وخطبه هجوماً عنيفاً على حبش (وحبش نفسه أشار إلى هذا الهجوم في نفس الكتاب لاحقاً) متهماً إياه بالزندقة والماسونية إلى آخر هذه الألفاظ التي كان يمارسها لسان البوطي السليط ضد من يخالفه، وهو ما اشتهر به([2]).

(جسدت خطوات أو محاولات توحيد الكنائس أو المصالحة والتوحد بين المسيحيين والمسلمين، ليس خدمة للسلام الديني بمقدار تلميع صورة النظام السوري أمام الغرب وكنائسه وبهدف تقديم صور براقة عن "الوحدة الوطنية التي تعيشها سورية والتي تعد أنموذجاً يحتذى به في العالم"/ خاص حكاية ما انحكت)

لماذا هجوم البوطي، وهو نفسه الذي قدّم الكتاب؟ يُقال أنّ البوطي، بحسب ما تناقلته الألسنة، قد طلب من حبش (حينما طلب منه الأخير أنْ يقدم له الكتاب) أنْ يحذف منه مقاطع لم يكن البوطي موافقاً عليها. حبش أخذ المقدمة منه لكنه لم يحذف ما رآه البوطي بأنه واجب الحذف، وبدلاً من ذلك فقد لجأ حبش إلى تضمين الكتاب، بين الفينة والأخرى، بآراء البوطي. وبصرف، النظر عن صحة هذه المعلومة بوجوب الحذف، فإننا نجد حواشي الكتاب مذيلة بآراء البوطي. وبهذا يكون حبش قد حافظ على رأي البوطي، إلا أنه بنفس الوقت لم يحذف ما رآه هذا الأخير. ومن الواضح بالفعل، أنّ البوطي كتب له المقدمة مع إبداء ملاحظاته الخاصة على بعض المواقع، بدليل أنّ حبش يكتب في بعض الحواشي: "وهنا كتب الدكتور البوطي الملاحظة الآتية......". لكن أين كتب البوطي هذه الملاحظة؟ الله أعلم! للأسف حبش لا يدلل على ذلك، كما يُتوقع من أيّ مبتدئ ملم بأبجديات الكتابة والنقل عن الغير (وللمناسبة: الكتاب يعج بحوادث وآراء من غير تدليل وكأنها نزلت من السماء، وهذا نجده مثلاً حينما يريد حبش الانتصار للحجاب الإسلامي ومكانة المرأة في تجارب الغرب أو مع نساء مسلمات في الغرب أو من نساء غربيات ينتصرن للذكورية التي ينضح بها كتاب حبش...الخ. وهذا خطاب إسلاموي اعتذاري نعلمه عموماً. وعلى أية حال، حبش، وعلى طريقة الإسلاميين الآخرين التي نعهدها في الاستشهاد بآراء غربيين، حينما يتعلق الموضوع بمديحة عصب أصوليٍّ من أعصابهم، فإنه يروي مثلاً عن مارغريت تاتشر أنها حينما تدخل دارها، وهي رئيسة بريطانيا العظمى، تدخل وهي فقط محض امرأة: "يشرفني أنْ أقوم بواجبي في إسعاد سيد الدار زوجي"، تقول تاتشر ([3]). طبعاً الرجل، حبش، يروي هذا من غير أنْ يدلل على ذلك. بيد أنه بالتأكيد تصوير مشحون بذكورية شديدة سيكون حبش سعيداً به، طالما أنه حتى تاتشر ترى واجبها، واجب المرأة، هو إسعاد "سيد الدار"!

(لا يُظنّ أنّ صوت الدكتور محمد حبش قد مثل باباً في محاولة صدّ هذه الأصولية؛ بل على العكس من ذلك، فقد ساهم أيضاً، بوجه آخر، في تعويم الأصولية بشكل يختلف عن البوطي (وأيضاً بدعم من النظام السوري) في السيطرة على جزء مهم من الشارع الدمشقي والترويج لإسلام كان قد اصطلح عليه بـ "إسلام البزنس" المتمدن/ خاص حكاية ما انحكت)

وبصرف النظر عن الدخول في خبايا هذين الخطابين، حبش والبوطي، في مسألة تحرّر المرأة وماذا يريدون منها، فالرجلان، مهما علا أو انخفض سقفهما في مسألة الإصلاح الإسلامي، فإنهما ينضحان من الإناء الأصولي نفسه، بل ويتصارعان عليه. الأزمة تلك كشفت بالفعل عن رداءة وجه من وجوه أزمة الخطاب الإسلامي في سورية. البوطي، وحتى مقتله، كان لا يُخفي ليس فحسب سلطته الدينية على الشارع الإسلامي السوري وعلى علماء الدين هناك (وحادثة هذا الكتاب تظهر ذلك)، بل أيضاً إلى أيّ مدى وصلت إليه الأصولية الإسلامية، مُقادةً من هذا الرجل، في وإعادة تغلغلها في مفاصل الشارع بدعم مباشر وغير مباشر من أجهزة النظام السوري ومخابراته. ولا يُظنّ على الإطلاق أنّ صوت حبش قد مثل باباً في محاولة صدّ هذه الأصولية؛ بل على العكس من ذلك، فقد ساهم أيضاً، بوجه آخر، في تعويم الأصولية بشكل يختلف عن البوطي (وأيضاً بدعم من النظام السوري) في السيطرة على جزء مهم من الشارع الدمشقي والترويج لإسلام كان قد اصطلح عليه بـ "إسلام البزنس" المتمدن. وهذا النمط من الإسلام قد راج بعد وصول أردوغان للسلطة، وكان له تأثير كبير على سورية في إعادة الأسلمة وتقديم وجه "أصولي معتدل" ([4]) بيد أنّ هذا الوجه، الوجه الأصولي لحبش، لهو أشد ضراوة أصولية من وجه البوطي، وذلك لما يتمتع به من الميوعة والقدرة الشديدة على التلون بألوان متنوعة تمشي بحسب التيارات الفكرية والسياسية التي تسود.

تسليع النبي

محمد حبش الذي يريد منا أنْ نتصور النبي الكريم محمد، وكأنه رجل النسوية الأول في تحرّر المرأة، هو نفسه أيضاً الذي كتب كتاباً عنونه "النبي الديمقراطي" (ندوة العلماء، دمشق، 2007). إنه يعلن من بداية درسه (هذا إذا صح تسميته بالدرس) أنّ هذه الدراسة: "معنية بإثبات حقيقة واحدة هي أنّ الرسول الكريم قدم للعرب مشروعاً ديمقراطياً" (ص17). هكذا إذن! للأسف، هذا هو مستوى الرداءة الذي وصل إليه الخطاب الإسلاموي! السؤال الذي يمكن طرحه بمرارة: لماذا لم يقدم محمد مشروعاً شيوعياً؟ فمحمد النبي، عند غير حبش، نجده لم يتردد في تقديم مشروع "ناصري اشتراكي" ولا أعتقد أنّ حبش سينتظر أو يتردد لحظة في كتابة كتاب آخر تحت عنوان "النبي الشيوعي" لو أنّ السيادة في النظام السياسي العالمي الحالي ستنتصر للشيوعية، كما فعل أفراد العائلة الأصولية من أشقاءه قبله، أمثال مصطفى السباعي حينما كتبوا عن "اشتراكية الإسلام" تحت تأثير تخدير الأفكار الاشتراكية والقومية منتصف القرن العشرين.

إقرار بالتعددية ولكن؟

إذا كان هناك من فضيلة، أعتبرها كبرى، لمحمد الحبش، فإنها تكمن في التأكيد على التعددية الهائلة التي كانت، وما زالت، تسود الموروث الثقيل للإسلام. وهذا بالفعل، ما يمكن لمسه من كتابه عن المرأة. بيد أنّ إشكال هذا الرجل البنيوي يكمن بالضبط في كيفية قراءة هذه التعددية. فهو لا يصورها بكونها تجسيداً تاريخياً استجاب له المسلمون، مجبرين، في مواجهة بين ما يحملونه معهم وبين الشروط التاريخية والثقافية أثناء توسعهم في السيطرة على بقع جغرافية خارج شبه جزيرة العرب أو بكون ذلك التعدد تجسيداً لما تضمنته اختلافاتهم الإثنية والثقافية وتعدد المراحل التاريخية التي تأرخ فيها تراث الإسلام، ما أنتج من اختلافات هائلة في "التأريث" أو إعادة تأريث الموروث...الخ. حبش، للأسف، بعيد عن هذا النمط من الدرس، ولا يبدو أنه يرغب في الاستفادة منه. بل إنه يرغب في تصوير تعددية الإسلام، وكأنها جزء بنيوي منه مصدرها مكة ويثرب. مثل هذا النظر يمثل إشكالية أخرى في هذا النمط الإسلامي، الذي تسوده مثالية مخيالية، عنوانها الأكبر "رحاب الإسلام"، أي المثالية التي ترغب في تصوير الإسلام على الضد من الصورة المعاكسة التي تصور لنا هذا الدين بصورة متخشبة أو كأنه الابن البار للصحراء على طريقة إرنست رينان (في درسه عن التوافق البنيوي بين عقليتي التوحيد الإلهي والصحراء Le désert est monothéiste).

هل من فرق بين البوطي وحبش؟

وأكثر من ذلك: الكيفية التي يمارس بها البوطي رياضته الانتقائية في قراءة التراث لفرض أصوليته المتخشبة، هي عينها بنيوياً التي يمارسها حبش، مع اختلاف بسيط، هي أنّ البوطي أشد التزاماً بالمنهجيات المعلومة في بطون كتب التراث في استنباط الأحكام واستخراجها، في حين أنّ حبش يمارس رياضة الانتقاء من رأي هنا ورأي هناك، وقشرة هنا وأخرى هناك، طبعاً من غير المساس ببنية هذا التراث الثقيل، أي في كيفية تفكيك هذه البنية، وذلك ليقول لنا في النهاية كم أنّ الإسلام رحيم! وحتى انتقائيته هذه تمت بأسلوب بدائي يخالف قواعده التي تعلّم هو عليها الحديث في "الجرح والتعديل": الرأي الذي يعجبه لا يسأل عن سند متنه أو يوليه أهمية، في حين إذا كان الرأي ضده نجده يلاحق رواته ويسأل ويختبر قوة السند فيه. وعلى العموم، ليست هذه الإشارة الأخيرة للدخول في تفاصيل علوم الحديث النبوية، بل للإشارة إلى أي مدى وصلت به العقلية الانتقائية والتلفيقية عند نمط مهم من الخطاب الإسلاموي السوري، ومساهمة هذه العقلية في الأصولية والمساهمة بتعميمها. المرأة التي ساهم بالفعل حبش في تدريسها في جامع الزهراء بدمشق كان لها دور كبير في نشر نمط إسلاموي يتحمل اليوم جزءاً كبيراً في الأزمة السورية الحالية. إنها المرأة نفسها التي دعمت نظام الأسد، وهي نفسها التي انقلبت عليه، حينما سُحب من تحت قدميها سلاحان (وهما سلاحا محمد حبش في دمشق): المال والدين.

(الشيخ الراحل، محمد رمضان سعيد البوطي، والصورة مأخوذة من موقع قناة الجزيرة وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

لقد سبق مرة لـلمفكر والكاتب اللبناني، علي حرب، في كتاب له تحت عنوان "نقد النص" أنْ عنونَ: "نصر حامد أبو زيد: خطاب يناهض الأصولية ولكنه يقف على أرضها". وهذه كانت الخلاصة التي انتهى إليها حرب في قراءته لمشروع نصر حامد أبو زيد، بأنّ هذا الأخير يحارب الأصولية الإسلامية وفكره يحوم في فضائها. لكن إذا كان هذا الحكم يسري على أبو زيد (طبعاً من غير التسليم بهذا الحكم على عواهنه)، فما بالنا بالأرضية التي يقف عليها حبش؟

طبعاً لا يمكن المقارنة بين الاثنين، فشتان ما بينهما: بين أبو زيد الذي حمل بالفعل مشروعاً تمحور بعمومه في الدرس القرآني وبين حبش، الذي تمحور على كلّ شيء، لكنْ ولا شيء: من التجويد بالقرآن (أي قارئ قرآن، وللعلم هناك حديث لـ محمد رواه أحمد بن حنبل في مسنده يقول: "أكثر منافقي أمتي قراؤها"!)، إلى الوعظ الديني وسدانة بعض المعابد الإسلامية (جامع الزهراء في المزة الدمشقية خاصة)، إلى نظم معلقات أو نظائم ([5]) في أصول الفقه، إلى المشي في مشاريع مع "أصدقاء الأمس"، أي الإيرانيين ([6])، بهدف، بحسب ما ظنه هو، التوفيق والتصالح بين السنة والشيعة (عقلية التوفيق هذه نجدها قد سيطرت عليه في حواراته التصالحية مع "أهل الكتاب"، خاصة المسيحيين منهم ([7])، إلى احتلال مناصب سياسية في البرلمان السوري حينما كان "شيخاً" له، وذلك ضمن مباركات الامبراطوريات المالية لمحمد حمشو (في دورته الأولى) وأجهزة الأمن السورية...الخ.

العلاقة مع نظام الأسد

من يدقق في هذه الفسيفساء المتنوعة للرجل (هذا فضلاً عن عشرات الكتب والمقالات له) وما كانت تسفر عنه، سيدرك بالفعل خواءها من أي رابطٍ متمنهجٍ على محورية ما يمكن بالفعل أنْ تخدم شيئاً اسمه "الإصلاح الإسلامي"، أو كما يحب أنْ يسميها هو "رسالة التجديد". ويكفي فقط الاطلاع على الوجه الأخير لـ حبش، الوجه المشيخي-البرلماني، لندرك فقط مساهمته الكبرى في تعميم الأصولية بمساعدة السلطة السياسية. الحال هنا ليس أنّ السلطة تُسيّس الدين، بل أنّ الدين هو الذي يُديُّن السياسة، أو قل يمنحها شرعية خفية ومعلنة في التنكيل بأبناء شعبها. ماذا يعني أنْ يترشح شيخ دين لاحتلال منصب عند سلطة وراثية غير شرعية، وهو يعلم ذلك؟ يعلمنا أساتذة التنوير مقولات فصل الدين عن السياسة، لكن حبش لم يساهم فقط في التنكيل بهذه المقولات، ولا حتى بدمج الدين بالسياسة، بل بشرعنة اللامشرعن، أو العصيّ على الشرعنة، سواء أراد هو ذلك أم لم يرد. لا بل هو نفسه حبش الشيخ قد كُلّف، كما هو معلوم، بالدفاع عن نظام بشار الأسد، حينما كانت تُكال له الاتهامات الدولية في مقتل رفيق الحريري. والرجل لم يقصّر في ذلك. وهذا الاتهام في الدفاع عن نظام الأسد قد سئل عنه مرة في لقاء مع الجزيرة، ثم ليبدأ هو بأسلوبه التهربي على طريقته الخطابية في جامع الزهراء، مُمَثّلاً الهجوم على الأسد بأنه كان يرى الهجوم على الشعب والبلد السوري. وأكثر من ذلك، فقد وصل الأمر به اعتبار مجرد طلب لجنة التحقيق الدولية للقاء ببشار الأسد "أن في هذا الطلب إهانة للشعب السوري".

(ماذا يعني أنْ يترشح شيخ دين لاحتلال منصب عند سلطة وراثية غير شرعية، وهو يعلم ذلك؟/ خاص حكاية ما انحكت)

لا يعبر هذا الأسلوب من حبش في المماهاة والمساواة بين الأسد والشعب السوري شكلاً بعثياً عتيقاً يمارسه النظام إلى الآن، بل نجده تقدّم عليه أكثر من خلال إكسابه أرضية دينية في مقابل سماح السلطة لـ حبش في ممارسة أنشطته الدينية والأصولية في دمشق. وهذا بالفعل ما تم للرجل. فالأمر لم يقتصر على "مركز الدراسات الإسلامية" (والذي تم غلقه) ولا حتى على تشكيله الأصولي "أرباب الشعائر الدينية" (التي تغير اسمها إلى "جمعية علماء الشريعة" (والتي أغلقت أيضاً)، وقد كان رئيساً لها سنة 2005 و2008)، بل من خلال، كذلك، نشر تدين شعبوي ضمن منابره الهائلة التي منحه إياها النظام السوري.

إنهم هؤلاء الأرباب (كما يحبون أنْ يطلق عليهم)، أرباب الشعائر والمعابد ومجالس شعوب لا شعوب لها، الذين تربى في أحضانهم جمعٌ غفير من الأصوليين. ولا ننسى كذلك، أنه إضافة، إلى ذلك التدين الشعبوي الذي ساهم به حبش، فقد كان من المساهمين والمتحمسين الأوائل في محاولات إحداث كلية الشريعة في حلب (انظر مثلاً: "حول تأسيس كلية شريعة في حلب كلمة د. محمد حبش في مجلس الشعب بحضور الحكومة، حيث يقول: "وقد كان من نتيجة مطالبتنا ومطالبة جهات عاملة أخرى أن صدر المرسوم رقم...  بإحداث كلية شريعة في جامعة حلب، ومن المتوقع أنها ستبدأ نشاطها مع مطلع العام الدراسي 2006". ويقول أيضاً في نفس الكلمة: "طالبت أيضاً بإحداث كلية شريعة في جامعة الفرات، وأشرت إلى أهمية ذلك، خاصة أن المناطق الشرقية تشهد حركة واسعة من التعليم الديني غير المنضبط وهو بحاجة إلى رعاية أكاديمية، وذلك لنتجنب الفكر المتطرف والمنحرف"، هذا فضلاً عن مساهماته في إنشاء مساجد صغيرة حتى ضمن قواعد الجيش السوري ([8]). وفوق ذلك، فقد جسدت خطوات أو محاولات توحيد الكنائس أو المصالحة والتوحد بين المسيحيين والمسلمين (وقد ورث ذلك عن المشروع الكفتاروي)، ليس خدمة للسلام الديني بمقدار تلميع صورة النظام السوري أمام الغرب وكنائسه وبهدف تقديم صور براقة عن "الوحدة الوطنية التي تعيشها سورية والتي تعد أنموذجاً يحتذى به في العالم". (طبعاً بغض النظر عن عدم قدرة محمد حبش وغيره من أصدقائه الأصوليين في تقديم تنازلات بنيوية لاهوتية، لا ترقيعية، في هذا الشأن. وهذا يمكن قراءته بحسب ما كتبته، ليلى الرفاعي،  في معهد كارنيغي، من خلال استقالة البوطي وشخصيتين بارزتين في كليّة الشريعة الإسلامية في جامعة دمشق، هما عماد الدين الرشيد وبديع السيد اللحام، من مناصبهم التعليمية في أقسامهم، بعد رفضهم تقديم تنازلات حيال المسائل الدينية، وذلك جراء مناسبة قيام مجمع الفتح الإسلامي في دمشق اجتماعاً بين رجال دين سنّة ومسيحيين في كلية اللاهوت في جامعة هارفارد سنة 2006).

(ساهم الدكتور محمد حبش والنظام أيضاً، في الرد على الصوت العلماني وإسكاته، الأمر الذي ساهم في رفع عقائر الأصولية الإسلامية الدمشقية، سنيةً كانت أم شيعية/ خاص حكاية ما انحكت)

مثل تلك النشاطات الأصولية لـ حبش، وغيرها الكثير الهائل، قد ساهمت في تحول أصولي في دمشق ومدن سورية أخرى وذلك بنشر نمطية إسلاموية جديدة. طبعاً كل هذا تزامن مع مساهمة الرجل، والنظام أيضاً، في الرد على الصوت العلماني وإسكاته، الأمر الذي ساهم في رفع عقائر الأصولية الإسلامية الدمشقية، سنيةً كانت أم شيعية. أما عن عنف النظام السوري تجاه المتظاهرين، فقد مثل لـ حبش كما عبر هو بنفس ذلك اللقاء مع الجزيرة، عن "مفاجأة" له، لا بل لم يتخيل حبش ولا 10 بالمائة أنّ النظام سيقوم بالعنف الذي مارسه ضد المتظاهرين، بل وأنّ النظام هذا قد "فاجأه" بسلوكه العنيف ذلك، وكأنّ النظام السوري على مدى أكثر من أربعين سنة كان يمثل حمام السلام. إذاً: أهي مفاجأة حقاً لـ محمد حبش أنّ النظام السوري يقوم بالقتل؟!

هنا يلزم لحظة صدق صغيرة من هذا الرجل.

المراجع:

([1]) انظر: التمييز في قوانين الأحوال الشخصية في سورية، بحث مقارن إعداد: رابطة النساء السوريات 2009 - 2010 انظر هنا ص114.

([2]) وكان الحبش نفسه أشار إلى هذا الهجوم في كتابه هذا، المرأة بين الشريعة والحياة، ص10، pdf.

([3]) الحبش، المرأة بين الشريعة والحياة، ص95-96 ، pdf.

([4]) مثل هذه العلاقات بدأت بعد وصول أردوغان إلى السلطة والانفتاح الاقتصادي بين تركيا وسورية، وبخاصة مع حلب ودمشق. لقد قامت العديد من الأوجه الإسلامية الدعوية بهياكل اقتصادية جراء تلك العلاقات (وهذا الحديث يمكن إفراد زاوية بحثية خاصة به). وحتى اليوم يعتبر النظام الأردوغاني مثالاً، من بين أمثلة أخرى، لكثير من إسلاميي سورية من الإخوان. لقد تأسس مثلاً في ظل أزمة سورية "حزب العدالة والتنمية السوري" الذي يرأسه المدعو عمر شحرور.

([5]) لقد اشتهر حبش بنظيمة "أصولية" فقهية له، وكان قد شرحها وباركها له الأصولي الدمشقي الكبير وهبة الزحيلي: "شرح المعتمد في أصول الفقه" (دار ندوة العلماء، 2008).

([6]) يمكن الاطلاع هنا في هذا الرابط على مسيرة الرجل والتعاون الوثيق بينه وبين أصوات إيرانية (تحت يافطات الحوار والوحدة الإسلامية ودعوات خاصة للتقريب بين المذاهب الإسلامية) ، ليس أقلها المستشارية الثقافية الإيرانية في دمشق، التي كان يحتل بها حبش مكانة مميزة ( انظر هنا مثلاً).

([7]) يمكن الاطلاع مثلاً على كتاب ندوة له تحت عنوان «الحوار المسيحي الإسلامي»، دار الحافظ 1999.

([8]) انظر حول هذه النقطة وإجراءات أخرى كان يقوم بها حبش:

Pierret, Thomas (2013): Religion and State in Syria The Sunni Ulama from Coup to Revolution, Cambridge Middle East Studies, P. 132.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد